بقلم الشّايب

من مساوئ النظام الجماهيري تشويه الرموز الوطنية وضرب الهوية الليبية الجامعة ومحاربة الشخصية الوطنية الليبية.

وما أحوجنا في هذا المرحلة إلى إعادة هيبة الهوية الليبية الوطنية، وتوعية الناس بالقيم الوطنية التي حاربها القذافي، والتي نجح فيها إلى حد كبير من خلال تفكيك القيم السوية في المجتمع وتفكيك الدولة الليبية بالكامل، فالمطلوب رؤية لإبراز الهوية الوطنية الجامعة في الأجيال الصاعدة.

إن من أخطر الآثار التي خلّفها نظام الجماهيرية أنه لم يكتفِ بإضعاف مؤسسات الدولة، بل عمل على إعادة تشكيل وعي المجتمع نفسه، بحيث أصبحت الوطنية مرتبطة بالحاكم لا بالوطن، وجعل من الرموز التاريخية والوطنية موضع شك أو سخرية أو توظيف سياسي.

ومع الزمن تآكلت فكرة “الدولة الليبية الجامعة”، وحلّ محلها الولاء للقائد، أو للقبيلة، أو للجغرافيا، أو للشبكات الزبائنية والأمنية. ولهذا فإن إعادة بناء دولة ليبيا لا تبدأ فقط بالدستور والمؤسسات، بل تبدأ أيضاً بإعادة الاعتبار للهوية الوطنية الليبية بوصفها مظلة جامعة لكل الليبيين.

أولاً: ما الذي شوّهته الجماهيرية في الهوية الوطنية؟

ــ تحويل الوطن إلى مشروع شخصي: تم اختزال ليبيا في القائد والنظام، فأصبح الاعتراض السياسي يُقدَّم كخيانة وطنية، بينما الحقيقة أن الوطن أوسع من أي سلطة سياسية. وها هو التاريخ يعيد نفسه حيث يسعى البعض لاختزال ليبيا بعد فبراير في المشير.

ــ ضرب الرموز الوطنية المستقلة: جرى تهميش أو تشويه الحركة الوطنية الليبية، ورموز الاستقلال، والنخب الفكرية والقانونية، ومؤسسة الجيش المهني والمؤسسات المدنية. وبذلك انقطع الوعي الجمعي عن جذوره الطبيعية.

ــ تفكيك مفهوم المواطنة: أصبح الانتماء مرتبطاً بالقرب من السلطة لا بالكفاءة أو الحقوق والواجبات، مما أضعف شعور الفرد بأنه “مواطن” داخل دولة قانون.

ــ صناعة التشظي الاجتماعي: تم ذلك عبر التخوين، والتضليل، وثقافة العنف، وتسييس القبائل، وإضعاف المدن والمؤسسات. وهو ما جعل المجتمع هشّاً أمام الصراعات بعد 2011.

الرؤية المطلوبة لإحياء الهوية الوطنية الليبية

الهوية الوطنية لا تُبنى بالشعارات، بل بمشروع ثقافي وتربوي ومؤسساتي طويل النفس:

أولاً، إعادة تعريف الوطنية: ينبغي ترسيخ فكرة أن الوطنية ليست تقديس السلطة، بل احترام الدولة والقانون وكرامة الإنسان. وأن الوطن أكبر من الحكومات، والانتماء لا يعني الطاعة العمياء، والنقد السياسي ليس خيانة.

ثانياً، بناء سردية وطنية جامعة: ليبيا تحتاج إلى “سردية وطنية” تجمع الليبيين بدل سرديات الثأر والانقسام. هذه السردية تقوم على الاعتراف بمعاناة الجميع، واحترام التنوع الجهوي والثقافي، والاعتزاز بتاريخ الاستقلال، وتكريم ضحايا الاستبداد والحروب، والتأكيد أن مستقبل ليبيا لا يُبنى بالإقصاء.

ثالثاً، إعادة الاعتبار لرموز الدولة: من المهم إعادة إحياء رمزية الدستور، والعلم الوطني، والنشيد الوطني، والقضاء المستقل، والجيش المهني، والمؤسسات المدنية . لأن انهيار الرموز يؤدي إلى انهيار الشعور بالدولة.

رابعاً، إصلاح التعليم والإعلام: يجب أن يتحول التعليم من التلقين وتمجيد السلطة، وتشويه التاريخ إلى التربية الوطنية والمدنية، وقيم المواطنة، والتفكير النقدي، واحترام القانون، وفهم تاريخ ليبيا الحقيقي بكل مراحله. أما الإعلام فينبغي أن يبتعد عن التحريض، والتخوين، والجهوية ويتجه نحو بناء الوعي الوطني، وتعزيز الحوار، وإبراز النماذج الإيجابية، ونشر ثقافة الدولة بدل القبيلة أو النظام السياسي. 

خامساً، استعادة الذاكرة الوطنية: أي أمة بلا ذاكرة مشتركة تصبح سهلة التفكيك. ولهذا تحتاج ليبيا إلى توثيق الانتهاكات، وحفظ أرشيف الدولة، وحماية التاريخ الوطني، وإنشاء متاحف ومراكز وذاكرة، وتدريس تاريخ ليبيا بصورة مهنية لا دعائية حتى لا تتكرر المآسي نفسها.

كيف تُبنى الهوية الوطنية الجامعة؟ الهوية الجامعة لا تلغي القبيلة والمدينة والثقافة المحلية والتنوع الأمازيغي والتباوي والطوارقي والعربي. بل تجعل الجميع يشعرون أنهم شركاء متساوون داخل وطن واحد. أي أن التنوع مصدر قوة والدولة إطار جامع والمواطنة فوق الانقسامات السياسية والجهوية.

الخطاب المطلوب في هذه المرحلة: ليبيا تحتاج إلى خطاب لا ينتقم ولا يشيطن المجتمع ولا يعيد إنتاج الكراهية. بل خطاب يعترف بالأخطاء التاريخية ويشرح كيف تم تفكيك الدولة ويزرع الثقة بالمستقبل ويعيد احترام الإنسان الليبي، ويؤسس لفكرة “الوطن المشترك”

أحد أكبر إنجازات الأنظمة الشمولية أنها تجعل الناس تفقد الثقة في الدولة، وفي السياسة، وفي القانون، وحتى في بعضها البعض. ولذلك فإن معركة ليبيا الحقيقية اليوم ليست فقط مع الفوضى والسلاح، بل أيضاً معركة استعادة المعنى الوطني للدولة الليبية. أي إعادة إقناع الليبي أن الدولة ليست عدواً، والقانون ليس أداة قمع، والوطن ليس ملكاً لأحد، وأن الليبيين قادرون على بناء دولة محترمة رغم كل الجراح. وهذه هي البداية الحقيقية لأي نهضة وطنية جامعة.

ما حدث في عهد الجماهيرية لم يكن مجرد “اختيار رموز وطنية” بل كان عملية إعادة هندسة للذاكرة الوطنية الليبية بما يخدم شرعية النظام. ولهذا جرى تقديم بعض الشخصيات بصورة انتقائية، وتهميش شخصيات أخرى، بل أحياناً فصل الرموز عن سياقها التاريخي الحقيقي.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك التركيز على شخصية عمر المختار وفي نفس الوقت تهميش وتخوين رموز الحركة السنوسية، مع أن سيرة المختار نفسها كانت مرتبطة عضوياً بالحركة السنوسية وبالنسيج الوطني الذي قاد المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي.

لكن الخطاب الجماهيري حاول أحياناً تحويل المختار إلى رمز منفصل عن جذوره السياسية والدينية والاجتماعية، مع التقليل من حضور الملك إدريس السنوسي ودوره في تأسيس الدولة الليبية الحديثة، أو تصوير مرحلة الاستقلال وكأنها مرحلة ثانوية مقارنة بثورة سبتمبر. وهذا أدى إلى اختلال كبير في الوعي التاريخي لدى أجيال كاملة.

المشكلة لم تكن في إبراز عمر المختار بل في احتكار الوطنية، وإعادة ترتيب التاريخ بطريقة انتقائية، وإضعاف فكرة التراكم الوطني الليبي. فالحقيقة التاريخية أن ليبيا الحديثة لم تُبنَ بجهد شخص واحد، بل عبر مسار طويل شاركت فيه شخصيات واتجاهات متعددة.

أهمية إعادة الاعتبار للرموز الوطنية المتنوعة: من الضروري اليوم إعادة تقديم الشخصيات الوطنية الليبية باعتبارها أجزاء من مشروع وطني متكامل، لا خصوماً لبعضها البعض. ومن بينهم:

شخصيات وطنية تاريخية: سليمان الباروني، ورمضان السويحلي، وعبد النبي بالخير، وأحمد المريض، باعتبارهم مؤسسي الجمهورية الطرابلسية، ونماذج وطنية جمعوا بين المقاومة والعمل السياسي والفكري.

مؤسسو الدولة الليبية الحديثة: الملك إدريس السنوسي بوصفه رمزاً للاستقلال وبناء الدولة والمؤسسات والوحدة الوطنية، وبشير السعداوي بصفته أحد الأصوات المهمة في النضال الوطني والدعوة للاستقلال والوحدة. وغيرهم كثر من رجال الدولة الذين كانوا ضمن الجيل الذي ساهم في مرحلة التأسيس بعد الاستقلال خاصة في الإدارة الوطنية وبناء مؤسسات ليبيا الحديثة، وكلهم شاركوا في ترسيخ فكرة الدولة الليبية الجامعة.

لماذا يجب إعادة التوازن للذاكرة الوطنية؟ لأن أي دولة تفقد توازن ذاكرتها التاريخية تصبح عرضة للانقسام، وصناعة الكراهية، واحتكار الوطنية، وتحويل التاريخ إلى أداة صراع سياسي. بينما الذاكرة الوطنية الصحية تقوم على الاعتراف بتعدد المساهمات، وعدم تقديس الأشخاص، وعدم شيطنة المراحل التاريخية بالكامل.

الرؤية الوطنية المطلوبة: ليبيا تحتاج إلى إعادة قراءة تاريخها بطريقة علمية، متوازنة، غير انتقامية، وغير دعائية. بحيث يفهم الليبيون أن الجهاد ضد الاستعمار، والاستقلال، وبناء الدولة، وتأسيس المؤسسات السياسية والإدارية، والحياة البرلمانية، كلها حلقات مترابطة في تكوين الهوية الوطنية الليبية.

من أخطر آثار الأنظمة الشمولية أنها تدفع الناس إلى التفكير بمنطق “إما تمجيد كامل أو إسقاط كامل” بينما بناء الوعي الوطني الناضج يتطلب رؤية الشخصيات التاريخية كبشر لهم إنجازات وأخطاء، مع الحفاظ على الاحترام للتجربة الوطنية العامة.

فلا يمكن بناء هوية وطنية مستقرة إذا كان كل جيل يبدأ من الصفر، أو إذا كانت كل مرحلة تاريخية أو وطنيةتُمحى لصالح مرحلة أخرى.

ولهذا فإن استعادة التوازن للذاكرة الوطنية الليبية ليست عملاً تاريخياً فقط، بل هي جزء أساسي من مشروع إعادة بناء الدولة الليبية.

__________

Related Articles