بقلم الشّايب

فشل رجال الدولة في ليبيا بعد 2011 أمام رجال السلاح لم يكن بسبب نقص الكفاءة فقط، بل بسبب اختلال ميزان القوة بعد سقوط النظام. هذه من أهم العقد في التاريخ الليبي الحديث. فمن هم رجال الدولة؟ ومن هم رجال السلاح؟

رجال الدولة هم إداريون ودبلوماسيون وتكنوقراط وقضاة وضباط نظاميون سابقون وأصحاب خبرة مؤسساتية، يريدون دولة بقانون وتسلسل إداري. ورجال السلاح هم قادة الكتائب الثورية المحلية والتشكيلات المسلحة المناطقية وجماعات أيديولوجية مسلحة، وقادة ميدان امتلكوا القوة بعد الحرب. كل هؤلاء يريدون النفوذ أولًا ثم السياسة لاحقًا.

والسبب أن رجال السلاح انتصروا لأنهم امتلكوا القوة على الأرض، فبعد سقوط القذافي وانهيار الجيش وأجهزة الأمن، صار السلاح هو مصدر الشرعية الواقعية، فمن يملك السلاح يفرض القرار. أما رجال الدولة فهم لم يملكوا أدوات حماية، فهم عادة تكنوقراط يعرفون الإدارة، لكن لا يملكون ميليشيات ولا قوة ردع، فكانت قراراتهم تُعطل بسهولة.

المجتمع الليبي خلط بين الثورة والدولة، واعتقد كثيرون أن من قاتل النظام يجب أن يحكم مباشرة، لكن القتال شيء وبناء الدولة شيء آخر. ولكن الإقصاء الواسع للخبرات القديمة ليس حلا، فقد تم استبعاد كثير من أصحاب الخبرة لأنهم عملوا في عهد الجماهيرية، حتى لو كانوا مهنيين لا سياسيين، وبذلك خسرت ليبيا خبرات إدارية وخبرات أمنية وخبرات مالية.

السؤال إذا، لماذا لم يتوحد رجال الدولة؟ لأنهم انقسموا إلى: (شرق و غرب)، و(قديم و جديد)، و (مدني و عسكري)، (ثوري و غير ثوري)، أما رجال السلاح كان أكثر وضوحا، فهم يريدون النفوذ والسيطرة الآن.

إذا ليبيا بعد 2011 لم تخسر رجال الدولة لأنهم فاشلون، بل لأن سوق القوة كان أعلى من سوق الخبرة. ويمكن أن يعود رجال الدولة إلى المشهد، عندما يقتنع الناس بأن السلاح لا يبني اقتصادًا، وأن الميليشيات لا تدير دولة، وأن الأمن يحتاج إلى مؤسسة لا كتيبة مسلحة، وأن النفط يحتاج إلى إدارة لا شعارات. في الثورات ينتصر المقاتل أولًا، لكن إن لم يسلّم السلطة لرجل الدولة، تنهار البلاد.

لعله من المناسب أن نسال عن ماذا كان يمكن أن يغيّر مسار ليبيا؟ ولعل أهم الإجراءات التي كانت كفيلة بتغيير مسار ليبيا هي: الحفاظ على مؤسسة أمنية وطنية موحدة، واستيعاب الكفاءات القديمة لا إقصاءها جماعيًا، ونزع السلاح مبكرًا، ودمج المسلحين في الجيش والأجهزة بعد تأهيلهم، وتوزيع عادل للثروة النفطية، واتفاق سياسي سريع على الشرعية. ولكن ليبيا لا زالت تملك فرصة حقيقية للخروج من المأزق، فهي تملك ثروة نفطية كبيرة، وشعب قليل العدد نسبيًا، وهذه معادلة ممتازة، فالدخل الكبير وقلة السكان توفر قدرة عالية لرفع مستوى المعيشة.

كان من الممكن أن تكون ليبيا دولة متوسطية، غنية بالنفط والخدمات، ومركز طاقة ولوجستيات، ومستوى دخل مرتفع، وبنية تحتية حديثة، ونفوذ إقليمي معتبر. أي مزيج بين دولة خليجية غنية ودولة متوسطية منفتحة. والذي أضاع الفرصة هو انتشار السلاح، وصراع الشرعيات، والتدخلات الخارجية، وتعطيل النفط سياسيًا، وغياب مشروع وطني موحد. لأن الثروة وحدها لا تصنع دولة ناجحة؛ فالاستقرار والمؤسسات والإدارة هي العامل الحاسم.

لو أُدير الانتقال جيدًا من بعد فبراير، كان من الممكن أن تكون ليبيا اليوم من أعلى الدول دخلًا في أفريقيا، وكانت قادرة أن تملك شبكة طرق ومطارات حديثة، وطاقة كهربائية مستقرة، وصندوق سيادي استثماري قوي، ومركز عبور بين أفريقيا وأوروبا. وهذا لا يعني أن تصبح ليبيا دولة المدينة الفاضلة، بل دولة مستقرة نسبيًا، غنية مقارنة بما هي عليه الآن.

ماذا كان ينبغي فعله خلال المراحل السابقة:

مرحلة الإنقاذ لا الغنيمة (2011-2012): ما كان يجب فعله هو تشكيل حكومة انتقالية مصغرة من كفاءات، وجمع السلاح تدريجيًا مقابل دمج منضبط للمقاتلين، وحماية مؤسسات الدولة القائمة بدل هدمها، ومنع الانتقام الجماعي، والاستعانة بخبرات قديمة غير متورطة. وكان من المتوقع حينئذ ألا توجد مليشيات مستقلة عن الدولة، وبالتالي تكون عودة جهاز الشرطة سريعة، واستمرار إنتاج النفط.

مرحلة بناء الشرعية (2013-2014): ما كان يجب فعله هو صياغة دستور والاستفتاء عليه، وانتخابات مبكرة ثم احترام النتائج، وتوحيد مؤسستي الجيش والشرطة، وإصدار قانون عدالة انتقالية متوازن. عندها كنا تجنبنا الانقسام بين حكومتين وبرلمانين. وأبقينا الصراع سياسيًا لا عسكريًا.

مرحلة البناء الاقتصادي (2015-2018): وفيها تحقيق استقرار نسبي، وزيادة إنتاج النفط، وإعادة الإعمار، وتطوير الطرق والمطارات، وحل أزمة الكهرباء جذريًا، وبناء مشاريع إسكان واسعة، وإصلاح المصارف، وإنشاء صندوق سيادي للأجيال القادمة، ومناطق حرة في عدد من المدن الكبيرة، وربما كانت النتيجة هي انعدام البطالة، وعودة الشركات الدولية، ونمو الطبقة الوسطى.

مرحلة الانطلاق الإقليمي (2019-2022): حيث الموانئ الحديثة على المتوسط، وربط لوجستي مع دول الساحل، وجامعات تقنية جيدة، وجذب استثمار أوروبي وخليجي، وقطاع سياحة صحراوية وتاريخية. وربما كانت النتيجة أن تصبح ليبيا مركز بين أفريقيا وأوروبا، ولها نفوذ اقتصادي متزايد.

مرحلة دولة مستقرة وثرية نسبيًا (2023-2026): بحلول هذا العام كان يمكن أن نرى: داخليًا كهرباء مستقرة 24 ساعة، وعملة أكثر استقرارًا، ومدن آمنة نسبيًا، وخدمات رقمية حكومية، ورواتب منتظمة، ودخل فرد مرتفع، واحتياطي مالي قوي، ومشاريع بنية تحتية كبرى، وشركات طاقة وخدمات ناشئة. وسياسيًا كنا سنشهد تداول حكومي نسبي، ومؤسسات أقوى من الأشخاص، وتنافس انتخابي بدل حرب.

كيف يمكن لليبيا أن تنجح في المستقبل:

ليبيا ما زالت تملك عناصر نجاح نادرة، منها ثروة نفطية كبيرة وعدد سكان محدود نسبيًا وموقع بين أفريقيا وأوروبا ومساحة ضخمة ومجتمع يمكن توحيده إذا وُجدت مصالح مشتركة. وهذه رؤية لما ينبغي أن يتحقق في المراحل التالية:

المرحلة الأولى: (2026–2028)

ــ تثبيت الدولة (لا حل كل المشاكل): تحقيق إتفاق سياسي عملي لا مثالي، وحكومة موحدة بصلاحيات واضحة، و توزيع مناصب متوازن شرق/غرب/جنوب، وجدول انتخابات واقعي لا متسرع

ــ تجميد الصراع المسلح: وقف دائم لإطلاق النار ودمج تدريجي للتشكيلات القابلة للدمج وحصر السلاح الثقيل بيد الدولة

ــ الخدمات فورًا: الكهرباء والسيولة والمصارف والمرتبات والوقود والنظافة والبلديات والنتيجة المتوقعة هي استعادة ثقة الناس لأول مرة.

المرحلة الثانية: (2028–2031)

ــ بناء الاقتصاد الحقيقي: توظيف النفط كأداة بناء لا غنيمة زيادة الإنتاج شفافية الإيرادات صندوق تنمية وطني

ــ مشاريع كبرى: طرق سريعة ساحلية وجنوبية مطارات حديثة موانئ حديثة إسكان متوسط

ــ قطاع خاص قوي: تسهيل إجراءات الشركات، وتمويل الشباب، وجذب الاستثمار الخارجي، والنتيجة ترى أوضح في تراجع البطالة وعودة رأس المال الليبي.

المرحلة الثالثة: (2031–2036)

ليبيا الجديدة: داخليًا، تتميز بشرطة محترفة، وقضاء أفضل، وبلديات قوية، وإدارة رقمية. واقتصاديًا تزدهر بطاقة شمسية ضخمة، ولوجستيات بين أفريقيا وأوروبا، وصناعة خفيفة، وسياحة أثرية وصحراوية. أما سياسيًا تدار من خلال تداول حكومي طبيعي، وتنافس انتخابي بلا حرب، و مؤسسات سياسية وإدارية أقوى من الأفراد

المطلوب سياسيًا ليس “زعيم منقذ” بل فريق من رجال الدولةالمحترفين، وصفقة وطنية عادلة، وتحييد التدخل الخارجي، وتوزيع الثروة بعدالة، ومحاسبة تدريجية لا انتقامية. أما أكبر 5 أخطاء يجب تجنبها فهي إقامة انتخابات بلا أمن، وتقاسم السلطة بلا مؤسسات، وإنفاق نفطي بلا تنمية، وإقصاء جماعي للمعارضين، والاعتماد على الخارج.

الخلاصة: ليبيا لا تحتاج معجزة. تحتاج عشر سنوات متصلة من الهدوء والإدارة فقط. ولعل أصعب شيء ليس المال ولا البناء… بل الاتفاق على قواعد اللعبة. إذا تم ذلك، الباقي أسهل مما يظن الناس.

إنقاذ ليبيا في 2026 لا يحتاج “بطلًا خارقًا”، بل يحتاج نوعًا محددًا من القيادة. فالمشكلة الليبية اليوم أعقد من أن يحلها شخص واحد، لكن هناك نمط قائد يمكنه تغيير المسار. وهنا يمكننا أن نبحث في من هم الأشخاص غير المناسبين لقيادة المرحلة، فهم بالتأكيد :

ــ ليسو قادة ميليشيات، لأنهم حتى لو فَرضوا هدوءًا مؤقتًا، سيبقى منطق القوة لا الدولة هو السائد.

ــ وليسو خطباء حماسيون،لأن الخطيب الشعبوي يُشعل الحماس لكنه لا يبني مؤسسات

ــ وليسو رجال الخارج، لأنهم مفروضين من دول أخرى، وبالتالي ستضعف شرعيتهم داخليًا

ــ وليسو إداريين باردين بلا قواعد، فهم قد يفهموا الاقتصاد لكنهم يعجزون عن فرض التسوية.

إذن من هم القادة المناسبين؟

هم “رجال دولة توافقيين صارمين” يجمعون بين شرعية وطنية واسعة، وقبولا نسبيًا في الغرب والشرق والوسط والجنوب، وفي المدن الكبرى، وبين النخب، ومن الناس العاديين، وليس مطلوبًا أن يحبهم الجميع، بل أن ترفضهم قلة من الناس

وهم يملكون قوة تفاوضية، ويعرون كيف يتعاملون مع القوى المسلحة، والقبائل، ورجال الأعمال، والمجتمع الدولي.

وهم يملكون عقول مؤسساتية، ويفكرون في الشرطة والقضاء والميزانية والبلديات والتعليم والصحة لا في الخطابات فقط.

وهم من أصحاب الحزم القانوني، يعرفون أن التساهل الكامل يعني الفوضى. ولهم خبرة في التعامل بتواضع سياسي، يقبلون التداول ولا يحاولون حكم ليبيا للأبد.

الخلفية الأفضل لهؤلاء القادة، أن يكونوا تكنوقراط، محترمين إداريًا، ومدنيين معتدلين، ولهم خبرة في التفاوض والتحالفات. أما العسكريين فعليهم أن يكونوا وطنيين منضبطين، وعلى استعداد للتحول إلى الحياة السياسة المدنية.

أما مسألة الكاريزما، فهي صفة مهمة ولكن ينبغي أن تكون هادئة، والمهم أن ترسخ الثقة والجدية والصدق والقدرة على طمأنة الناس.

هذا النوع القادة موجود في ليبيا، ولكن قد يكون خارج الصف الأول الحالي داخل الإدارة، وقد يكون معروف محليًا ليس دوليًا.

والحقيقة أن الدول أحيانًا تنقذها شخصيات لا تبدو نجومًا مسبقًا. فليبيا لا تحتاج أقوى رجل، بل أكثر رجل قادر على جمع المتنافسين داخل قواعد واحدة. ونجاح ليبيا قد يأتي من فريق قيادة بدلا من شخص منفرد.

__________

Related Articles