بقلم الشّايب
تفكيك أثر الجماهيرية في عرقلة بناء الدولة المدنية في ليبيا يتطلب مقاربة متعددة الأبعاد تشمل:
مراجعة الإرث المؤسسي: تفكيك الهياكل الإدارية والقانونية التي أسسها نظام الجماهيرية، والتي كانت تقوم على إلغاء الدولة التقليدية وتحويل السلطة إلى مؤتمرات شعبية ولجان ثورية، مما أدى إلى غياب مؤسسات دولة مستقلة وفاعلة.
إصلاح المنظومة القانونية: إلغاء القوانين التي كانت تعيق بناء الدولة، مثل قانون حظر الأحزاب السياسية وقانون المؤتمرات الشعبية، واستبدالها بدستور وقوانين تضمان فصل السلطات وحماية الحقوق والحريات.
معالجة اللامركزية الفوضوية: الجماهيرية رسخت فهماً مشوهاً للامركزية أدى إلى انقسام المجتمع وضعف السلطة المركزية، لذا يجب تبني لامركزية إدارية قائمة على الكفاءة والشفافية وليس على الولاءات القبلية أو الإيديولوجية.
تفكيك الميليشيات وإعادة هيكلة الأمن: نشأت الميليشيات كامتداد لـ“اللجان الثورية” و“حراس الثورة“، ويجب نزع سلاحها ودمج عناصرها في مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية واحدة تخضع لسلطة مدنية.
تعزيز ثقافة الدولة والمؤسسات: عبر حملات توعوية ومناهج تعليمية تعيد الاعتبار لمفهوم المواطنة والدولة المدنية، حيث كانت الجماهيرية تروج لثقافة رفض الدولة لصالح “سلطة الشعب” المباشرة.
محاسبة عادلة وعدالة انتقالية: لمحاربة الإفلات من العقاب ومعالجة انتهاكات الماضي، دون أن تتحول إلى انتقام سياسي، مما يساعد في بناء ثقة المواطنين بالدولة الجديدة.
دعم المجتمع المدني: تعزيز دور المنظمات المدنية المستقلة التي تعمل على ترسيخ الشفافية والمساءلة، في مواجهة الإرث الجماهيري القائم على سيطرة التنظيم الثوري على كل شيء.
بدون تفكيك هذا الإرث، ستبقى ليبيا أسيرة لخلل بنيوي يمنع قيام دولة مدنية قوية قادرة على احتكار السلاح وفرض القانون وتوفير الخدمات.
يمكن رصد تأثير النظام الجماهيري في ليبيا بعد عام 2011 من خلال مجموعة من الآليات التي تشكلت أو استمرت كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة لسياسات القذافي.
هذه الآليات لا تظهر فقط كإرث مؤسسي، بل كقوى حية تعيد إنتاج نفسها في المشهد السياسي والأمني والاجتماعي الليبي:
ــ فراغ الدولة وغياب المؤسسات: الآلية الأكثر جوهرية هي “غياب الدولة“ بالمعنى المؤسسي الغربي. خلال حكم القذافي، تم تفكيك مؤسسات الدولة التقليدية عمداً ليحل محلها نظام “اللجان الثورية” و“المؤتمرات الشعبية” . هذا الإرث لم يخلق فراغاً فحسب، بل جعل من المستحيل تقريباً إعادة بناء الدولة بسرعة بعد 2011.
وُصفت ليبيا بأنها جمهورية الشعب العارية من أي بنية مؤسسية حقيقية
في غياب إطار مؤسسي جامع، لم يعد هناك “مركز” شرعي واحد للسلطة، مما أدى إلى تفتت السلطة بين أطراف متعددة.
ــ تعدد السيادة وصعود الميليشيات: مع انهيار احتكار الدولة للعنف، ظهرت الميليشيات كبديل عن الجيش والشرطة. هذه الميليشيات، التي تشكلت أساساً من مقاتلي الثورة، تطورت لتصبح جهات فاعلة رئيسية تمتلك القوة المادية والسياسية .
تطورت هذه الظاهرة إلى ما يُعرف بـ“تعدد السيادة“، حيث تسيطر مجموعات مختلفة على مرافق حيوية. هناك “منطق خفي” من التفاهم بين الحكومة والميليشيات، تمكنت بموجبه هذه الميليشيات من السيطرة على مطارات ومصافي نفط دون معارضة تُذكر من الحكومة . هذا يعني أن الدولة الليبية في الممارسة العملية لم تعد تمتلك احتكاراً للقوة المسلحة.
ــ اختراق مؤسسات الدولة: مع مرور الوقت، لم تعد الميليشيات مجرد جهات خارجية ضاغطة، بل أصبحت تخترق مؤسسات الدولة من الداخل. هذه العملية تسمى “مأسسة” الميليشيات أو إضفاء الطابع المؤسسي عليها. تولي المناصب: قادة الميليشيات أصبحوا اليوم وزراء (مثل وزير الداخلية) وقادة لأجهزة أمنية رسمية. السيطرة على الميزانية: هذه المجموعات تحصل على حصة الأسد من الأموال العامة عبر عقود أمنية وهمية أو سرقة منظمات حكومية.
إعادة إحياء أجهزة الدولة القديمة: أجهزة المخابرات والأمن الداخلي، التي كانت أدوات قمع في عهد القذافي، أعيد إحياؤها من قبل قادة الميليشيات، وأصبحت تعمل بنفس الثقافة القديمة المعادية للمجتمع المدني. لم تعد الميليشيات أطرافاً خارج النظام، بل النظام نفسه أصبح في قبضتها.
هذا هو الإرث الجماهيري: تحويل الدولة إلى غنيمة تُقسم
ــ تجزئة السلطة على أسس جهوية وقبلية: الجماهيرية أسست لسياسة تعتمد على التوازنات القبلية والجهوية كأداة للحكم، مما أضعف فكرة الهوية الوطنية الجامعة. بعد 2011، انفجرت هذه الانقسامات لتشكل ساحة سياسية منقسمة بين مركزين متنافسين للسلطة: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس (غرباً) ومجلس النواب والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر في الشرق. وعودة السلطة القبلية في مناطق مثل فزان (الجنوب)، أصبح الزعماء التقليديون (شيوخ القبائل) هم من يقدمون الخدمات ويحكمون النزاعات بعد انهيار مؤسسات الدولة، مما أضفى شرعية على الحكم القبلي على حساب المدني .
هذا التجزئة جعلت من المستحيل تطبيق سيادة واحدة موحدة على كامل التراب الليبي، وهي إحدى الركائز الأساسية للدولة المدنية.
ــ سوء استخدام آليات الديمقراطية المباشرة: الجماهيرية أسست لثقافة رفض “الدولة” لصالح “سلطة الشعب المباشرة” عبر المؤتمرات الشعبية. بعد 2011، استُخدمت هذه الآليات بطريقة مشوهة لإعاقة بناء الدولة:
اللامركزية الفوضوية: بدلاً من بناء مؤسسات مركزية قوية، أدت “الديمقراطية المباشرة” إلى غياب المساءلة وعدم وضوح الصلاحيات.
تعطيل الدستور: الخوف من المركزية الذي زرعه القذافي جعل التوافق على دستور يحدد شكل الدولة (رئاسي أم برلماني) شبه مستحيل، مما أبقى البلاد في مرحلة انتقالية دائمة لأكثر من عقد .
الخلاصة: إعادة إنتاج السلطوية في غياب الدولة
الآليات السابقة لا تعمل بمعزل عن بعضها. هي تشكل حلقة مفرغة: غياب الدولة يخلق ميليشيات، والميليشيات تمنع بناء الدولة، والفراغ يدفع المجتمع للجوء للقبيلة. في هذا السياق، ظهرت سلطوية جديدة فرضت نفسها بالقوة. الجيش الوطني الليبي في الشرق (قوات حفتر) هو مثال واضح على إعادة إنتاج نموذج السلطوية العسكرية في غياب الدولة.
إذاً، تأثير الجماهيرية لم ينتهِ بسقوطها، بل انتقل من استبداد فرد واحد إلى فوضى منتجة لاستبدادات متعددة ومتنافسة، مما يجعل مهمة بناء الدولة المدنية أشبه بمحاولة بناء منزل على أنقاض مدينة مدمرة بالكامل، مع رفض الجميع للعودة إلى العمارة القديمة، وغياب مهندس موحد.
__________