بقلم الشّايب
كثير من التحليلات التي تتعلق بالأزمة الليبية تركز على الثروة النفطية، والمليشيات، والفساد، والتدخل الخارجي، أو الأشخاص مثل حفتر والدبيبة وغيرهما. وكلها عوامل مهمة، لكنها لا تفسر وحدها استمرار الاضطراب منذ 2012.
فالعامل الأعمق في الحالة الليبية هو أزمة الشرعية، وهو المفتاح الحقيقي لفهم الوضع الراهن في ليبيا، والأسئلة التي لم يجب عليها كثيرة، منها مثلا: من يملك الحق المقبول اجتماعيًا في الحكم؟ وبأي قواعد؟ وكيف تنتقل السلطة؟ وغيرها من الأسئلة الأساسية؟وحين لا توجد إجابات مستقرة لهذه الأسئلة، يتحول كل خلاف سياسي إلى صراع وجودي.
الشرعية المطلوبة ليست مجرد القوة، ولا الانتخابات، ولا الاعتراف الدولي. فالشرعية هي قبول شعبي واسع نسبيًا، بأن سلطة ما يحق لها أن تحكم وفق قواعد مفهومة. وهي تأتي من الدستور والانتخابات والتاريخ الوطني والإنجاز والاستقرار والتوافق السياسي والاجتماعي.
تاريخيا، أزمة الشرعية بدأت منذ انقلاب سبتمبر، حيث شرعية الإنقلاب والثورة هي التي سيطرة على زمام الأمور لأربعة عقود. فالإنقلاب أسقط الملكية وقدم نفسه كثورة قومية تحررية، والشرعية الثورية لم تأتِ من صندوق اقتراع أو دستور متوافق عليه، بل من إسقاط النظام القديم، والخطاب الثوري الذي ألغى قوانين العهد الملكي، ومن شعارات العداء للاستعمار، ومن وعود العدالة الاجتماعية الكاذبة، ومن تسويق الكاريزما القيادية.
هذا النوع من الشرعية قد ينجح مؤقتًا، لكنه يحتاج لاحقًا إلى التحول نحو مؤسسات مستقرة، وذلك لم يحدث بالكامل. وبقى سؤال الحكم معلقًا: هل الشرعية للشعب؟ أم للثورة؟ أم للقائد؟ أم للجان؟ أم للدولة؟
وعندما تحول النظام من الجمهورية إلى الجماهيرية في 1977، بدأت مرحلة الشرعية الأيديولوجية بلا آليات حسم، باعتبارها “سلطة الشعب“. لكن عمليًا لم توجد آليات واضحة ومستقلة لحسم الخلافات أو تداول السلطة. فأصبحت هناك مفارقة. نظريًا الشعب يحكم، وعمليًا مركز القرار كان فوق المؤسسات. فحين تختلف الشعارات مع الواقع، تتآكل الشرعية تدريجيًا، حتى لو استمرت الدولة أمنيًا. والنتيجة أن الاستقرار أصبح قائمًا على السيطرة والريع والتوازنات، لا على عقد سياسي متفق عليه.
بعد سقوط الجماهيرية في 2011، اصطدمت شرعية الثورة بشرعية الدولة، وظهرت شرعية فبراير. أي أن من شارك في إسقاط النظام يرى نفسه صاحب أولوية سياسية وأخلاقية. لكن ظهرت أيضًا حاجة موازية إلى شرعية الدولة تتمثل في مؤسسات منتخبة وقوانين إدارة عامة، وجيش وشرطة. وهنا برزت أسئلة مهمة لحسم العلاقة بين الثورة والدولة، ومنها:
- هل الشرعية للثوار أم للمؤسسات؟
- هل من حمل السلاح أولى مِنْ مَنْ فاز بالانتخابات؟
- هل الثورة حدث ينتهي أم مصدر دائم للسلطة؟
انقسام الشرعيات
منذ 2014 دخلت ليبيا أخطر مراحلها، وهي مرحلة انقسام الشرعيات، حيث لم تعد هناك شرعية واحدة متنافس عليها، بل عدة شرعيات متوازية:
- ــ الشرعية الانتخابية، لدى مجلس النواب (البرلمان) والهيئات المنتخبة
- ــ الشرعية الثورية، لدى من يعتبر نفسه حامي أهداف فبراير
- ــ شرعية السلاح، لدى من يفرض السيطرة ميدانيا
- ــ الشرعية الدولية لدى من يحظى باعتراف الأمم المتحدة
- ــ الشرعية المحلية لدى المدن، والقبائل، والقوى الاجتماعية.
حين تتعدد الشرعيات دون مرجعية نهائية، يصبح كل طرف “شرعيًا” من زاويته. والنتيجة أن الصراع لا يُحسم سياسيًا، بل يتجدد.
من العوامل التي كانت مؤثرة جدا هو التدخل الخارجي لأن الخارج لا يستطيع عادة فرض مشروعه إذا كانت الشرعية الداخلية مستقرة. ولكن في ليبيا وجد الخارج فراغًا شرعيًا، فصار كل طرف يبحث عن داعم خارجي يعزز ادعاءه. أي أن الخارج استغل الأزمة أكثر مما صنعها.
المشكلة الراهنة أن ليبيا لا تعاني فقط من انقسام حكومات، بل من سؤال أعمق وهو ما المصدر النهائي للسلطة في الدولة الليبية؟ هل هو الانتخابات؟ أم الدستور؟ أم التوافق بين الأقاليم؟ أم القوة العسكرية؟ أم الشرعية الثورية؟ أم الاعتراف الدولي؟ وطالما لا يوجد جواب جامع، ستظل أي حكومة مؤقتة وقابلة للطعن.
حل أزمة الشرعية ليس مجرد تغيير أشخاص، بل تأسيس قواعد مقبولة عمومًا، مثل:
- ــ دستور متفق عليه يحدد شكل الدولة وصلاحيات المؤسسات
- ــ واحتكار الدولة للسلاح، ولا شرعية موازية بالقوة
- ــ وانتخابات ضمن قواعد ثابتة لا انتخابات المعركة الصفرية
- ــ ومصالحة وطنية تؤدي إلى دمج أنصار المراحل السابقة دون إقصاء شامل
- ــ وتوزيع عادل للثروة لأن الشرعية تنهار إذا اعتُبرت الدولة أداة نهب
الخلاصة: أن ليبيا منذ 1969 إلى اليوم، انتقلت من شرعية الانقلاب، إلى شرعية الثورة، إلى شرعيات متنافسة ـ لكنها لم تستقر طويلًا على شرعية دستورية مؤسساتية واحدة. لهذا تبدو كل سلطة في ليبيا قوية مؤقتًا، لكنها هشّة سياسيًا. إن أزمة ليبيا ليست فقط في من يحكم، بل كيف يصبح الحكم مشروعًا في نظر أغلب الليبيين.
_______________