توفيق عياد الشقروني

يُعد كتاب “رحلة نضال: لمحات من حياة وفِكْر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني)” من تأليف خالد علي إبراهيم، وقد صدر عن دار تبرا للطباعة والنشر والتوزيع في طرابلس، ليبيا، وذلك في طبعته الأولى المندرجة ضمن سلسلة الكتابات التاريخية (1)، والعدد الكلي للصفحات (103).
يقدم كتاب “رحلة نضال” للمؤلف خالد علي إبراهيم سيرة ذاتية وفكرية للشيخ محمد علي يحيى معمر (1949-1994)، الشخصية الليبية البارزة المعروفة أيضاً باسمها الحركي “فتحي الباروني”. يهدف الكتاب، كما يتضح من مقدمة المؤلف وفهرسه، إلى سد فجوة توثيقية ومعرفية حول حياة وفكر وتضحيات هذه الشخصية الهامة التي، رغم دورها النضالي والفكري، لم تحظَ بالاهتمام البحثي والأكاديمي الكافي.
يسعى المؤلف لتقديم الشيخ كأنموذج للمناضل والمفكر الذي دفع حياته ثمناً لمبادئه وقناعاته في سبيل الوطن والفكر والحرية، معتمداً على مزيج من المصادر الوثائقية والشفوية.
يُقسم الكتاب، بعد الإهداء والمقدمة والفهرس، إلى فصلين رئيسيين، تليهما خاتمة، وملحقان، وقائمة بالمصادر والمراجع.
الفصل الأول (“لمحات من حياة الشيخ محمد علي يحيى معمر“)
يتناول الفصل السرد الكرونولوجي لحياة الشيخ. يبدأ بالتمهيد ونشأة الشيخ وتكوينه العلمي الأولي في بيئته بجبل نفوسة (نالوت وجادو)، ثم مرحلته الجامعية في طرابلس، وينتقل إلى فترة نشاطه السياسي والفكري التي أدت به إلى السجن بعد أحداث 1973.
يخصص المؤلف أقساماً لمعاناة السجن ثم لقصة هروبه الدرامية والمثيرة، والتي يصفها المؤلف بأنها “بين الواقع والأسطورة”. يتابع الفصل مسيرة الشيخ في المنفى بين القاهرة والولايات المتحدة الأمريكية، وصولاً إلى وفاته. يعتمد هذا الفصل بشكل كبير على تتبع الأحداث والمحطات الفارقة في حياة الشيخ.
الفصل الثاني (“لمحات من سمات الشيخ محمد علي يحيى معمر الشخصية والفكرية)
فينتقل من السرد إلى التحليل. يستعرض السمات الشخصية للشيخ (الصبر، الصدق، التواضع، الشجاعة) والسمات القيادية (الإرادة، الإدارة، الحكمة، التفاؤل). بعد ذلك، يتعمق في أسسه الفكرية، مبرزاً انتماءه وتأثره بالمذهب الإباضي ومساهمته فيه، ويُسلط الضوء على نبوغه العلمي وثراءه المعرفي، وملكاته الأدبية والكتابية. يهدف هذا الفصل إلى تقديم رؤية تحليلية لشخصية الشيخ ومرتكزاته الفكرية.
تتبع الفصلين خاتمة تلخص أهم ما ورد في الكتاب، ثم ملحقان يضمان نماذج من كتابات الشيخ ورسالة له، مما يتيح للقارئ مصدراً أولياً للاطلاع على أسلوبه وفكره. وأخيراً، قائمة المصادر والمراجع التي تكشف عن الأسس التي بُني عليها البحث.
تعتمد منهجية المؤلف بشكل واضح على الجمع بين المصادر الأولية والثانوية، مع تركيز لافت على التاريخ الشفوي. يتجلى ذلك في قائمة المراجع التي تضم عدداً كبيراً من المقابلات والحوارات التي أجراها المؤلف مع شخصيات محورية في حياة الشيخ، تشمل زوجته ورفاقه وأصدقاءه ومعاصريه في مختلف المراحل (الدراسة، النضال، السجن، المنفى).
هذا الاعتماد المكثف على الشهادات الحية يمنح الكتاب بعداً إنسانياً وتفصيلياً قد يصعب الحصول عليه من المصادر المكتوبة وحدها. بالإضافة إلى ذلك، استند المؤلف إلى كتابات الشيخ المنشورة (خاصة في مجلة الإنقاذ)، ومقالات ودراسات كُتبت عنه، وبعض الكتب والمصادر الإلكترونية ذات الصلة.
يُمثل كتاب “رحلة نضال” إضافة قيمة في مجال السيرة الذاتية والتاريخ الليبي المعاصر. تكمن أهمية الكتاب في:
-
سد فجوة معرفية حيث ينجح الكتاب في تسليط الضوء على شخصية محورية ومؤثرة، لكنها مهمشة في السرديات التاريخية الرسمية والأكاديمية السائدة.
-
الاعتماد على التاريخ الشفوي إذ يُعد استخدام المقابلات المكثفة مصدراً ثرياً للمعلومات، خاصة فيما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة للحياة الشخصية، وتجارب السجن والمنفى، والعلاقات الإنسانية.
-
الشمولية إذ يحاول الكتاب تقديم صورة شاملة تغطي مختلف جوانب حياة الشيخ (الشخصية، العلمية، الفكرية، النضالية).
-
تضمين المصادر الأولية بإضافة نماذج من كتابات الشيخ ورسائله في الملاحق يعزز من القيمة العلمية للكتاب.
ومع ذلك، وبناءً على المواد المتاحة فقط، يمكن الإشارة إلى بعض الجوانب التي قد تحتاج إلى تقييم أعمق عند قراءة النص كاملاً:
-
التحليل النقدي والتوازن: بينما يُعد توثيق حياة المناضلين أمراً هاماً، قد يواجه الاعتماد الكبير على شهادات المقربين تحدي الحفاظ على التوازن والموضوعية وتجنب الانزلاق نحو الكتابة التبجيلية
-
عمق التحليل الفكري: رغم تخصيص فصل للسمات الفكرية، لا يمكن الحكم على مدى عمق التحليل والتفكيك النقدي لأفكار الشيخ ومساهماته وموقعها ضمن التيارات الفكرية الأوسع دون الاطلاع الكامل أدبيات المرحلة.
-
السياق التاريخي الأوسع: من المهم تقييم مدى ربط سيرة الشيخ الشخصية بالسياقات السياسية والاجتماعية والثقافية الأوسع في ليبيا والمنطقة خلال فترة حياته.
يُعتبر كتاب “رحلة نضال: لمحات من حياة وفِكْر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني)” عملاً بحثياً جاداً ومساهمة أساسية لتوثيق سيرة واحد من أبرز رموز الفكر والنضال في ليبيا الحديثة.
من خلال منهجيته التي تعتمد بشكل كبير على التاريخ الشفوي والمصادر الأولية، يقدم الكتاب مادة غنية وشخصية عن حياة الشيخ وتجاربه.
ورغم الحاجة لقراءة متأنية للنص كاملاً لتقييم عمق التحليل والتوازن النقدي، فإن الكتاب يعدّ بلا شك مصدراً لا غنى عنه للباحثين والطلاب والمهتمين بالتاريخ السياسي والفكري الليبي، وتاريخ الحركات الإسلامية، والدراسات الإباضية، وسير الشخصيات الوطنية البارزة.
إنه تكريم مستحق لشخصية تستحق أن تُروى قصتها وتُدرس أفكارها.
__________