بقلم الشّايب
استناداً إلى التحليل المتعمق للتطورات السياسية في ليبيا بعد 2011، يتضح أن تأثير النظام الجماهيري ليس مجرد إرث ماضٍ، بل هو قوة حية ومستمرة تعمل عبر آليات معقدة. السؤال ليس “إذا” كانت ستستمر في التأثير، بل “إلى أي مدى” وكيف ستتشكل طبيعة هذا التأثير في المستقبل.
يمكن النظر إلى استمرارية التأثير من خلال ثلاث مراحل أو حالات محتملة، تمتد من التحدي الأعمق إلى بوادر التغيير الحديثة:
أولا، التحدي الأعمق: عودة شبكات النظام السابق إلى السلطة
بعيداً عن الصورة النمطية “للثوار ضد أزلام القذافي“، فإن أكثر من عَقد من الصراع العنيف خلق فرصة غير متوقعة لعودة الأفراد والشبكات المرتبطة بالجماهيرية إلى مراكز النفوذ.
هندسة “الجماهيرية” الجديدة: أثبتت دراسة أكاديمية متعمقة أن القادة الرئيسيين في الفصائل المتصارعة اليوم، في كل من شرق وغرب ليبيا، لديهم تاريخ عميق داخل نظام الجماهيرية .
في الغرب: رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، هو مثال رئيسي على ذلك، حيث كان قريباً من دوائر السلطة في النظام السابق . وفي الشرق: المشير خليفة حفتر نفسه كان جنرالاً في جيش القذافي قبل أن ينشق وينفي . وفي الجنوب أبناء الزادمة وغيرهم.
من التهميش إلى التوظيف: بعد عام 2011، تعرضت شبكات النظام السابق التهميش. ولكن مع اشتداد الصراع بين عامي 2014 و2019، سعت كل الأطراف المتحاربة إلى كسب ولاءات جديدة. هذا الواقع جعل من “تمكين” شخصيات سابقة في النظام وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية، مما مهد الطريق لعودتها القوية .
النتيجة المباشرة: هذا يعني أن النخب الحاكمة اليوم، التي تفترض أنها تقود التحول الديمقراطي، لا تملك في كثير من الأحيان النية أو القدرة على تفكيك الإرث الجماهيري، بل هي جزء من استمراريته بصيغة جديدة.
ثانيا، الآليات المستمرة: إعادة إنتاج الفوضى وعرقلة الدولة حتى بدون عودة شخصيات النظام السابق بشكل مباشر، فإن أدوات وآليات الحكم التي وضعها القذافي لا تزال هي القاعدة التي يسير عليها المشهد الليبي.
الميليشيات كأداة حكم: أكد القذافي في “الكتاب الأخضر” أن “الشعب إذا كان صاحب السيادة الحقيقية، فيجب أن يكون مسلحاً” . بعد 2011، تحولت هذه الفكرة إلى واقع مرير، حيث تملأ الميليشيات الفراغ الذي تركته الدولة. وكما كان الحال في “اللجان الشعبية” و“اللجان الثورية“، تعمل هذه الميليشيات كسلطات محلية بحكم الأمر الواقع، لكن الفرق هو أنها تمارس القوة اليوم دون أي شرعية أو رقابة .
هيكل الدولة الغنيمة: أدى رفض الجماهيرية للمؤسسات التقليدية إلى إفراغ الدولة من مضمونها. الدليل على استمرار هذا التأثير هو أن مؤسسات الدولة، خاصة في مجالات الأمن والمال، لم تُبنَ من جديد، بل تم توزيعها كغنيمة على الفصائل المتناحرة.
يُعد مقتل أحد أقوى أمراء الميليشيات في طرابلس، ورئيس جهاز “الدعم والاستقرار“، مثالاً صارخاً على مدى اختراق الدولة من الداخل.
العقلية الرافضة للدولة: لا تزال الخطابات الشعبوية التي ترفع شعارات “سلطة الشعب” وترفض المركزية قائمة، وتستخدم كذريعة لعرقلة بناء دولة مدنية قوية لها مؤسسات . هذا الجمود جعل التوافق على دستور دائم شبه مستحيل، وأبقى ليبيا في “طريق سياسي مسدود” لأكثر من 15 عاماً .
ثالثا، بوادر التغيير: هل يمكن كسر الحلقة المفرغة؟
على الرغم من الصورة القاتمة، تشير تطورات حديثة جداً (منتصف 2025) إلى وجود نافذة من الفرصة، ربما كانت غير متاحة في السنوات الماضية، لتحجيم هذا التأثير.
تراجع الميليشيات: وثقت تقارير منتصف عام 2025 تراجعاً ملحوظاً في قوة الميليشيات الكبرى، خاصة بعد عملية اغتيال أحد أبرز قادتها. رأى محللون أن هذا يُمثل “نقطة تحول” محتملة، حيث تمكنت الحكومة من مد نفوذها على مناطق كانت سابقاً تحت سيطرة أمراء الحرب . هذا التطور يظهر أن نفوذ الجماهيرية القائم على العنف اللامركزي ليس ثابتاً ولا يقهر.
الاستنزاف الاقتصادي والاجتماعي: لم تعد “فوضى الإرث الجماهيري” تخدم مصالح النخب فقط. فقد أدت إلى محو الطبقة الوسطى بالكامل، واتساع الفجوة بين المستفيدين من النظام والفئات التي تعاني من تدهور الخدمات وغلاء المعيشة . هذا الاستياء المتزايد يخلق ضغطاً شعبياً حقيقياً، ربما يكون هو المحرك الوحيد القادر على إجبار النخب على تغيير قواعد اللعبة.
الانقسام ليس حلاً مستداماً: الانقسام الحالي بين الشرق والغرب أدى إلى تثبيت قوى الفساد (الكلبتوقراطية) والذين يستفيدون من استمرار “الوضع الراهن” . هناك إدراك متزايد، محلياً ودولياً، أن استمرار هذا النموذج يعني تدمير المؤسسات الحيوية المتبقية مثل المؤسسة الوطنية للنفط، مما سيدفع البلاد إلى انهيار كامل لا يريده أحد .
الخلاصة: هل سيكون الاستمرار بدرجة متناقصة؟ الإجابة المباشرة هي أن تأثير الجماهيرية سيستمر لسنوات قادمة، لكن بدرجة متناقصة على الأرجح. لن يختفي هذا الإرث بين عشية وضحاها، لكنه لن يبقى بنفس القوة والتجانس. هناك عوامل داخلية (كتراجع قوة الميليشيات والضغط الاقتصادي) وخارجية (كفشل نموذج الانقسام في تقديم الاستقرار) تزيد من تكلفة الاستمرار في هذا النموذج.
الاستمرار سيكون في البداية لتجنب انهيار كامل، ثم قد يتحول إلى إرث يتم تجاوزه تدريجياً إذا تمكن أي فصيل أو تحالف من فرض نموذج دولة أكثر مركزية، أو إذا نجحت الضغوط الدولية في فرض تسوية تفضل بناء المؤسسات على حساب الولاءات الفردية. المستقبل الليبي يتوقف على ما إذا كانت هذه العوامل ستنضج بالسرعة الكافية لتفكيك “شبح الجماهيرية” قبل أن يفكك ليبيا بالكامل.
أهم الصفات التي ورثتها ثورة فبراير من زمن الجماهيرية
ثورة 17 فبراير 2011 لم تنشأ في فراغ تاريخي، بل كانت نتاجاً لبيئة سياسية واجتماعية تشكلت لعقود تحت نظام الجماهيرية. لذلك، ورثت الثورة والمجتمع الليبي مجموعة من الصفات والسلوكيات العميقة التي تستمر في التأثير حتى اليوم، ويجب الانتباه إليها كدروس لفهم تحديات بناء الدولة.
ــ النفور من فكرة “الدولة” والمؤسسات: النظام الجماهيري أسس لثقافة رافضة لفكرة الدولة القوية والمؤسسات التقليدية، معتبراً إياها أدوات للاستبداد. والمظاهر الموروثة في فبراير تبرز في:
-
الميل إلى حل النزاعات عبر الوساطات القبلية أو العائلية بدلاً من القضاء
-
ضعف ثقافة الامتثال للقوانين والأنظمة الرسمية
-
صعوبة قبول فكرة وجود سلطة مركزية تعلو على الولاءات الأخرى
الدرس: بدون مؤسسات دولة قوية ومحترمة، تبقى ليبيا أسيرة للفوضى ولحكم الميليشيات والزعامات التقليدية.
ــ غياب ثقافة الحوار والتسوية السياسية: في ظل الجماهيرية، كان الحل الوحيد للخلاف هو القمع أو الانسحاب إلى العزلة، وليس الحوار والتفاوض. ولذلك نجد في فبراير هناك هذه المظاهر الموروثة:
-
ميل إلى حل الخلافات بالقوة المسلحة قبل استنفاد الوسائل السلمية
-
صعوبة في قبول الرأي الآخر وإدارة الاختلاف
-
غياب تقاليد الأحزاب والتداول السلمي للسلطة
الدرس: من دون ثقافة التسوية، يتحول كل خلاف سياسي إلى أزمة وجودية، وهذا ما شهدناه في الصراعات المسلحة المتكررة منذ 2011.
ــ ازدواجية الولاءات (القبيلة/العائلة مقابل الوطن): الجماهيرية اعتمدت على التوازنات القبلية كأداة للحكم، مما أعاد إحياء وتقوية الانتماءات التقليدية على حساب الهوية الوطنية. ولذلك نجد المظاهر الموروثة التالية:
-
الولاء للقبيلة أو المنطقة يسبق الولاء للدولة والمؤسسات الوطنية
-
توزيع المنافع والموارد على أسس قبلية وجهوية
-
ضعف الإحساس بـ“المصلحة الوطنية” الجامعة
الدرس: ما لم يتم بناء هوية وطنية قوية تتجاوز الانقسامات القبلية، ستبقى ليبيا معرضة للتمزق وتفتيت السلطة
ــ ثقافة “الكل يعرف كل شيء” وضعف التخصص: رفع الجماهيرية لشعار “سلطة الشعب” و“اللجان الشعبية” أدى إلى تشجيع ثقافة أن أي مواطن يمكنه القيام بأي دور، مما قوض فكرة التخصص والكفاءة. وبالتالي ورثت فبراير المظاهر التالية:
-
ميل إلى تعيين “رجال الثقة” و“ذوى القربى” في المناصب بدلاً من أصحاب الكفاءة والخبرة
-
ضعف احترام الخبرة والتخصص في المجالات المختلفة
-
حالة من الفوضى التنظيمية في المؤسسات نتيجة غياب الأدوار الوظيفية الواضحة
الدرس: بناء الدولة المدنية يتطلب مؤسسات قائمة على الكفاءة والتخصص، وليس على الولاءات الشخصية أو الحماسة الثورية.
ــ ثقافة الترقب وانتظار “المنقذ: أربعة عقود من الحكم الفردي خلقت ثقافة أن التغيير يأتي من فوق عبر قائد واحد، وليس من خلال جهود جماعية ومؤسسية. وبعض ما ورثناه من مظاهر هي:
-
ميل إلى توقع حلول سحرية من قادة أقوياء (ظاهرة ظهور “المنقذين” المتعددين بعد 2011)
-
ضعف المبادرة المجتمعية والمشاركة المدنية الفاعلة
-
الاستسلام السريع للإحباط عندما لا تحقق الشخصيات القيادية الوعود
الدرس: التحول الديمقراطي يحتاج إلى جهود جماعية مستدامة، وليس إلى انتظار ظهور قائد “استثنائي” يحل كل المشاكل.
ــ فقدان الثقة بين أفراد المجتمع: نظام الجماهيرية اعتمد على شبكة واسعة من المخبرين واللجان الثورية، مما زرع الشك والريبة بين المواطنين. وورثت فبراير المزيد من هذه المظاهر:
-
صعوبة بناء تحالفات سياسية مستقرة بسبب غياب الثقة
-
ميل إلى تفسير تصرفات الآخرين بدوافع خفية وسلبية
-
ضعف العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية المستقلة
الدرس: الديمقراطية تقوم على الثقة بين المواطنين وبين المواطنين ومؤسساتهم. بدون هذه الثقة، يصبح التعاون المستدام مستحيلاً.
ــ صعوبة التمييز بين “الدولة” و“النظام”: في أذهان كثير من الليبيين، اندمجت فكرة “الدولة” مع “نظام الجماهيرية” كتجربة قمعية فاشلة. ولذلك ترسخت المظاهر الموروثة التالية:
-
نفور فطري من أي حديث عن “بناء الدولة” أو “مؤسسات قوية“
-
ميل إلى تفضيل اللامركزية الفوضوية خوفاً من العودة إلى مركزية استبدادية جديدة
-
صعوبة تصور نموذج دولة مدنية لا تشبه نظام القذافي
الدرس: يجب العمل على فك هذا الالتباس في الوعي الجمعي، وإظهار أن الدولة المدنية هي عكس الدولة الاستبدادية، وليست نسخة منها.
الخلاصة .. تحرير مزدوج: ما تحتاجه ليبيا اليوم ليس فقط تحرراً سياسياً من نظام الجماهيرية، بل تحرراً ثقافياً ونفسياً من آثاره العميقة على العقلية الجمعية. دون الوعي بهذه الصفات الموروثة، سيبقى المجتمع الليبي يعيد إنتاج أنماط السلوك نفسها التي عرقلت بناء الدولة، حتى لو تغيرت الأنظمة السياسية.
المهمة الأكبر ليست في تفكيك مؤسسات الماضي، بل في إعادة بناء الإنسان الليبي ليكون قادراً على العيش في دولة مدنية قائمة على المواطنة والتسامح والمؤسسات.
_____________