بقلم الشّايب
أخطر آثار النظام الجماهيري لم يكن فقط في صناعة بيروقراطية متضخمة، بل في خلق نموذج مزدوج للدولة: دولة رسمية معقدة وبطيئة ومُرهِقة للمواطن، ودولة موازية تمتلك صلاحيات استثنائية تتجاوز القوانين والإجراءات متى شاءت.
هذا النموذج أنتج ثقافة إدارية مشوهة ما زالت آثارها قائمة حتى بعد 2011، حيث بقيت البيروقراطية القديمة، لكن اختفت – جزئياً – السلطة المركزية القادرة على كسرها، فتحولت الدولة إلى جهاز ثقيل ومعطل ومنقسم في آنٍ واحد.
كيف تشكلت هذه المنظومة؟
ــ تحويل الإدارة إلى أداة سيطرة لا خدمة للمواطن، ووسيلة للضبط السياسي، وأداة لإخضاع الناس، ومساحة لابتزاز المواطن. كما أنها وسيلة لتكريس التبعية للسلطة. لذلك أصبحت المعاملة الإدارية طويلة، وغامضة، ومتعددة الموافقات، ومرتبطة بالمزاج الشخصي، وغير قائمة على معايير واضحة. كان المواطن في زمن الجماهيرية يحتاج دائماً إلى موافقة أمنية، ورضا اللجان ثورية أو النفوذ المحلي. وهكذا تحولت الدولة من مؤسسة حقوق إلى منظومة إذن واستثناء.
تدمير مبدأ المؤسسة في النظام الجماهيري رسخ فكرة أن القانون موجود للمواطن العادي فقط، أما أصحاب النفوذ فيمكنهم تجاوزه بالكامل. وهنا نشأت ثقافة تعطيل الإجراءات عمداً، وانتظار “التعليمات“، والخوف من اتخاذ القرار، ونقل المسؤولية إلى الأعلى، وتجنب التوقيع، وصناعة التعقيد لحماية الموظف لا لخدمة المواطن.
وهذه الثقافة ما زالت حية حتى داخل مؤسسات ما بعد 2011.
فشل فبراير في التخلص من البيروقراطية القمعية أمر متوقع لأن التغيير كان سياسياً أكثر منه مؤسسياً. فقد تغيرت السلطة، لكن لم تتغير الفلسفة الإدارية، ولم يُعاد بناء الجهاز الإداري، ولم تتطور الخدمات بصورة حقيقية، ولم يُحاسب الفساد الإداري، خاصة مع استمرار المحاصصة والولاءات، فأصبحت البيروقراطية أكثر تعقيداً بسبب الانقسام السياسي، وتضارب الشرعيات، وضعف الأرشفة، وانهيار قواعد البيانات، وتعدد مراكز القرار، والخوف من المساءلة.
تفكيك هذه المنظومة يتطلب التحول من “دولة الملفات” إلى “دولة البيانات”. لأن المشكلة ليست في الورق فقط، بل في فلسفة الإدارة نفسها. وبالتالي كان من الضروري وجود رقم وطني موحد وفعّال، وقاعدة بيانات مدنية مركزية، وأرشفة إلكترونية شاملة، وربط المؤسسات ببعضها، وإنهاء الازدواجية في السجلات
كلما زاد الاحتكاك بين المواطن والموظف، زادت الرشوة وزادت الوساطة، وزاد التعطيل. لذلك يجب أن تصبح الخدمات إلكترونية قابلة للتتبع ومحددة بزمن، وخاضعة للتقييم مثل استخراج المستندات وتسجيل العقارات والتراخيص والجمارك والضرائب والسجل التجاري
الهدف من التفكيك هو بناء “إدارة حقوق” لا “إدارة مزاج” حيث يمكن للمواطن أن يحصل على الخدمة بالقانون وآلياً، ودون استجداء، ودون وساطة، ودون تدخل سياسي. هذا يتطلب قوانين واضحة للإجراءات الإدارية وتحديد مدة قانونية لكل خدمة واعتبار سكوت الإدارة بعد مدة معينة موافقة تلقائية في بعض المعاملات، وكذلك تجريم التعطيل الإداري المتعمد .
الإدارة الليبية تعاني من تضخم في عدد الموظفين وضعف الكفاءة، وغياب التدريب، وتداخل الصلاحيات. لذلك لا بد من توصيف وظيفي حقيقي وتقييم الأداء، وتدريب رقمي شامل وإنهاء الوظائف الوهمية وربط الترقية بالكفاءة لا الولاء.
الرقمنة ليست مجرد موقع إلكتروني بل هي إعادة بناء الدولة نفسها، فالرقمنة هي التي تمكن من توصيف الهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والدفع الإلكتروني، والقضاء الإداري الرقمي، والمشتريات الحكومية الإلكترونية، ونظام شكاوى إلكتروني موحد.
هناك عقبة أخطر من التقنية. العقبة الحقيقية ليست في الحاسوب بل الثقافة الإدارية المتجذّرة. لأن الاقتصاد الموازي والسلطة الشخصية تستفيد من الفوضى، ومن غياب الشفافية، ومن تعقيد الإجراءات. ولهذا فإن التحول الرقمي الحقيقي سيواجه مقاومة من شبكات الفساد ومراكز النفوذ والبيروقراطية التقليدية والمستفيدين من غياب الأرشفة.
المطلوب سياسياً، مشروع وطني لتفكيك الإرث الإداري للجماهيرية يقوم على العدالة الإدارية، أي حماية المواطن من تعسف الإدارة. والشفافية الرقمية بحيث يمكن تتبع كل معاملة. واللامركزية الذكية التي تمنح البلديات صلاحيات حقيقية مع رقابة رقمية مركزية. ولابد من حماية البيانات والسيادة الرقمية حتى لا تتحول الرقمنة إلى فوضى جديدة.
أي تغيير الثقافة العامة من “الدولة باب مغلق” إلى “الدولة خدمة عامة”.
تفكيك البيروقراطية الليبية لا يتحقق فقط بإدخال الحواسيب أو التطبيقات، بل عبر تفكيك فلسفة السلطة القديمة، وإعادة تعريف علاقة المواطن بالدولة، وتحويل الإدارة من أداة خوف وتعطيل إلى منظومة خدمة وحقوق وشفافية. فالتحول الرقمي الحقيقي ليس تحديثاً تقنياً فقط، بل هو مشروع لتحرير المواطن من الإرث الإداري العميق الذي صنعته الجماهيرية ورسخته سنوات الانقسام والفوضى.
من المفارقات في التجربة الليبية الحالية أن يتم الانتقال الشكلي إلى “الرقمنة” دون إصلاح حقيقي لفلسفة الإدارة نفسها. فالذي يحدث في كثير من الأحيان ليس: “تحولاً رقمياً” بل “رقمنة البيروقراطية القديمة”. أي أن التعقيد نفسه بقي كما هو لكن أضيفت إليه منصات إلكترونية، وأكواد تَحقُّق، ومنظومات معطلة، وموافقات إضافية، وربط إداري غير مكتمل.
فأصبح المواطن يعاني من البيروقراطية الورقية، والبيروقراطية الرقمية معاً.
زادت معاناة المواطن رغم الحديث عن الرقمنة. لأن الرقمنة تمت فوق منظومة مريضة أصلاً، وكان من الضروري البدء أولا بتبسيط الإجراءات، وحذف التعقيدات، وتقليل الموافقات، وتوحيد قواعد البيانات، ثم تأتي الرقمنة لاحقاً. أما ما حدث في بعض المؤسسات هو “تصوير الفوضى القديمة داخل نظام إلكتروني”. فأصبح المواطن يملأ النموذج ورقياً، ثم إلكترونياً، ثم يُطلب منه الحضور شخصياً، ثم يطلب منه العودة في اليوم التالي بعذر “تعطل المنظومة”.
هناك ثلاث أزمات عميقة تعاني منها الإدارة البيروقراطية:
أولا: أزمة ثقة داخل الدولة نفسها. المؤسسات الليبية لا تثق ببعضها البعض. لذلك كل جهة تطلب نسخة أصلية، وإفادة جديدة، وختم حديث، وحضور شخصي، وإثباتات متكررة، حتى لو كانت المعلومات موجودة لدى الدولة أصلاً. وهذا يعني أن الدولة لا تعترف ببياناتها هي نفسها.
ثانيا: أزمة الخوف المزمن لدى الموظف. المدير و الموظف تربيا لعقود على الخوف من اتخاذ القرار، والخوف من المساءلة، والخوف من التوقيع، ونقل المسؤولية للغير. لذلك يطلب كل منهام مستندات أكثر، وموافقات أكثر، وتوقيعات أكثر، وذلك ليس لخدمة المواطن، بل لحماية لهما.
ثالثا: أزمة بقاء الثقافة الأمنية القديمة. النظام الجماهيري رسخ فكرة المواطن “مشتبه به” حتى يثبت العكس. ولذلك تحولت الوثائق إلى أدوات مراقبة، وأدوات ضبط، وأدوات تحكّم، بدلاً من كونها وسائل خدمة مدنية. ولهذا يشعر المواطن أن استخراج شهادة ميلاد، أو رقم وطني، أو الوضع العائلي، أو جواز سفر، يعني أنه يخوض “معركة إدارية”.
هذا الواقع يكشف أن الدولة الليبية ما زالت: تُدار بعقلية السيطرة لا بعقلية الخدمة. فالرقمنة الحقيقية تعني أن تختفي الوثائق المتكررة، وأن تتواصل المؤسسات مع بعضها، وأن لا يُطلب من المواطن حمل بيانات الدولة من مؤسسة حكومية إلى أخرى.
تصحيح المسار الإداري يتطلب تبسيط الإجراءات قبل رقمنتها، بحيث تبدأ مراجعة أي خدمة حكومية بتحديد لماذا نطلب هذا المستند؟ وهل هو ضروري فعلاً؟ وهل يمكن جلبه إلكترونياً؟ وهل يمكن الاستغناء عنه؟ فكثير من المتطلبات الحالية مجرد تراكمات تاريخية لا قيمة لها.
إن اعتماد مبدأ “الدولة تسأل نفسها” يعني إذا كانت المعلومة موجودة داخل مؤسسة حكومية، فلا يجوز مطالبة المواطن بإحضارها. وهذا يحوّل المواطن من “مراجع” إلى “مستخدم خدمة” وهذا تغيير فلسفي كبير.
فالمواطن ليس متسول خدمة، بل صاحب حق، ومن حقه تقديم الطلب إلكترونياً، وتتبع معاملته، ومعرفة سبب الرفض، والاعتراض عليه، والحصول على الخدمة بزمن محدد. إن قياس الأداء الإداري ونشره بشفافية يكشف للمواطن مدة إنجاز المعاملات، وعدد الشكاوى، وجودة الخدمة، وبالتالي تكون المؤسسات تحت رقابة المجتمع.
هناك حاجة لمكافحة “الرقمنة الزائفة” في بعض المؤسسات التي تستعمل التكنولوجيا فقط: لتحسين الصورة الإعلامية، لا لتحسين الخدمة. وغالبا ما تكون تطبيقات معطلة، والمواقع غير محدثة، وقواعد بيانات غير مترابطة، والإجراءات أكثر تعقيداً من السابق. وهذا أخطر من غياب الرقمنة، لأنه يقتل ثقة المواطن في فكرة الدولة الحديثة نفسها.
الخلاصة: أن التحول الرقمي الحقيقي لا يعني شراء أجهزة، أو إنشاء منصة إلكترونية، أو إطلاق تطبيق حكومي. بل يعني إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الثقة والحق والشفافية. أما إذا بقيت عقلية الخوف، وثقافة الشك، وتعدد الموافقات، والإدارة العقابية، فإن التكنولوجيا ستتحول فقط إلى بيروقراطية إلكترونية أكثر قسوة وتعقيداً من البيروقراطية الورقية القديمة.
إن الحديث عن تفكيك الإرث الإداري للجماهيرية في ليبيا ليس مجرد نقاش تقني حول تحسين أداء المؤسسات، بل هو معركة فكرية تتعلق بإعادة تعريف معنى الدولة نفسها، وطبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة، وبين القانون والإدارة، وبين الخدمة العامة والهيمنة السياسية.
فالإدارة في التجربة الجماهيرية لم تكن جهازاً مدنياً محايداً، بل كانت جزءاً من بنية السيطرة الشاملة التي أعادت تشكيل المجتمع الليبي لعقود طويلة. ولذلك فإن آثارها لم تنته بسقوط النظام، بل بقيت كامنة داخل المؤسسات، والعقليات، والثقافة العامة، وأنماط اتخاذ القرار، وحتى في نظرة المواطن إلى الدولة. ولهذا فإن تفكيك هذا الإرث ليس عملاً إدارياً فقط، بل مشروع تحرر وطني ومجتمعي.
من أهم ما يجب مواجهته إعلامياً وفكرياً هو السردية التي تقول “المشكلة في الأشخاص فقط”. بينما الحقيقة أن الأزمة أعمق من ذلك بكثير، لأنها أزمة منظومة كاملة قامت على تسييس الإدارة، وتدمير المهنية، وإضعاف القانون، وتعطيل المؤسسة لصالح النفوذ الشخصي والأمني.
لقد تم تحويل الدولة من “مؤسسة تحكمها القواعد” إلى “شبكة علاقات تحكمها الولاءات”. وهنا يجب أن ندرك أن الفساد لم يكن انحرافاً فردياً، بل هو جزء من بنية الحكم نفسها. والتعقيد الإداري لم يكن صدفة، بل أداة للسيطرة والإخضاع. وغياب الشفافية لم يكن خللاً، بل وسيلة لحماية السلطة من المساءلة.
من أخطر آثار الجماهيرية أنها شوّهت فكرة الدولة في الوعي الجمعي. فكثير من الليبيين نشؤوا على تصور أن الدولة تعني التعطيل، والموظف يعني العرقلة، والقانون يعني الانتقائية، والإدارة تعني الإهانة والانتظار. ولهذا فإن الخطاب الإصلاحي يجب أن يعيد بناء فكرة “الدولة كخدمة عامة”. أي أن الدولة ليست جهاز إذلال، ولا سلطة فوق المجتمع، ولا مؤسسة للجباية السياسية، بل إطار لحماية الحقوق، وتنظيم المصالح، وضمان الكرامة الإنسانية.
يجب توضيح أن البيروقراطية الليبية ليست مجرد بطء إداري، بل هي جزء من الإرث السلطوي. فالأنظمة الشمولية غالباً ما تُعقد الإجراءات عمداً، وتُضعف القانون، وتُكثّر الموافقات، وتُبقي المواطن محتاجاً للوساطة. لأن المواطن المستقل والواثق من حقوقه أقل خضوعاً، وأكثر قدرة على المحاسبة.
المواطن المُنهك داخل الطوابير المهينة يفقد ثقته بالدولة، ويتجه إلى الولاءات الضيقة، أو الفساد، أو الاقتصاد الموازي، أو الحماية الخاصة. وهنا يصبح إصلاح الإدارة جزءاً من بناء الديمقراطية والسلم المجتمعي.
من الأخطاء الشائعة اختزال الأزمة في مقالات “الشعب لا يحترم القانون”، أو “الليبيون يحبون الفوضى”. وبالتالي لابد من تحويل الخطاب من جلد المجتمع إلى فهم التشوهات التاريخية، بمعنى أن يكون خطابا أكثر عمقاً، ويوضح أن المجتمعات تتشكل عبر التجارب السياسية.
ولكن الإدارة الجماهيرية أعادت تشكيل سلوك الناس لعقود، وأن انتشار الواسطة والخوف وعدم الثقة ليس طبعاً أصيلاً، بل نتيجة تاريخية لمنظومة طويلة من القهر والتعطيل. وهذا الفهم ضروري حتى لا يتحول النقد إلى احتقار للمجتمع، أو تبرير للاستبداد، أو يأس من إمكانية الإصلاح.
يجب الحذر من الخطاب الدعائي الذي يختزل الإصلاح في تطبيق إلكتروني، أو منصة رقمية، أو حملة إعلامية. فالتحول الرقمي الحقيقي يعني الشفافية، والمحاسبة، وتبسيط الإجراءات، وحماية البيانات، وعدالة في الوصول للخدمات. أما رقمنة الفوضى القديمة فلن تنتج إلا: استبداداً إلكترونياً جديداً. ولهذا ينبغي التأكيد على أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن الإصلاح المؤسسي، ولا يمكن أن تنجح دون قضاء مستقل، وإدارة محترفة، وقانون واضح، وثقافة حقوق.
في ليبيا، كثير من المواطنين لا يعانون فقط من الفقر أو الانقسام، بل من الإهانة اليومية داخل المؤسسات، وتعطيل مصالحهم، والشعور بالعجز أمام الإدارة. ولذلك يجب أن يصبح الخطاب الإصلاحي قائماً على فكرة “كرامة المواطن تبدأ من طريقة تعامل الدولة معه”. فالدولة الحديثة تُقاس ليس فقط بقوة الجيش، أو حجم الميزانية، بل أيضاً بسهولة الحصول على المعلومات والوثائق، واحترام الوقت، ووضوح الإجراءات، وعدالة المعاملة.
من المهم ألا يتحول النقد إلى خطاب سوداوي دائم. بل يجب إبراز أن كثيراً من الدول خرجت من أنظمة شمولية معقدة، ونجحت في بناء إدارات حديثة، وأن ليبيا تمتلك إمكانات بشرية وتقنية كبيرة، وأن الأجيال الجديدة أكثر استعداداً لفكرة الدولة الرقمية والشفافة. فالهدف ليس هدم الثقة بالدولة، بل تحرير الدولة من إرثها المعطل.
يمكن تلخيص الخطاب الفكري والإعلامي في الفكرة التالية: “تفكيك الإرث الإداري للجماهيرية ليس انتقاماً من الماضي، بل شرط لبناء دولة عادلة وحديثة تحترم المواطن وتعيد الثقة بين المجتمع والمؤسسات.”
شعارات فكرية وإعلامية مقترحة:
-
الدولة ليست طابور انتظار.
-
الإدارة لخدمة المواطن لا لإخضاعه.
-
تبسيط الإجراءات جزء من العدالة.
-
الرقمنة الحقيقية تعني الشفافية لا التعقيد.
-
لا دولة حديثة بعقلية اللجان الثورية.
-
كرامة المواطن تبدأ من نافذة الخدمة العامة.
-
تفكيك البيروقراطية هو تفكيك لإرث الاستبداد.
-
حين تحترم الإدارة المواطن… يبدأ بناء الوطن.
___________