بقلم الشّايب
لعلنا ندرك جيدا أن إرث نظام الجماهيرية مثّل عبئًا ثقيلًا على مسار التحول الديمقراطي في ليبيا بعد عام 2011، وقد كانت آثاره سلبية ومؤثرة سلبيا على تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية .
إن الانتقال من دكتاتورية استمرت 42 عامًا إلى دولة مدنية (ديمقراطية) مَهمّة شبه مستحيلة في غياب مؤسسات الدولة، وتحت وطأة ثقافة الثأر، وغياب آليات فعالة للمساءلة.
فيما يلي تحليل لأبرز هذه الآثار السلبية بناءً على التقارير والتحليلات الصادرة منذ عام 2011:
1. انهيار مؤسسات الدولة وغياب إطار للعدالة
لم يترك نظام القذافي دولة بالمعنى المعروف، بل “دولة فاشلة” بلا مؤسسات أو أطر دستورية أو قضائية فاعلة. فقد قام النظام على هشاشة مؤسسات الدولة عمدًا، وجعلها تابعة لشخص القائد وإرادته (“أنا الدولة“)، مما أدى إلى غياب الأطر القانونية، فلم يكن هناك نظام قضائي مستقل أو قوانين رادعة يمكن البناء عليها لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، وتبعية القضاء، حيث كانت السلطة القضائية مشلولة بالفساد والمحسوبية، مما جعلها غير قادرة على تحقيق العدالة للنظام السابق أو للثوار الجدد. هذا الفراغ القانوني والمؤسسي جعل من المستحيل تطبيق أي شكل من أشكال العدالة الانتقالية المنظمة، ودفع الجميع إلى اللجوء للعدالة الذاتية.
2. “عدالة المنتصر” وسياسات الثأر (بدلاً من المصالحة)
من أقوى الآثار السلبية للإرث الجماهيري هو أنه خلّف مجتمعًا منهكًا نفسيًا ومقسومًا على أسس قبلية وإقليمية، حيث انتشرت روح الخصومة والانتقام . فبدلاً من المصالحة الوطنية، شهدت ليبيا سياسة الإقصاء: حيث كان إصرار لدى بعض الثوار على تطهير مؤسسات الدولة من أي شخص ارتبط بالنظام الجماهيري، وكان من أخطاء المؤتمر العام إلغاء هيئة النزاهة واستبدالها بـ (“قانون العزل السياسي“)، وهي سياسة شبيهة بعملية “اجتثاث البعث” في العراق، والتي عززت الانقسامات بدلاً من بناء الثقة .
3. إخفاق مجلس الانتقالي في قيادة العدالة الانتقالية
على الرغم من الوعود المبكرة، فشل المجلس الانتقالي والحكومات المتعاقبة بعد ذلك في بناء جسور الثقة . وقد تفاقم هذا بسبب ضعف السيطرة على الميليشيات التي لم تستطع الحكومات بسط سيطرتها على الآلاف من المقاتلين الذين أطاحوا بالنظام، وتحولت هذه الميليشيات إلى أطراف متنفذة في الصراع السياسي، وكل منها يتبع أجندته الخاصة.
بل ظهرت بعد فبراير انتهاكات جديدة مشابهة لتلك التي ارتكبها النظام السابق، من تعذيب واختفاء قسري وقتل خارج القانون في الشرق والغرب والجنوب، مما خلق طبقات جديدة من النزاعات والدماء التي تحتاج إلى عدالة جديدة. وكذلك تم تغييب آليات فعالة حيث بقيت محاكمات كبار مسؤولي النظام ومحاسبة الجناة عالقة، وفشلت الوعود بإنشاء محاكم عادلة أو هيئات للحقيقة والمصالحة .
4. ثقافة الإفلات من العقاب ونشوء الصراعات الأهلية
أدى غياب العدالة إلى ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب، والتي كانت سمة أساسية من سمات حكم القذافي . هذه الثقافة أشعلت الصراعات الداخلية؛ فبعد أن فشلت المصالحة، تحولت ليبيا إلى ساحة حروب أهلية متكررة (2014 و 2019)، حيث استخدم كل طرف السلاح لحسم الخلافات بدلاً من اللجوء إلى القانون .
يمكن القول أن إرث الجماهيرية لم يكن مجرد غياب للديمقراطية، بل كان إرثًا معقدًا من المؤسسات المهدّمة، والانقسامات العميقة، والمجتمع المأزوم. هذا الإرث جعل من الصعب، وربما المستحيل، بناء دولة قانون أو تحقيق مصالحة وطنية حقيقية بعد عام 2011. فبدلاً من “محاسبة الماضي“، وجد الليبيون أنفسهم أسرى لدورة جديدة من العنف والانتقام، جذورها ممتدة بعمق في عقود من الحكم الشمولي.
يمكن تفكيك هذه الآثار ضمن عدة مستويات مترابطة:
أولًا، تفكيك الدولة ومنع تشكل المؤسسات:
أحد أخطر آثار الجماهيرية أنها قامت على إضعاف فكرة الدولة نفسها لصالح “سلطة الثورة” و”اللجان” والشبكات الشخصية. هذا خلق بعد 2011 فراغًا مؤسساتيًا هائلًا تمثل في ضعف القضاء واستقلاليته، وغياب أرشيف وطني موثوق، وانهيار أجهزة إنفاذ القانون، وتسييس الإدارة العامة، وتغليب الولاءات المناطقية والأمنية على المواطنة.
الديمقراطية لا تقوم فقط على الانتخابات، بل تحتاج إلى مؤسسات مستقرة، وقانون نافذ، وثقة عامة، وإدارة محايدة. وكل هذه العناصر تعرضت للتآكل لعقود.
ثانيًا، ثقافة الخوف وعدم الثقة:
النظام السابق رسّخ ثقافة تقوم على الخوف من التعبير، والشك المتبادل، والوشاية، والخلط بين الدولة والنظام، وتجريم الاختلاف السياسي. هذه الثقافة انتقلت إلى المرحلة الانتقالية وأثّرت في الحوار الوطني، وتقبل التعددية، وبناء الأحزاب، والمصالحة المجتمعية. حتى بعد 2011، ظل كثير من الليبيين يتعاملون مع السياسة باعتبارها “صراع بقاء” لا تنافسًا ديمقراطيًا.
ثالثًا، تسييس العدالة وتحويلها إلى أداة انتقام:
من أخطر التحديات أن ملفات العدالة الانتقالية لم تُبنَ دائمًا على الحقيقة، والمساءلة القانونية، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، بل دخلت أحيانًا في الاستقطاب السياسي، والثأر الاجتماعي، والتوظيف الإعلامي، والانتقائية.
وهذا يعود جزئيًا إلى إرث الجماهيرية نفسها التي حولت القانون إلى أداة ولاء سياسي لا إلى مؤسسة عدالة مستقلة. النتيجة أن ضحايا لم يحصلوا على الإنصاف، والمتهمون لم يحصلوا على محاكمات عادلة، والذاكرة الوطنية منقسمة حول الحقيقة نفسها.
رابعًا، الإخفاء القسري وغياب الحقيقة:
ويشمل ملفات المفقودين، والمغيبين، والمقابر الجماعية، والانتهاكات السياسية بقيت دون كشف شامل للحقيقة. وهذا ليس مجرد فشل إداري، بل امتداد لثقافة إخفاء المعلومات، واحتكار الأرشيف، وإنكار المسؤولية. لا يمكن لأي مصالحة حقيقية أن تنجح دون كشف الحقيقة، والاعتراف بالانتهاكات، وتحديد المسؤوليات، وحفظ ذاكرة الضحايا.
خامسًا، عسكرة المجال العام:
الجماهيرية أضعفت الحياة المدنية المنظمة التي تعتمد على الأحزاب، والنقابات، والمجتمع المدني، والجامعات المستقلة. وبعد 2011 ظهر فراغ ملأته التشكيلات المسلحة والسلطات الموازية. هذا جعل التحول الديمقراطي هشًا لأن السلاح أصبح أحيانًا أقوى من القانون، والشرعية الميدانية تغلبت على الشرعية الدستورية.
سادسًا، أزمة الهوية الوطنية:
النظام السابق استخدم القبيلة، والجهة والمدينة، وشبكات الولاء بشكل انتقائي لإدارة السلطة. وبعد سقوطه انفجرت تناقضات كامنة بين المدن، وبين الضحايا والمتهمين، وبين المركز والأطراف، وبين روايات مختلفة للتاريخ. ولذلك تعثرت المصالحة لأن ليبيا لم تصل بعد إلى “سردية وطنية مشتركة” حول الماضي.
سابعًا، تعطيل مفهوم المواطنة:
في الديمقراطية تكون العلاقة متبادلة بين مواطن ودولة وقانون أما في الإرث الجماهيري فالعلاقة غالبًا أصبحت، فرد وسلطة وولاء، ولهذا واجهت ليبيا صعوبة في بناء عقد اجتماعي جديد، وترسيخ التداول السلمي، واحترام المؤسسات.
كيف يمكن تفكيك هذه الآثار؟
المسألة لا تُحل بالشعارات أو بالإقصاء، بل بمشروع وطني طويل النفس يقوم على:
ــ عدالة انتقالية قائمة على الحقيقة وليس على الانتقام أو النسيان. وتشمل كشف الأرشيف، ولجان حقيقة مستقلة، وتوثيق الانتهاكات، وجبر الضرر، وضمانات عدم التكرار.
ــ إصلاح المؤسسات الأمنية والقضائية لأن الديمقراطية لا تنجح بوجود مؤسسات مخترقة أو مسيّسة.
ــ بناء ذاكرة وطنية مشتركة عبر التعليم، والإعلام، والتوثيق، والمتاحف والأرشيف، والمناهج الدراسية.
ــ حماية الضحايا لا توظيفهم لأن الضحايا ليسوا أدوات سياسية، بل أصحاب حقوق.
ــ إعادة الاعتبار للمجال المدني عبر دعم الجامعات، والنقابات، والبلديات، ومؤسسات المجتمع المدني، والبحث العلمي.
ــ الانتقال من “شرعية القوة” إلى “شرعية القانون” وهذا جوهر أي تحول ديمقراطي حقيقي.
فالمعضلة الليبية ليست فقط “كيف ننتقل إلى الديمقراطية”، بل كيف نفكك البنية العميقة التي منعت قيام الدولة الديمقراطية أصلًا لعقود. ولهذا فإن العدالة الانتقالية في ليبيا ليست ملفًا قانونيًا فقط، بل مشروعًا لإعادة بناء الثقة، والذاكرة، والمواطنة، ومفهوم الدولة نفسه.
_____________