صلاح الهوني

ملف المفقودين في ليبيا تحوّل إلى اختبار حقيقي للشرعية، فكل سلطة تتجاهل آلام آلاف العائلات تُؤسّس لشرعية ناقصة مهما امتلكت من اعتراف دولي.

على مدار خمسة عشر عامًا، ظل ملف المفقودين حاضرًا في الذاكرة الجمعية لكنه مؤجّل في أجندات كل سلطة تعاقبت على ليبيا. كل تسوية سياسية احتجّت بضرورة الاستقرار أولًا، وكل حكومة وعدت بمعالجة الملف لاحقًا، وكل “لاحقًا” تحوّل إلى سنة أخرى من الانتظار تُضاف إلى ما سبقها.

اليوم، يعود هذا الملف إلى صدارة المشهد، ليس فقط كقضية إنسانية تُحرّك المشاعر، بل كتحدٍّ سياسي وأخلاقي يُعيد تعريف ما تعنيه الشرعية في الدولة الليبية.

المعاناة الإنسانية المرتبطة بهذا الملف لا تحتاج إلى كثير من البيان. آلاف العائلات الليبية تعيش منذ سنوات في حالة عاطفية قاسية، لا حداد كامل لأن لا تأكيد بالوفاة. أبناء اختفوا في ظروف غامضة: ناشطون سياسيون احتُجزوا ولم يعودوا، وحقوقيون دخلوا معتقلًا ولم يخرجوا، وصحفيون ابتلعتهم الفوضى في سنوات الاقتتال.

هذه العائلات لم تجد إجابات. تلقّت وعودًا مؤجلة وبيانات رسمية وتحقيقات لم تُكتمل وملفات تراكمت في أدراج إدارية لم تُفتح. وغياب الإحصاءات الرسمية الموثوقة عن أعداد المفقودين – وهو في حد ذاته فضيحة مؤسسية – لا يعكس فقط عجز الدولة عن إدارة الملف، بل يعكس قبل ذلك غياب الإرادة السياسية في الاعتراف بحجمه. لا تعرف كيف تحسب ما لا تريد رؤيته.

على مدار السنوات الماضية، بُنيت معظم التسويات السياسية الليبية على موازين القوة: من يملك السلاح، ومن يسيطر على حقول النفط، ومن يحظى بدعم القوى الخارجية. بقيت ملفات الضحايا مؤجلة تحت ذريعة أن الاستقرار يجب أن يسبق العدالة؛ وهو جدل مألوف في مجتمعات ما بعد الصراع، لكنه في الحالة الليبية استُخدم لتبرير تجاوز الضحايا لا لضمان السلم الاجتماعي.

الواقع اليوم مختلف بصورة نوعية. المجتمع الليبي بات أكثر إدراكًا بأن أي سلطة تتجاوز آلام آلاف العائلات إنما تُؤسّس لشرعية ناقصة وهشة مهما امتلكت من اعتراف دولي أو دعم خارجي. هذا ليس مجرد تحوّل في الخطاب، بل هو تحوّل في ما يُعدّ مقبولًا وما لم يعد مقبولًا في الحياة السياسية الليبية. كل سلطة قادمة ستجد نفسها أمام سؤال مباشر من الشارع: ماذا ستفعلون بملف المفقودين؟

البُعد القانوني والمؤسسي للقضية يستحق وقفة تحليلية مستقلة، لأن الفارق بين القانون الجيد والتطبيق الفاعل هو الفارق ذاته بين الوعد والإنجاز. التوافق على صياغة قانون شامل يُمثّل خطوة أولى ضرورية نحو بناء إطار مؤسسي يُعالج الملف. قانون يمنح العائلات حقا قانونيا مُعترفا به في معرفة مصير أبنائها، ويُلزم الدولة بتشكيل هيئة تحقيق مستقلة، ويُحدّد آليات الكشف عن المقابر الجماعية والتعامل مع الرفات، ويضع إجراءات واضحة لتعويض الأسر.

لكن التحدي الحقيقي أن السلطات الحالية غير قادرة على فتح هذا الملف بالشكل المطلوب، إذ إن فتحه الكامل سيطال أطرافًا لا تزال جزءًا من المنظومة السياسية القائمة. وهذا يعني أن العبء الأكبر سيقع على كاهل السلطة القادمة، التي ستجد نفسها أمام اختيار إستراتيجي: إما أن تُعالج الملف بجدية وتدفع ثمنه سياسيًا مع بعض الحلفاء، وإما أن تُؤجّله وتدفع ثمنه من رصيد شرعيتها.

القانون وحده لا يكفي، وتجارب دول ما بعد الصراع من تشيلي إلى جنوب أفريقيا إلى رواندا تُعلّم هذا الدرس بوضوح. ما يُكمل القانون هو مؤسسات مستقلة حقيقيًا، وتمويل مُستدام، ودعم دولي متواصل يضمن عدم تسييس عمل اللجان وتحوّلها إلى أوراق ضغط بين الأطراف. وهذه متطلبات لم تُوفّرها ليبيا حتى الآن لأي مؤسسة.

الأثر الاجتماعي للقضية يمتد إلى ما هو أبعد من العائلات المباشرة المعنية. الثقة بين المواطنين والدولة لا يمكن أن تُبنى في ظل تجاهل ممنهج لأسئلة الحياة والموت التي يحملها المجتمع. المصالحة الوطنية التي يتحدث عنها الجميع، من السياسيين في طرابلس إلى الدبلوماسيين في جنيف، لن تكون ممكنة إذا لم تُكشف الحقيقة ولم يتضح مصير الضحايا ولم يُحاسَب المسؤولون عن أكثر الانتهاكات جسامة.

المفقودون جزء من الذاكرة الجمعية لمجتمعات بأكملها. كل عائلة تبحث عن ابن مفقود هي جزء من نسيج اجتماعي واسع لا يستطيع الشفاء الكامل ما دامت الجروح مفتوحة. وكل إجابة مؤجلة تُطيل أمد هذا الجرح وتُعيق أي مشروع استقرار يسعى إلى بناء مجتمع يُفكّر في المستقبل لا يستهلك طاقته في استجواب الماضي.

ما يجمع هذه الأبعاد كلها – الإنساني والسياسي والقانوني والاجتماعي – هو إدراك واحد جوهري: أن ملف المفقودين أصبح “البوابة الإلزامية” لأي مشروع سلطة يسعى للاستمرار والاستقرار في ليبيا. تجاهل هذا الملف لم يعد ممكنًا كما كان في السابق، مع تنامي الضغوط المحلية والدولية، واتساع نشاط المنظمات الحقوقية، وعودة الحديث الموثّق عن المقابر الجماعية والانتهاكات الجسيمة التي رافقت سنوات الانقسام. هذا الحديث لا يُخفَت بل يتصاعد.

المستقبل الليبي لن يُرسم فقط بموازين القوة أو الاعتراف الدولي أو الاتفاقيات التي تُبرم في جنيف وباريس، بل سيُرسم أيضًا – وربما قبل أي شيء آخر – بقدرة الدولة الليبية على مواجهة ماضيها، وبناء مصالحة حقيقية تُعيد الثقة المكسورة بين المجتمع والمؤسسة.

____________

Related Articles