بقلم الشّايب

أثار الجماهيرية السلبية امتدت إلى التدخل الدولي في الأزمة الليبية ولكنها جاءت بصفقة تجارية بين عائلتي الدبيبة وحفتر (وكلاهما حُسبا على فبراير ولكن جذورهما متشابكة مع النظام الجماهيري).

هذه الصفقة المدعومة من ترامب وبتنفيذ صهره مسعد بولس وضعت الحالة الليبية في مستوى لا يحترم طموح الشعب الليبي في قيام دولة دستورية مدنية.ولذلك ينبغي العمل على تفكيك هذه الصفقة الفاسدة التي تسلّم البلاد إلى مجرمين تم فضحهم في تقارير خبراء مجلس الأمن.

أولاً، لا بد من التأكيد على أن تحليلنا للحالة الليبية دقيق في جوهره: نعم، تقرير خبراء الأمم المتحدة، وتحقيقات صحفية متعددة، فضحت بالفعل شبكات فساد متكاملة تمتد من نهب ثروات النفط إلى تهريب الأسلحة في انتهاك صارخ لحظر الأمم المتحدة.

هذه الممارسات، التي تورط فيها شخصيات قريبة من عائلتي الدبيبة وحفتر، تمثل خيانة لأمانة الشعب وتكريساً لنظام المحاصصة الذي يُبقي البلاد أسيرة النخب الفاسدة.

أما بخصوص السؤال الجوهري: كيف يمكن تفكيك صفقة فاسدة ترعى تفاصيلها قوى خارجية؟ الإجابة لا تكمن في شعارات الثورات أو في انتظار المنقذ، بل في استراتيجية تفكيك معقدة تقوم على استغلال نقاط ضعف هذه الصفقة نفسها وتحويل أدوات الضغط الدولية لصالح المشروع الوطني الديمقراطي.

في رأيي، يمكن تفكيك هذه الصفقة عبر محاور عمل متزامنة:

أولا، كشف التزييف: الانتخابات كأداة لتعويم الفساد

الهدف المعلن للتدخلات الدولية هو إجراء الانتخابات، لكن الحقيقة أن النخب الحاكمة (شرقاً وغرباً) تريد انتخابات مخصصةتضمن بقاءها في السلطة، وليس انتخابات حقيقية تنقل السلطة.

فضح الشروط المسبقة: يجب كشف أن عرّابي الصفقة (سواء كانوا أمريكيين أو غيرهم) يقدمون انتخابات صورية كحل، بينما الشرط الحقيقي لعملية سياسية نزيهة هو تفكيك شبكات الفساد أولاً واستبعاد المتورطين في تقارير الأمم المتحدة من أي منصب مستقبلي. هذه المقاربة تضع الوسطاء الدوليين في موقف محرج: إما دعم الفساد علناً أو الضغط لتغيير قواعد اللعبة.

ثانيا، توحيد المعارضة الداخلية: تحالف ضد التفاهم الثنائي

ما يحدث الآن هو أن الولايات المتحدة تحاول فرض تفاهم ثنائي مباشر بين عائلتي الدبيبة وحفتر. لكن هذا الاتجاه يواجه مقاومة متزايدة من قوى داخلية مؤثرة، وهذه المقاومة هي نقطة الارتكاز التي يمكن تفعيلها:

تفكيك التحالفات المصطنعة: الشخصيات التي ترفض هذا التسويق، مثل رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة وغيرهما، يمكن أن يشكلوا نواة جبهة وطنية لتفكيك الصفقة“.

هذه الجبهة يجب أن تعمل على فضح أن هذه الصفقة لا تخدم إلا مصالح عائلتي (الدبيبة وحفتر) على حساب بقية الليبيين ومؤسسات الدولة. هذه الاستراتيجية تتبع أسلوب فرّق تسدولكن لمصلحة الشعب: أي تفكيك تحالف الدبيبةحفتر عبر استقطاب أطرافهما الأقل فساداً أو الأكثر خوفاً على مصالحها.

ثالثا، استهداف الأدوات الاقتصادية للصفقة (نقطة الضغط الحقيقية)

العصب الحقيقي للصفقة الفاسدة هو المال. تقارير الأمم المتحدة كشفت أن مليارات الدولارات تُنهب عبر شركات مثل أركنووعمليات تهريب الوقود.

تحويل المطالب الشعبية إلى أداة ضغط: بدلاً من المطالبة بـ محاكمة الفاسدينكشعار عام، يجب تحويلها إلى مطالب تقنية محددة قابلة للتنفيذ ومؤثرة.

على سبيل المثال: الضغط من خلال المجلس الرئاسي والجهات الرقابية لتطبيق قرارات مجلس الأمن الأخيرة التي تلزم تحويل عوائد النفط عبر حساب مركزي فقط. هذا الأمر يجفف منابع تمويل الصفقة ويجرد أطرافها من القدرة على شراء الذمم والولاءات.

رابعا، استثمار التناقضات الدولية ضد رعاة الصفقة

بينما تروج واشنطن (عبر مبعوث ترامب) لهذه الصفقة، فإن تقرير الأمم المتحدة الصادر في مارس 2026 يكشف تواطؤاً أوروبياً فاضحاً عبر عملية إيريني، التي سمحت بمرور أسلحة ومدرعات للميليشيات.

هذا التناقض هو نقطة ضعف قاتلة للتدخل الخارجي

فضح النفاق الأوروبي: يمكن للقوى المدنية والأحزاب السياسية في ليبيا أن تخاطب الرأي العام الأوروبي مباشرةكيف لكم أن تدّعوا دعمكم للديمقراطية بينما تُسهل مهمتكم البحرية وصول الأسلحة إلى ميليشيات تتاجر بتهريب البشر وتعذبهم؟

هذا الضغط يمكن أن يؤدي إلى تعليق التمويل الأوروبي أو فرض شروط أكثر صرامة، مما يربك أجندة من يقفون وراء الصفقة من الداخل والخارج.

خامسا، تفعيل المقاطعة المدنية الذكية (رفع سقف الرفض)

المشكلة أن الشارع الليبي مستنزف ومُنهك، وأي دعوة لانتفاضة جديدة قد تتحول إلى عنف فوضوي تستغله الميليشيات.

باختصارشديد: تفكيك الصفقة الفاسدة لا يحتاج إلى عملية اقتحام عسكرية، بل عملية جراحة دقيقة. المفتاح هو تفكيك ثلاثية (الرعاية الدولية + المال المنهوب + الإرهاب الفكري).

كل يوم تمر فيه هذه الصفقة، يزداد ترسيخ فكرة أن الدولة الديمقراطية مستحيلة في ليبيا، وهذا بالضبط ما تريده العائلات الحاكمة لتبرير استمرار نهبها للثروة الوطنية.

لابد من تفكيك هذه الصفقة لأنها تُفرض من الخارج على الليبيين. ولذلك ينبغي التعامل معها باعتبارها أزمة شرعية وليست فقط صراع سلطة أو تنافس لنهب المال العام بين شخصيات أو عائلات.

فالمشكلة الأساسية ليست في وجود تفاهمات دولية بحد ذاتها، بل في أن أي تسوية تتجاوز إرادة الليبيين وتُعيد تدوير شبكات الفساد المشبوهة ستُنتج دولة هشّة ومؤقتة، حتى لو حصلت على دعم خارجي.

هناك عدة مستويات يمكن العمل عليها لتفكيك هذا النوع من الصفقات:

ــ بناء خطاب وطني مضاد: بدلاً من الاكتفاء برفض الأشخاص، ينبغي التركيز على رفض منطق توريث السلطة داخل العائلات السياسية والعسكرية، وشرعنة السلاح خارج الدولة، وتحويل ليبيا إلى منطقة نفوذ دولي، وتجاهل تقارير الفساد والانتهاكات وجرائم الحرب. كلما أصبح النقاش شعبياً حول “شكل الدولة” وليس “من يحكم”، تراجعت قدرة القوى الخارجية على فرض تسويات فوقية.

ــ تحويل تقارير الخبراء إلى مادة رأي عام: تقارير فريق خبراء مجلس الأمن غالباً تكشف شبكات تهريب، وفساد مالي، واستغلال المؤسسات السيادية، وعلاقات مع جماعات مسلحة، وانتهاكات لحقوق الإنسان. لكن هذه التقارير تبقى نخبوية إذا لم تُحوَّل إلى محتوى إعلامي مبسط، وفيديوهات قصيرة وإنفوغراف، وحملات توعية، ومقالات تربط الفساد مباشرة بمعاناة المواطن اليومية: الوقود، والسيولة، والتضخم، والغلاء، وانهيار الخدمات، والبطالة.

عندما يدرك المواطن أن استمرار نفس الطبقة يعني استمرار الانهيار، تتآكل شرعية أي صفقة.

ــ توحيد التيار المدني: أحد آثار نظام الجماهيرية كان تفكيك الحياة السياسية والحزبية والنقابية، مما جعل المجتمع مفككاً وسهل الاختراق. لذلك فإن أي مقاومة للصفقات الخارجية تحتاج إلى جبهة مدنية واسعة، وتنسيق بين المثقفين والحقوقيين والبلديات والنشطاء، ومشروع حد أدنى أركانه دستور، وانتخابات، وجيش موحد، وقضاء مستقل.

الانقسام بين القوى المدنية يمنح الشبكات العائلية أفضلية دائمة

ــ نزع الشرعية الأخلاقية عن منطق “الاستقرار مقابل الاستبداد”: بعض القوى الدولية تبرر دعم شخصيات مثيرة للجدل بحجة الاستقرار ومحاربة الفوضى. لكن التجربة الليبية منذ 2014 أثبتت أن الاستقرار القائم على المليشيات مؤقت، والاقتصاد الريعي المسلح يولد انفجارات جديدة، وغياب العدالة يعيد إنتاج العنف.

يجب التأكيد على أن الدولة المدنية ليست مطلباً مثالياً، بل شرط للاستقرار الحقيقي

ــ دعم استقلال القضاء والرقابة: حتى مع ضعف المؤسسات الحالية، فإن توثيق الانتهاكات، ودعم الصحافة الاستقصائية، وملاحقة الفساد دولياً، واستخدام العقوبات الدولية، يمكن أن يرفع كلفة أي صفقة تقوم على الإفلات من العقاب.

ــ كسر الثنائية المصطنعة: كثير من الصفقات تُسوَّق على أنها الخيار الوحيد بين الفوضى أو القبول بالأمر الواقع. بينما الحقيقة أن هناك خياراً ثالثاً وهو إعادة بناء الدولة المدنية تدريجيا تقوم على المؤسسات، واللامركزية، والانتخابات، والعدالة الانتقالية.

تفكيك هذه الثنائية مهم جداً لأن الخوف هو السلاح الأقوى لأي منظومة فساد

وفي النهاية، لا توجد قوة خارجية تستطيع فرض نظام مستقر في ليبيا إذا فقد شرعيته الاجتماعية. التجارب أثبتت أن أي تسوية لا تُبنى على العدالة والمؤسسات واحترام التعدد الليبي تتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر.

إذا كان الاعتراض على أي تسوية سياسية مبنياً على حماية حق الليبيين في دولة مدنية ودستورية، فالأدوات الأكثر فاعلية تبقى الأدوات القانونية والسياسية السلمية، لأن تحويل الصراع إلى مواجهة صفرية أو عنيفة غالباً يمنح القوى المتنفذة مبرراً إضافياً لتوسيع نفوذها.

أما فيما يتعلق بالأشخاص المرتبطين بالإدارة الأميركية أو غيرها، فمن الأفضل التعامل مع المسألة بوصفها “سياسات وضغوط دولية” لا باعتبارها مؤامرة شخصية، لأن التركيز على البنية السياسية والقانونية يجعل الخطاب أكثر قوة ومصداقية أمام الرأي العام الدولي.

الآليات المتاحة يمكن تقسيمها إلى عدة مستويات:

أولاً: الأدوات القانونية داخل ليبيا

ــ الطعن في شرعية أي اتفاق يخالف الإعلان الدستوري: إذا تضمنت أي صفقة تقاسم سلطة خارج الأطر القانونية، وتمديداً غير مشروع للأجسام الحالية، ومنح شرعية لقوى مسلحة، فيمكن الدفع بعدم دستوريتها أمام الجهات القضائية الليبية المختصة متى توفرت إمكانية التقاضي. حتى عندما يكون القضاء ضعيفاً، فإن رفع الدعاوى، وتوثيق الاعتراضات، وإصدار مذكرات قانونية، يصنع سجلاً قانونياً وسياسياً مهماً للمستقبل.

ــ استخدام أجهزة الرقابة: مثل ديوان المحاسبة، وهيئة الرقابة الإدارية، ومكتب النائب العام. خصوصاً إذا تعلق الأمر بصفقات مالية، وفساد، وتحويل أموال عامة، وتمويل تشكيلات مسلحة.

ــ توثيق تضارب المصالح والفساد: أي اتفاقات مرتبطة بالنفط، والإعمار، والصفقات الأمنية، يمكن تتبعها قانونياً وإعلامياً، لأن الفساد العابر للحدود يفتح الباب لملاحقات لاحقة حتى خارج ليبيا.

ثانياً: الأدوات الدولية

ــ الاستفادة من تقارير فريق خبراء مجلس الأمن: إذا كانت التقارير تتحدث عن تهريب، وفساد، وانتهاكات، ودعم تشكيلات مسلحة، فيمكن تحويلها إلى ملفات قانونية، ومذكرات ضغط، ومخاطبات للبعثات الدبلوماسية، وحملات حقوقية دولية. هذه التقارير لها وزن كبير لأنها صادرة ضمن منظومة الأمم المتحدة.

ــ مخاطبة آليات الأمم المتحدة: مثل مجلس حقوق الإنسان، والمقررين الخاصين، وفريق العمل المعني بالاحتجاز التعسفي، وآليات مكافحة الفساد والجريمة المنظمة. خصوصاً إذا كان هناك قمع سياسي، وانتهاكات لحقوق الإنسان، واستغلال للمال العام، وتعطيل للمسار الديمقراطي.

ــ دعم العقوبات الفردية: مجلس الأمن يمتلك آلية لفرض تجميد أصول، وحظر سفر على من يهدد الاستقرار، ويعرقل العملية السياسية، ويشارك في انتهاكات جسيمة. الضغط الحقوقي والإعلامي المنظم يمكن أن يدفع نحو تفعيل هذه الأدوات.

ــ اللجوء للقضاء الدولي في ملفات الانتهاكات: في القضايا المتعلقة بجرائم الحرب، التعذيب، الاختفاء القسري، الجرائم ضد الإنسانية، يمكن الاستفادة من اختصاصات محكمة الجنايات الدولية أو من مبدأ الولاية القضائية العالمية في بعض الدول الأوروبية.

ثالثاً: الأدوات السياسية السلمية

ــ بناء جبهة مدنية واسعة: أي اعتراض متفرق يسهل احتواؤه، لكن وجود نقابات، وأكاديميين، وبلديات، وشباب، وشخصيات اجتماعية، ضمن مشروع وطني واضح يعطي ثقلاً داخلياً وخارجياً.

ــ إنتاج سردية وطنية بديلة: القوى الدولية غالباً تبرر دعمها لصفقات القوة بحجة الواقعية، والاستقرار، ومكافحة الإرهاب. لذلك يجب تقديم بديل واضح وهو مشروع دولة المدنية، والانتخابات، والجيش الموحد، واللامركزية، والعدالة الانتقالية.

وجود بديل عملي مهم جداً، لأن رفض الصفقة وحده لا يكفي.

ــ التأثير على الرأي العام الدولي: عبر مراكز الأبحاث، والصحافة الدولية، والمنظمات الحقوقية، وبعض الجاليات الليبية بالخارج. كثير من السياسات الدولية تتغير عندما تتحول القضية إلى عبء أخلاقي وسياسي وإعلامي.

نقطة مهمة جداً: القوى الكبرى ليست موحدة دائماً. داخل أي دولة توجد مؤسسات، وبرلمانات، وصحافة، ومراكز نفوذ متنافسة. لذلك فإن العمل القانوني والحقوقي والإعلامي المنظم قد يحد من أي مسار يُنظر إليه كفرض أمر واقع على الليبيين.

وفي التجارب الدولية، الصفقات التي تتجاهل الشرعية الشعبية قد تنجح مؤقتاً، لكنها تبقى هشّة إذا وُوجهت بحركة مدنية منظمة وسلمية تمتلك خطاباً وطنياً واضحاً ومستمراً.

تحويل أي صفقة ضيقة بين مراكز نفوذ إلى تسوية وطنية أوسع يتطلب نقل النقاش من “تقاسم السلطة” إلى “إعادة تأسيس الشرعية. فالمشكلة في ليبيا ليست فقط من يحكم، بل غياب قواعد مستقرة ومتفق عليها للحكم.

إذا كان الهدف الدولي المعلن هو الاستقرار، وتوحيد المؤسسات، وضمان تدفق النفط، والحد من الصراع، فيمكن تحقيق هذه الأهداف نفسها عبر مسار دستوري وسياسي أكثر شرعية واستدامة، يقوم على إشراك شخصيات وطنية ذات قبول اجتماعي ومهني من الشرق والغرب والجنوب، بدل حصر المشهد في شبكات الفساد العائلية.

يمكن الدفع بهذا الاتجاه عبر عدة مسارات مترابطة:

أ) إعادة تعريف الواقعية السياسية: يجب كسر الفكرة التي تقول إن الاستقرار لا يتحقق إلا عبر أصحاب السلاح أو العائلات المتنفذة. التجربة الليبية أثبتت أن الصفقات الأمنية المؤقتة تنتج أزمات متجددة، بينما الشرعية الدستورية والمؤسساتية أكثر قدرة على الاستمرار. لذلك ينبغي طرح مشروع يقول للمجتمع الدولي نحن لا نرفض الاستقرار، بل نرفض استقراراً هشاً يقوم على الابتزاز والاستبداد، والفساد.

ب) بناء كتلة وطنية عابرة للأقاليم: أي مشروع بديل يحتاج إلى شخصيات غير متورطة في الفساد أو الجرائم. شخصيات تحظى بقبول اجتماعي، وتمتلك خبرة إدارية أو قانونية أو اقتصادية، وتؤمن بالدولة المدنية. ومن المهم أن تكون من الشرق، والغرب، والجنوب، بصورة متوازنة، حتى لا يُنظر للمشروع كامتداد لغلبة جهوية. هذه الشخصيات يمكن أن تضم قضاة سابقين، وأكاديميين، وتكنوقراط، ورؤساء بلديات ناجحين، وشخصيات اجتماعية معتدلة، وقيادات اقتصادية مستقلة.

ج) تقديم خارطة طريق مختصرة وواضحة: المجتمع الدولي يتعامل غالباً مع المشاريع الواضحة والقابلة للتنفيذ. لذلك يجب أن يكون البديل محدداً، مثل

  • مرحلة أولى تبدأ بتشكيل حكومة انتقالية مصغرة ومحايدة، وتوحيد المؤسسات السيادية، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتحييد النفط عن الصراع.

  • مرحلة ثانية تعتمد قاعدة دستورية متفق عليها، وقوانين انتخابات عادلة، وضمانات قضائية ورقابية.

  • مرحلة الثالثة تركز على انتخابات برلمانية، ودمج تدريجي للمجموعات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، وبرنامج مصالحة وعدالة انتقالية.

د) التركيز على “الضمانات” لا الشعارات: القوى الدولية تخشى انهيار أمني، وتعطيل النفط، وتمدد الهجرة غير النظامية، والفوضى المسلحة. لذلك فإن أي مشروع بديل يجب أن يقدم ضمانات عملية لاستمرار عمل المؤسسة النفطية، واحترام الاتفاقات الدولية، ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، وتوحيد المؤسسات العسكرية تدريجياً.

كلما بدا المشروع مسؤولاً وقابلاً للتطبيق، زادت فرص قبوله

هـ) الاستفادة من البلديات والقوى المحلية: من آثار الجماهيرية ثم الانقسام اللاحق، ضعف الثقة في المركز السياسي. لذلك يمكن البناء على البلديات، والقيادات الاجتماعية المعتدلة، ومؤسسات المجتمع المدني، لخلق ضغط من القاعدة نحو تسوية وطنية أوسع.

البلديات تحديداً تملك شرعية خدمية أقرب للمواطن من كثير من الأجسام السياسية الحالية

و) تجنب خطاب الإقصاء الشامل: حتى مع الاعتراض على شخصيات أو شبكات معينة، فإن أي مشروع وطني يحتاج إلى الفصل بين المحاسبة القانونية والإقصاء الجماعي، وتجنب منطق الانتقام، وفتح المجال أمام التسويات السياسية ضمن إطار القانون. لأن الانتقال الديمقراطي عادة ينجح عبر تقليص نفوذ مراكز القوة تدريجياً، وليس عبر محاولة كسرها دفعة واحدة.

ز) تحويل المشروع إلى مطلب شعبي لا نخبة مغلقة: النجاح يتطلب ربط المشروع بحياة الناس اليومية كالرواتب، والأمن، والفساد، والخدمات، والعدالة. فعندما يرى المواطن أن الدولة المدنية ليست فكرة نظرية بل طريقاً لتحسين حياته، يصبح الدفاع عنها أوسع وأكثر استدامة.

في النهاية، أي تسوية قابلة للحياة في ليبيا تحتاج إلى ثلاثة عناصر معاً: شرعية دستورية، وتوازن وطني بين الأقاليم، وضمانات دولية تمنع العودة للحرب.

أما الصفقات التي تعتمد فقط على موازين القوة الآنية، فعادة ما تؤجل الانفجار ولا تمنعه.

_________

Related Articles