جيسون بيرك

تُعدّ هذه المحاكمة خطوة مفصلية نحو تحقيق العدالة بشأن الانتهاكات التي تعرض لها اللاجئون الساعون للوصول إلى أوروبا انطلاقاً من أفريقيا.
يمثل يوم الثلاثاء أمام المحكمة الجنائية الدولية قائد ميليشيا سابق متهم بالإشراف على جرائم قتل واغتصاب واستعباد وتعذيب داخل مراكز احتجاز ليبية، في جلسة يعتبرها ناشطون خطوة تاريخية نحو “العدالة والحقيقة وجبر الضرر وردع” الانتهاكات التي يتعرض لها اللاجئون الساعون للوصول إلى أوروبا من أفريقيا.
وتُعدّ ملاحقة خالد محمد علي الهشري بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية أول قضية تصل إلى قاعة المحكمة ضمن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة في ليبيا بعد سقوط نظام معمر القذافي عام 2011.
وقال خبراء قانونيون إن الجلسة، التي سيقرر فيها القضاة ما إذا كانت الأدلة ضد الهشري كافية لإحالته إلى المحاكمة، تمثل “محطة فارقة ضخمة“.
وقالت أليسون ويست، المستشارة القانونية البارزة في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان: “إنه تطور بالغ الأهمية. هذه أول قضية ضمن تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا المستمرة منذ أكثر من 15 عاماً. إنها المرة الأولى التي نتمكن فيها من وضع أحد المتهمين قيد الاحتجاز.”
وبالنسبة للناجين من الانتهاكات في ليبيا، تمثل الجلسة لحظة “لم يتخيلوا يوماً أنها قد تحدث“، وفقاً لديفيد يامبيو، الذي احتُجز في سجن معيتيقة بين عامي 2019 و2020 ويتهم الهشري بالاعتداء عليه بالضرب.
وقال يامبيو: “الآن أصبح الهشري أمام المحكمة، وهذا يبعث برسالة قوية إلى الجناة أينما كانوا بأنهم سيُحاسبون وستتحقق العدالة، حتى وإن استغرق ذلك وقتاً طويلاً.”
وكان الهشري قد اعتُقل في ألمانيا العام الماضي، ويُعتقد أنه كان يسعى للحصول على علاج طبي لأحد أفراد أسرته. وبصفته ضابطاً بارزاً في قوة الردع الخاصة، وهي جماعة مسلحة نافذة كانت تدير مواقع احتجاز في غرب ليبيا، يُتهم الرجل البالغ من العمر 47 عاماً بفرض نظام وحشي داخل سجن معيتيقة في طرابلس منذ فبراير 2014 وحتى منتصف عام 2020 على الأقل.
وقد أصبحت هذه المواقع سيئة السمعة بعد سقوط القذافي، إذ امتلأت باللاجئين المحتجزين في ليبيا أو الذين اعترضهم خفر السواحل الليبي — المدعوم من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء منذ عام 2017 — أثناء محاولتهم الوصول إلى أوروبا.
ووصفت منظمة العفو الدولية وغيرها من منظمات حقوق الإنسان تلك الانتهاكات بأنها “فظائع مروعة” تمثل “العواقب المرعبة لاستمرار تعاون أوروبا مع ليبيا في ملف الهجرة وضبط الحدود“.
كما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن آلاف المحتجزين كانوا يقبعون في سجن معيتيقة داخل زنازين مكتظة وغير صحية، ويتعرضون بشكل ممنهج لاعتداءات عنيفة.
وخلال جلسة عقدت في ديسمبر، قال المدعون إن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بأن الهشري قتل شخصياً أحد المحتجزين، بينما توفي “عدد كبير” من الأشخاص خلال فترة إدارته للسجن، إما نتيجة التعذيب أو تركهم في العراء خلال الشتاء أو بسبب إصابات غير معالجة أو الجوع.
كما يُتهم الهشري بـ“تعذيب المحتجزين وإساءة معاملتهم والاعتداء الجنسي عليهم وقتلهم بشكل شخصي“، إضافة إلى فرض “ظروف احتجاز تهدف إلى زيادة المعاناة“. وتشير الاتهامات إلى أن المحتجزين تعرضوا لإطلاق النار عليهم، وحُبسوا داخل صناديق معدنية صغيرة، وضُربوا بالكابلات “أحياناً للتسلية والترفيه عن الحراس“.
ومن المتوقع أن يطعن فريق الدفاع في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، كما طالب بالإفراج عن الهشري.
وقالت ويست إن القضية ستسلط ضوءاً جديداً على الجرائم الخطيرة المرتكبة بحق الأشخاص داخل مراكز الاحتجاز الليبية، لكنها أشارت إلى أن كثيراً من الجناة المزعومين ما زالوا طلقاء. ولا تزال ثماني مذكرات توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية معلقة على خلفية أعمال العنف التي أعقبت سقوط القذافي.
وأضافت: “أحد أهم جوانب هذه القضية، إلى جانب وجود الهشري نفسه داخل قفص الاتهام، هو أن هناك كثيرين آخرين ليسوا هناك.”
ورغم أن بعض الدول الأوروبية حققت وحاكمت أفراداً بتهم تهريب البشر والاتجار بالأشخاص في ليبيا، فإن تلك القضايا لم تتضمن اتهامات بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وقال ناشطون إن قيام ألمانيا باعتقال الهشري يحمل أهمية كبيرة. وصرحت أليس أوتان، الباحثة في هيومن رايتس ووتش: “لقد تعاونت دولة أخيراً عبر اعتقال المشتبه به وتسليمه للمحكمة، لأن ذلك لم يحدث في كثير من الحالات السابقة.”
وكان أحد المتهمين المشاركين مع الهشري في سجن معيتيقة قد اعتُقل في فبراير من العام الماضي في إيطاليا، لكنه أُفرج عنه لاحقاً بسبب ثغرة إجرائية وأُعيد إلى ليبيا، ما أثار جدلاً واسعاً في إيطاليا واستياءً في لاهاي.
وقالت أوتان: “هذه القضية الخاصة بالهشري ليست ضد أعلى شخصية مسؤولة في ذلك السجن، لكنها تمثل الخطوة الأولى للوصول إلى مرتكبي ذلك النظام.”
وكانت الأطراف الليبية المتحاربة قد اتفقت على وقف لإطلاق النار عام 2020، إلا أن البلاد لا تزال منقسمة بين إدارة القائد العسكري خليفة حفتر في الشرق، وحكومة الوحدة الوطنية في طرابلس بقيادة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة في الغرب.
وتُعد قضية الهشري شديدة الحساسية سياسياً، إذ أن قوة الردع الخاصة كانت في تلك المرحلة متحالفة مع الحكومة المعترف بها دولياً في طرابلس، وتعمل اسمياً تحت إشراف وزارة الداخلية، وحاليا هي تتبع للمجلس الرئاسي.
أما المحكمة الجنائية الدولية، التي أُنشئت باعتبارها “محكمة الملاذ الأخير” المستقلة للنظر في الجرائم الجسيمة التي يتعذر التعامل معها محلياً، فقد تعرضت لضغوط هائلة في السنوات الأخيرة.
إذ فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أربعة قضاة بسبب ما وصفته بـ“الإجراءات غير الشرعية” التي تستهدف الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين يخضع المدعي العام للمحكمة لتحقيق بشأن مزاعم سوء سلوك جنسي، وهو ينفي تلك الاتهامات.
ودعا يامبيو إلى إنهاء البرامج الأوروبية الداعمة للميليشيات الليبية، قائلاً: “الاتحاد الأوروبي متواطئ في هذه الجرائم.”
_________