Author - hajahmed

تفكيك أثار الجماهيرية في تخوين مزدوجي الجنسية من الليبيين

بقلم الشّايب

من أثار الجماهيرية السلبية والمخرّبة للنسيج الوطني تخوين الخبرات الليبية المقيمة في الخارج سوءا كانوا معارضين أو غيرهم، وقد شارك أعداد كبيرة منهم في ثورة فبراير بل سقط منهم شهداء في مواجهة كتائب القذافي الأمنية في المنطقة الغربية.

هؤلاء تم شيطنتهم بانتشار شعار إقصائي عرف بـ (دبل شفرة) ويهدف إلى التشكيك في ولاء الليبيين من مزدوجي الجنسية وأبنائهم وأحفادهم، وكان النظام السابق قد نعتهم قبل 2011 بـ الكلاب الضالة“.

بالتالي ترسخت حالة ليبيا كدولة طاردة لأبنائها الذين يُعدون بعشرات الآلاف، والنتيجة أن ليبيا خسرت خبراتهم في جميع التخصصات. هذه من أخطر آثار الجماهيرية وأكثرها تدميراً على المدى البعيد، لأنها لم تستهدف الأشخاص فقط، بل استهدفت فكرة “الخبرة” نفسها، وحولت الكفاءة إلى موضع شك، وربطت العودة إلى الوطن بالخطر الاجتماعي والسياسي والنفسي.

شعار “دبل شفرة” تحديدا، لم يكن مجرد عبارة شعبية ساخرة، بل كان أداة شعبوية لتجريم التفوق المهني والعلمي وربط الخارج بالخيانة أو الاستعلاء أو عدم الوطنية. مع الوقت تحولت هذه الثقافة إلى جزء من البنية الذهنية للدولة والمجتمع حتى صار كثير من الليبيين في الخارج يشعرون أن بلادهم لا تريدهم إلا بشروط الإذعان أو الاصطفاف أو الصمت. وبالتالي قد لا يعود أغلبهم إلا بعد تفكيك الأثر الجماهيري وتحقيق استقرار البلاد. النتيجة ـ فيما أرى ـ أنها كانت كارثية على ليبيا في عدة مستويات:

أولا، خسارة تراكم معرفي هائل في الطب والهندسة والقانون والاقتصاد والإدارة والتقنية والتعليم. ثانيا، انقطاع نقل المعرفة والخبرات الحديثة والعلوم المستقبلية إلى المجتمع الليبي. وثالثا، بقاء المؤسسات أسيرة للولاءات والشخصنة بدل المهنية والخبرة والشفافية والتميز. والنتيجة هي إعادة إنتاج الإدارة الضعيفة نفسها لأن البيئة تعادي أصحاب الكفاءة والإبداع.

بسبب هذه الثقافة أصبحت دول المهجر “أوطان بديلة” يشعر فيها الليبي بالأمان والاحترام المهني الذي يفتقده في بلده. كما أن فجوة نفسية نشأت بين الليبيين في الداخل والخارج، حيث يُنظر للعائد أحياناً باعتباره تهديداً أو منافساً أو “متعالياً”.

الأخطر أن هذه الثقافة لا تقتل التنمية فقط، بل تقتل فكرة الدولة الحديثة نفسها؛ لأن الدولة الليبية لن تستطيع النهوض وهي تطرد أعداد كبيرة من عقولها أو تُخضعها لمنطق الشك والولاء. ولهذا فإن تفكيك أثر الجماهيرية هنا لا يعني فقط دعوة الكفاءات للعودة، بل يتطلب إعادة بناء العلاقة بين الدولة والخبرة على أسس جديدة.

بناء تلك العلاقة يتطلب الاعتراف الرسمي بأن استهداف الكفاءات كان جزءاً من التخريب البنيوي للدولة، وأن هناك ضرورة قصوى لبناء نظام وظيفي قائم على الكفاءة لا الولاء، وإنهاء ثقافة التخوين والإقصاء المرتبطة بالمواطنين المقيمين في الخارج.

إن أرادت الدولة تصحيح العلاقة بأبنائها، عليها توفير ضمانات أمنية وقانونية ومهنية للعائدين، وهندسة برامج “استعادة العقول الليبية” بطريقة محترمة لا دعائية، والعمل على الاستفادة حتى ممن لا يرغبون في العودة الكاملة وذلك عبر شبكات خبراء ومراكز بحث واستشارات عن بُعد. وبالتالي علينا إعادة الاعتبار لفكرة أن الهجرة القسرية للكفاءات كانت خسارة وطنية لا “فرزاً سياسياً”.

في الواقع، إن أغلب الخبرات الليبية في الخارج لا تعاني أزمة هوية نحو ليبيا الوطن، بل تعاني من أزمة ثقة في البيئة الليبية الحالية. فمزدوجي الجنسية لا يرفضون الوطن، بل يخشون العودة إلى بيئة غير مستقرة، لا تحترم القانون، وتُعاقب الاستقلال المهني، وتُعيد إنتاج الذهنية التي دفعتهم للمغادرة أصلاً.

لذلك فإن عودة الكفاءات ستكون في الغالب نتيجة مباشرة لنجاح مسار تفكيك الجماهيرية وبناء دولة القانون، وليست مجرد قرار عاطفي أو رسمي. فالعقول تحتاج إلى بيئة تحميها، لا إلى شعارات تستنزفها.

تفكيك أثر الجماهيرية تجاه الخبرات الليبية في الخارج يحتاج إلى مقاربة أعمق من مجرد “دعوة للعودة. لأن المشكلة ليست إدارية فقط، بل نفسية وثقافية وسياسية ومؤسساتية تراكمت لعقود. ولهذا فإن أي معالجة جدية يجب أن تراعي مجموعة من الاعتبارات الأساسية التالية:

أولاً، الاعتراف بأن هجرة الكفاءات كانت نتيجة بنيوية لا خياراً فردياً: أي أنه من المهم كسر السردية التي تُحمِّل الأفراد مسؤولية المغادرة أو تعتبرهم “ناقصي وطنية”. فكثير من الكفاءات غادرت بسبب القمع السياسي، وغياب التقدير المهني، وانهيار المؤسسات، وانعدام الأمان، وانسداد الأفق العلمي والإداري.

الاعتراف بهذه الحقيقة يفتح الباب لمصالحة وطنية مع العقول الليبية في الخارج.

ثانياً، تفكيك ثقافة الشك والتخوين: هذه من أخطر بقايا الجماهيرية. فالخبير القادم من الخارج كثيراً ما يُنظر إليه باعتباره متعالياً، مواليا للخارج، منافساً للنخب المحلية، أو “مش فاهم الواقع. ولذلك يجب استبدال هذه الذهنية بثقافة تعتبر الخبرة الوطنية قيمة مضافة أينما كانت.

وهنا نحتاج إلى خطاب إعلامي وتعليمي وسياسي يمجد الكفاءة لا الولاء، ويُبرز قصص النجاح لكفاءات ليبية في الخارج، ويعيد تعريف الوطنية باعتبارها مساهمة في بناء الوطن لا مجرد الإقامة فيه.

ثالثاً، الفصل بين الخبرة والاستقطاب السياسي: كثير من الليبيين في الخارج تم تصنيفهم سياسياً تلقائياً أنهم معارضون، أو أنهم محسوبون على تيار ما، أو مرتبطون بدولة معينة. هذا التصنيف دمّر إمكانية الاستفادة من هذه الخبرات. فأي مشروع وطني جاد يجب أن يتعامل مع الكفاءة باعتبارها مورداً وطنياً لا بطاقة اصطفاف سياسي.

رابعاً، توفير ضمانات حقيقية لا وعود عاطفية: الخبرات لا تعود إلى بيئة غير مستقرة فقط بدافع الحنين. هناك اعتبارات عملية أساسية، منها الأمن الشخصي، واستقلال المؤسسات، ووضوح العقود والمسارات المهنية، والحماية القانونية، وعدم الابتزاز الإداري، واحترام التخصص. بدون ذلك ستبقى العودة مخاطرة غير عقلانية للكثيرين .

خامساً، عدم اختزال العودة في “الرجوع النهائي”: بعض الخبرات لن تعود حالياً لأسباب عائلية أو مهنية أو قانونية، لكن يمكن الاستفادة منها عبر العمل عن بُعد، والتدريب الإلكتروني، ومراكز أبحاث مشتركة، والاستشارات، والزيارات القصيرة، وبرامج التوأمة بين الجامعات والمؤسسات. أي أن العلاقة مع الكفاءات يجب أن تكون مرنة ومتدرجة.

سادساً، معالجة حساسية الداخل تجاه العائدين: هذه نقطة شديدة الأهمية وغالباً ما يتم تجاهلها. في بعض الأحيان يشعر من بقي داخل ليبيا بأن العائدين سيأخذون الفرص أو المناصب أو الامتيازات. إذا لم تتم إدارة هذه الحساسية بحكمة فقد تتحول إلى صراع اجتماعي صامت. لذلك يجب دمج الخبرات المحلية والخارجية في فرق مشتركة، ومنع سياسات الإحلال المفاجئ، والتأكيد أن الهدف هو نقل المعرفة لا صناعة طبقة فوقية جديدة.

سابعاً، إصلاح المؤسسة قبل استدعاء الخبرة: من أكبر الأخطاء استقدام خبرات عالية إلى مؤسسات فاسدة، ومسيّسة، أو خاضعة للولاءات، تدار بالكولسة والصراعات التافهة. النتيجة غالباً الإحباط، والصدام، ثم المغادرة مجدداً. لذلك فإن الإصلاح المؤسسي التدريجي شرط أساسي للاستفادة من الكفاءات.

ثامناً، بناء مشروع وطني لاستعادة العقول: ليبيا تحتاج إلى سياسة دولة لا مبادرات موسمية. يمكن مثلاً إنشاء هيئة وطنية لاستعادة الكفاءات، وقاعدة بيانات للخبرات الليبية بالخارج، وبرامج منح وتمويل بحثي، وحوافز ضريبية ومهنية، ومسارات خاصة للخبرات النادرة، ومؤتمرات دورية تجمع الخبرات في الداخل والخارج.

تاسعاً، إعادة بناء فكرة “الوطن الحاضن”: الكثير من الليبيين في الخارج لا يحتاجون فقط إلى وظيفة، بل إلى شعور بأن بلدهم تحترمهم، وتحتاج إليهم، وتمنحهم فرصة خدمة وطنهم بتجاربهم وخبراتهم التي ينبغي أن تعود على المجتمع الليبي بالفائدة، وفوق كل ذلك تحمي كرامتهم المهنية والإنسانية.

فالعقول لا تعود إلى الأوطان التي تشعر فيها بأنها مُتّهمة أو مُهدّدة أو غير مرغوب فيها. إنها تعود حين يتحول الوطن من مساحة استنزاف إلى مساحة معنى وفرصة وأمان.

رغم كل آثار الجماهيرية السلبية والانقسامات السياسية والفوضى الأمنية، ما تزال ليبيا تمتلك عناصر قوة عميقة تجعلها قادرة ـ نظرياً وعملياً ـ على التحول إلى بيئة جاذبة للكفاءات والاستثمارات والعودة الوطنية إذا أُديرت بشكل صحيح. وهذه العناصر مهمة جداً لأنها تعني أن الأزمة ليست قدراً دائماً، بل أزمة إدارة وبنية سياسية وثقافية قابلة للتغيير. ومن أهم هذه العوامل:

أولاً: الفرص الكبيرة غير المستغلة

ليبيا ليست دولة مكتملة البناء ثم دخلت مرحلة ركود؛ بل دولة ما تزال في طور التشكّل.
وهذا يعني أن مجالات التأثير فيها واسعة جداً، خصوصاً في إعادة بناء المؤسسات، والبنية التحتية، والتعليم، والصحة، والطاقة، والإدارة الرقمية، والقضاء، والتخطيط الحضري. الكثير من الخبرات ترى أن بإمكانها في ليبيا أن تُحدث أثراً تاريخياً لا يمكن تحقيقه في دول مستقرة ومكتملة البنية.

ثانيا: قلة الكفاءات المتخصصة داخل المؤسسات

رغم أن هذه مشكلة، لكنها أيضاً عنصر جذب لبعض الخبرات، لأن الحاجة حقيقية، وفرص القيادة والتأثير واسعة، وإمكانية صناعة الفرق أكبر من البيئات المشبعة بالمنافسة. لكن هذا يتحول إلى عامل طرد إذا اصطدم الخبير بمنظومة فساد أو عداء للمهنية.

ثالثا: الإمكانات الاقتصادية الكبيرة

رغم سوء الإدارة، تظل ليبيا تملك موارد نفط وغاز ضخمة، وموقع جغرافي مهم، وكثافة سكانية منخفضة نسبياً، وفرص نمو كبيرة. هذه العوامل تجعل كثير من الليبيين يعتقدون أن أي استقرار نسبي قد يفتح باب نهضة سريعة مقارنة بدول أخرى.

رابعا: الرغبة النفسية في استعادة المعنى

كثير من الخبرات المهاجرة تحقق نجاحاً مادياً في الخارج لكنها تشعر مع الوقت بأنها تعيش خارج سياقها الثقافي، أو تؤدي دوراً وظيفياً محدود الأثر. بينما فكرة المساهمة في إعادة بناء الوطن تمنح شعور أعمق بالمعنى والرسالة والانتماء. ولهذا نجد بعض الكفاءات مستعدة لتحمل صعوبات كبيرة إذا شعرت أن هناك مشروعاً وطنياً حقيقياً يستحق التضحية.

خامسا: وجود جيل جديد أقل ارتباطاً بثقافة الجماهيرية

هناك شريحة متزايدة من الشباب أكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر تقديراً للكفاءة، وأقل حساسية تجاه فكرة “الخبير القادم من الخارج”. هذا التحول الثقافي البطيء قد يكون أساساً مهماً لتغيير طويل المدى.

سابعا: إمكانية بناء نموذج جديد للدولة الناجحة

في بعض الأحيان تكون الأزمات العميقة فرصة لإعادة التأسيس. ليبيا ليست مقيدة بالكامل ببنى مؤسساتية راسخة يصعب تغييرها، بل ما يزال فيها هامش لإعادة تصميم الإدارة، والتعليم، والاقتصاد، والخدمات العامة، بطرق حديثة إذا وُجدت الإرادة السياسية.

ولهذا فإن نقطة التحول الحقيقية ستكون عندما يشعر المواطن الليبي في الخارج أن القانون أقوى من المزاج، والكفاءة أهم من الولاء، والدولة تحميه لا تبتزه، وأن تفكيك إرث الجماهيرية أصبح مشروعاً فعلياً لا مجرد خطاب.

عندها فقط يمكن أن تتحول ليبيا من “وطن يشتاق إليه أبناؤه” إلى “وطن يستطيعون العيش والبناء فيه من جديد”.

كل هذه العوامل وحدها لا تكفي. فالانتماء وحده لا يهزم الخوف، والفرص وحدها لا تتغلب على الفوضى، والحماس الوطني وحده لا يبني مؤسسات.

____________

تفكيك أثر الجماهيرية في تعطيل ارجاع حقوق الناس في مِلْكِيّة الأرض والعقار

بقلم الشّايب

الشعب الليبي عانى من النظام الجماهيري على كل المستويات وخاصة في مجال قُدسِية المِلكية البيوت والمحلات التجارية والشركات الخاصة والعقارات والأراضي وغيرها من الأملاك.

ومن أسوأ القوانين التي أصدرها القذافي قانون رقم (4) لسنة 1978م بشأن الملكية العقارية في ليبيا، المعروف بـقانون البيت لساكنه، وقانون رقم (7) لسنة 1986م بشأن إلغاء ملكية الأرض، وقد نص على إلغاء الملكية الخاصة للأراضي، معتبراً أن الأرض ملك للجميعوالأمر المحزن أن هذه القرارات والسياسات لا زالت آثارها السيئة مستمرة عمليا بعد 2011 مما ضاعف من معاناة الناس.

نحن أمام مجال حقيقي لتفكيك هذا الإرث، لكن المسألة تحتاج إلى فهم أن أزمة الأملاك في ليبيا ليست مجرد نزاعات عقارية أو خلافات قانونية معزولة، بل هي جزء من بنية سياسية واقتصادية وثقافية أنتجها نظام “الجماهيرية” لعقود، ثم استمرت بعض آثارها بعد 2011 بسبب ضعف الدولة والانقسام المؤسسي وغياب مشروع واضح للعدالة الانتقالية.

القوانين مثل قانون رقم 4، وقانون رقم 7، وسياسات “تأميم التجارة” وشعارات البيت لسكانهو”شركاء لا أجراء”، لم تكن مجرد شعارات ثورية وتشريعات اقتصادية، بل أدوات لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة، عبر ضرب فكرة المِلكِية الخاصة، وإضعاف الطبقة الوسطى، وتحويل المواطن من منتج مستقل إلى تابع للدولة، وخلق خوف دائم من الاستثمار والاستقرار، ونشر فكرة أن الحقوق يمكن أن تُلغى بقرار سياسي.

هذه القوانين والسياسات تركت آثارًا عميقة ما تزال حاضرة حتى اليوم وتتمثل في نزاعات عقارية متراكمة، وفقدان الثقة في القضاء، وعزوف عن التعامل مع المصارف، والاستثمار طويل المدى، ناهيك عن الصراعات العائلية والمناطقية حول الأملاك والمواريث، وشعور الضحايا بأن الدولة لم تعترف بما وقع عليهم، واستمرار بعض الجهات في الاستفادة من الأمر الواقع الذي فرضته تلك القوانين.

الواقع أن المعاناة استمرت بعد 2011، لأن فبراير ورثت دولة ضعيفة، وأرشيفًا ناقصًا أو مُخترقًا، و قضاءً مثقلًا بالضغوط، ومخاوف من انفجار اجتماعي إذا فُتح ملف الأملاك دفعة واحدة، وأطرافًا نافذة استفادت من استمرار الوضع القائم. ولهذا تم التعامل مع الملف غالبًا بمنطق “التجميد” بدل “الحل”، فبقيت المظالم معلقة، وتحوّل الزمن نفسه إلى أداة جديدة للظلم.

التفكيك إرث الجماهيرية ممكن، لكن بشروط. فالتفكيك في ملف الأملاك لا يعني الانتقام ولا خلق موجة تهجير جديدة، بل يعني بناء عدالة متوازنة تعترف بالضحايا وتحافظ في الوقت نفسه على السلم المجتمعي، وهذا يتطلب عدة مسارات متوازية:

أولًا: الاعتراف الرسمي بالمظلومية

على الدولة الليبية أن تعترف بوضوح بأن سياسات المصادرة والتأميم القسري وانتهاك الملكية الخاصة كانت انتهاكات جسيمة، وكثير من القوانين التي استُخدمت لم تستند إلى شرعية دستورية حقيقية، وآلاف العائلات تضررت اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا. الاعتراف مهم لأنه ينقل القضية من “نزاع شخصي على عقار” إلى “قضية عدالة انتقالية وحقوق.

ثانيًا: إنشاء هيئة مستقلة لرد المظالم

هذه الهيئة ليست مجرد لجان إدارية مؤقتة، بل ينبغي أن تكون مستقلة عن التجاذبات السياسية، ومدعومة بقضاة وخبراء توثيق وأرشفة، ومرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، وأن يكون لديها صلاحيات للتسوية والتعويض والتحكيم، ويجب أن تعمل وفق مبادئ الحقيقة، والإنصاف، وعدم الانتقام، وحماية الاستقرار الاجتماعي.

ثالثًا: الفصل بين الحق القانوني والواقع الاجتماعي

هذه من أعقد المسائل، فبعض العقارات والمزارع والمحلات، تغيّر شاغلوها منذ عقود، وُلدت فيها أجيال جديدة، وأصبحت مرتبطة بمصالح معيشية واسعة. لذلك لا يمكن معالجة الملف بمنطق “أخرجوا الجميع فورًا”، بل عبر حلول متعددة، كرد الملكية حيث أمكن، والتعويض المالي العادل، والتعويض بأصول بديلة، والتسويات الرضائية، وعقود انتفاع انتقالية، وحلول مرحلية تمنع الصدام الاجتماعي.

رابعًا: إعادة بناء قدسية الملكية الخاصة

المشكلة ليست فقط في الماضي، بل في استمرار هشاشة الحماية القانونية حتى اليوم، أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى قضاء مستقل فعليًا، وسجل عقاري موثوق ورقمي، وحماية من التزوير والفساد، ومنع الاستيلاء بالقوة، وتجريم الاعتداء على الملكية العامة والخاصة، وضمانات دستورية واضحة.

خامسًا: تحويل الملف من صراع سياسي إلى مشروع وطني

من الأخطاء استخدام ملف الأملاك للانتقام السياسي، أو للمزايدات، أو للتحريض الاجتماعي. والمطلوب هو خطاب يقول لا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مظالم غير معترف بها. وفي الوقت نفسه لا يمكن معالجة الظلم القديم بإنتاج ظلم جديد.

سادسًا: التوثيق وحفظ الذاكرة

الكثير من الليبيين لا يدركون حجم الأثر الذي خلفته تلك السياسات على الاقتصاد، والثقافة، والاستثمار، والهجرة، وتفكك الثقة بين المواطن والدولة. لذلك من المهم توثيق شهادات المتضررين، وحفظ الوثائق والأحكام، وإعداد دراسات قانونية واقتصادية، وإدراج هذه التجربة ضمن الذاكرة الوطنية. حتى لا يتكرر مرة أخرى أن تُلغى حقوق الناس تحت شعارات شعبوية أو ثورية أو أيديولوجية.

إن استمرار الملف دون حل يعني بقاء قنبلة اجتماعية مؤجلة، واستمرار فقدان الثقة بالدولة، وتعطيل الاستثمار والتنمية، وانتقال الشعور بالظلم عبر الأجيال، وتغذية الانقسامات المناطقية والسياسية.

ولهذا فإن معالجة آثار قوانين الجماهيرية على الأملاك ليست قضية “ماضٍ”، بل قضية تتعلق بمستقبل الدولة الليبية نفسها. ويمكن القول أن احترام الملكية الخاصة في أي دولة ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل معيار أساسي لوجود دولة قانون، وقضاء مستقل، ومواطنة آمنة، وثقة بين الإنسان والدولة.

أن جريمة إحراق السجل العقاري وإتلاف الأرشيف في زمن الجماهيرية، هي من أسوأ أدوات الهدم لبنية الدولة الليبية، لأنها لا تتعلق فقط بضياع أوراق أو سجلات، بل تمسّ أساس فكرة “اليقين القانوني” الذي تقوم عليه المِلكِية والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. إذا ثبت أو ترجّح أن إحراق مبنى السجل العقاري أو إتلاف أجزاء واسعة من الأرشيف تم بصورة متعمدة، فإن الأمر يتجاوز حدود الإهمال الإداري إلى مستوى تدمير الذاكرة القانونية للدولة، وتعطيل حقوق الأفراد عبر الأجيال، وإنتاج فوضى قانونية طويلة المدى.

المِلكِية العقارية ليست مجرد ورقة، بل هي هوية قانونية للأرض، وضمان للاستثمار، وأداة للاستقرار الأسري، وركيزة للائتمان والاقتصاد، وأساس لثقة المواطن بالدولة. فعندما يُدمَّر الأرشيف العقاري أو يُعبث به، تظهر نتائج خطيرة جدًا مثل تعذر البيع والشراء، وتضارب الملكيات، وانتشار التزوير، وتعدد المطالبين بالعقار الواحد، وتعطيل التنمية العمرانية، وعزوف المستثمرين، وازدياد النزاعات القبلية والعائلية، وضعف قدرة القضاء على الحسم.

في الحالة الليبية، المشكلة تعقّدت أكثر لأن كثيرًا من المصادرات والتأميمات تمت أصلًا في بيئة قانونية مضطربة، ثم جاء تدمير أو فقدان الأرشيف ليقضي على وسائل الإثبات نفسها. ولهذا أصبح بعض المواطنين يعيشون حالة عبث قانوني مؤلمة حيث “يعرف الجميع أن الأرض أرضه… لكنه لا يستطيع إثبات ذلك رسميًا.

هذا الملف هو جزء من العدالة الانتقالية بامتياز. لأن الضرر هنا ليس فرديًا فقط، بل بنيوي ومقصود الأثر. فالأنظمة الشمولية كثيرًا ما تسعى للسيطرة على المجتمع عبر السيطرة على الأرض، والتحكم في الملكية، وإضعاف الاستقلال الاقتصادي للمواطنين. وعندما تُفقد السجلات العقارية أو تُعطل عمدًا، يصبح المواطن أقل قدرة على الاستقلال، وأكثر اعتمادًا على السلطة، وأضعف في مواجهة النفوذ السياسي أو الأمني.

لذلك فإن إعادة بناء الثقة العقارية يجب أن تكون جزءًا من أي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة.

ما الذي يمكن فعله عمليًا؟

أولًا: اعتبار الأرشيف العقاري قضية سيادة وطنية، وليس مجرد ملف إداري. وينبغي جمع كل النسخ المتبقية من السجلات، والبحث عن أرشيفات فرعية بالمحاكم والبلديات ومكاتب الضرائب والمصارف، ورقمنة كل الوثائق المتوفرة، والاستفادة من الأرشيفات العثمانية والإيطالية والمَلَكية إن وُجدت، وحماية ما تبقى من العبث والتزوير.

ثانيًا: إنشاء “مسار إثبات بديل”. لأن كثيرًا من الناس فقدوا الوثائق دون ذنب، وهنا يمكن اعتماد وسائل متعددة للإثبات مثل الأحكام القضائية القديمة، وعقود البيع العرفية، وسجلات الضرائب، والخرائط التاريخية، وشهادات الجيران والوجهاء، وفواتير الخدمات، والحيازة الطويلة المستقرة، والصور الجوية والمخططات القديمة. أي أن الدولة تحتاج إلى فلسفة قانونية تقول غياب الوثيقة الرسمية لا يعني تلقائيًا غياب الحق.

ثالثًا: تأسيس محاكم أو دوائر عقارية متخصصة. لأن القضاء العادي قد يُرهَق بهذا الكم الهائل من النزاعات. وهذه الدوائر ينبغي أن تضم قضاة متخصصين، وخبراء مساحة، ومختصين بالأرشفة، وخبراء تاريخ عقاري.

رابعًا: إنشاء صندوق وطني للتعويض والتسوية. لأن بعض الملفات قد يستحيل حسمها بعد عقود من التعقيد، وفي هذه الحالات تصبح التسوية العادلة أفضل من استمرار النزاع إلى ما لا نهاية.

خامسًا: تحصين المستقبل. أي إصلاح حقيقي يجب أن يتضمن سجلًا عقاريًا رقميًا حديثًا، ونظام حفظ احتياطي داخل وخارج البلاد، وربطًا إلكترونيًا بالمحاكم والبلديات، وتشريعات صارمة ضد التزوير والاستيلاء.

البعد النفسي والاجتماعي المهمالكثير من الليبيين لا يشعرون فقط بأن ممتلكاتهم ضاعت، بل بأن تاريخ عائلاتهم مُحي، وتعب أجيال كاملة أصبح بلا قيمة قانونية، والدولة لم تحمِ ذاكرتهم ولا حقوقهم. وهذا يولّد شعورًا عميقًا بانعدام الأمان الوطني. لذلك فإن إصلاح ملف السجل العقاري ليس قضية تقنية فقط، بل جزء من استعادة الثقة، وإعادة الاعتبار للمواطن، وإحياء فكرة الدولة كحامٍ للحقوق لا كخصم لها.

في التجارب الدولية، كثير من الدول الخارجة من الحكم الشمولي أو الحروب لم تبدأ التعافي الحقيقي إلا عندما أعادت للناس الثقة بأن “حقوقهم لن تختفي بحريق، أو قرار سياسي، أو تغير في موازين القوة.”

__________