بقلم الشّايب

في الحالة الليبية، من الصعب البدء بعدالة انتقالية شاملة دفعة واحدة، لكن يمكن فتح “مداخل آمنة” تُضعف منطق العنف تدريجيًا وتؤسس لشرعية أخلاقية وقانونية جديدة من خلال التالي:

أولًا: الفصل بين “العدالة الانتقالية” و”الصراع على السلطة”

أحد أسباب تعثر الملف في ليبيا أن كل طرف حاول استخدام العدالة كسلاح سياسي ضد خصومه. ولهذا يجب إعادة تعريف العدالة الانتقالية باعتبارها مشروع حماية للمجتمع، لا مشروع انتصار لفصيل، ولا أداة إقصاء سياسي. أي أن الهدف ليس “من يحكم؟” بل “كيف نمنع تكرار الانتهاكات؟” هذا التحول ضروري لبناء حد أدنى من التوافق.

ثانيًا: البدء بالملفات الإنسانية الأقل تصادمًا

في البيئات المسلحة والمنقسمة، لا يبدأ المسار عادة بالمحاكمات الكبرى، بل بملفات إنسانية يصعب رفضها اجتماعيًا. مثل كشف مصير المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، وتوثيق الضحايا، وتسليم الرفات للعائلات، وحماية الشهود، إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين. هذه الملفات تُقلل الاحتقان، وتَبني الثقة، وتخلق ضغطًا أخلاقيًا على الأطراف المسلحة. كما أنها تُخرج القضية من الاستقطاب السياسي إلى المجال الإنساني.

ثالثًا: إنشاء “مساحات حقيقة محلية”

بسبب الانقسام، قد يكون من الصعب إنشاء هيئة وطنية قوية فورًا، لكن يمكن البدء بمسارات محلية مثلا لجان حقيقة مجتمعية، مجالس استماع، توثيق شفهي، مبادرات أهلية بإشراف قانوني وحقوقي، خصوصًا في ترهونة، وبنغازي، ومصراتة، وبني وليد، والزاوية، وتاورغاء، و ورشفانة، والجنوب الليبي. الفكرة هنا ليست إصدار أحكام، بل كسر الصمت، وتوثيق الذاكرة، ومنع تزوير الوقائع.

رابعًا: تحييد ملف الضحايا عن الاستقطاب

من أخطر المشكلات الليبية تقسيم الضحايا إلى “ضحايا نستحق التعاطف معهم”، و”ضحايا لا يُعترف بهم”. هذا يعيد إنتاج الحرب. ولهذا يجب تبني مبدأ كل انتهاك ضد المدنيين هو انتهاك مدان مهما كان الفاعل أو الضحية. سواء تعلق الأمر بـ بوسليم، أو المقابر الجماعية، أو التهجير، أو الاغتيالات، أو الاختفاء القسري بعد فبراير. هذه المساواة الأخلاقية ضرورية لبناء سردية وطنية مشتركة.

خامسًا: خلق تحالف اجتماعي ضد العنف

الجماعات المسلحة تستمد قوتها من الخوف، والفراغ المؤسسي، والانقسام المجتمعي. ولذلك لا يكفي الحل الأمني وحده، بل يجب بناء تحالف واسع يضم عائلات الضحايا، والبلديات، والنخب الاجتماعية، والجامعات، ورجال الدين المعتدلين، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلاميين، والشباب. الهدف هو تحويل مطلب العدالة والسلم إلى مطلب اجتماعي عام، لا مشروع نخبة معزولة.

سادسًا: البدء بإصلاحات صغيرة لكنها مؤثرة

في البيئات الهشّة، أحيانًا الإصلاحات الصغيرة أهم من الشعارات الكبرى. مثل تجريم الإخفاء القسري بوضوح، وإنشاء نيابة خاصة بالمفقودين، وحماية المقابر الجماعية قانونيًا، ورقمنة الأرشيف، وإصلاح الطب الشرعي، وتدريب القضاء على العدالة الانتقالية، وإدخال الدعم النفسي للضحايا. هذه الخطوات تبني مؤسسات تدريجيًا حتى قبل اكتمال الاستقرار السياسي.

سابعًا: التعامل الواقعي مع الجماعات المسلحة

لا يمكن تجاهل وجود السلاح، لكن أيضًا لا يمكن منح الجماعات المسلحة “حق الفيتو” على مستقبل ليبيا. ولهذا يحتاج المسار إلى معادلة دقيقة تقوم بدمج من يمكن دمجه وفق شروط الدولة، ومحاسبة المتورطين في الجرائم الجسيمة، وتفكيك اقتصاد الحرب، وتجفيف مصادر التمويل، وبناء بدائل اقتصادية للشباب. لأن استمرار اقتصاد الحرب يعني استمرار العنف حتى لو توقفت المعارك.

ثامنًا: العدالة الانتقالية ليست حدثًا بل عملية تراكمية

التجارب الدولية تُظهر أن المسار قد يبدأ ضعيفًا ومجزأً ثم يتوسع لاحقًا. في كثير من الدول الحقيقة بدأت قبل الاستقرار الكامل، والتوثيق سبق المحاسبة، والمصالحة احتاجت سنوات طويلة. المهم هو ألا تبقى ليبيا رهينة فكرة “لن نبدأ حتى تنتهي الأزمة بالكامل”. لأن الأزمة نفسها تتغذى من غياب الحقيقة والعدالة.

تاسعًا: أخطر ما يجب تفكيكه هو “ثقافة الخوف”

النظام الجماهيري ترك خوفًا من الكلام، وخوفًا من الدولة، وخوفًا من الآخر، وخوفًا من الحقيقة نفسها. ثم جاءت الحروب بعد فبراير لتعمّق هذا الخوف. ولذلك فإن أي مسار حقيقي يجب أن يمنح الليبيين مساحة آمنة للكلام، والاعتراف، والحزن، والاختلاف دون تهديد. فهذه ليست مسألة حقوقية فقط، بل إعادة بناء للنفس الوطنية الليبية.

وفي تقديري، فإن نقطة البداية الواقعية في ليبيا ليست “المصالحة السياسية الشاملة”، بل الحقيقة، وملف المفقودين، وحماية الذاكرة، والاعتراف المتبادل بالألم، وبناء مؤسسات صغيرة موثوقة تتوسع تدريجيًا. لأن الدولة المدنية لا تولد دفعة واحدة، بل تُبنى عبر استعادة ثقة الناس بأن القانون يمكن أن يحميهم بدل أن يخيفهم.

يتبع

___________

Related Articles