صلاح الهوني

عائدات النفط الضخمة التي يُفترض أنها ستُموّل إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية باتت تُعزز قدرة كل طرف على التمسك بموقفه السياسي وتحمّل أعباء الانقسام المزمن.

ثمة مفارقة صارخة تلخّص المأزق الليبي بأسره: بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، يعجز عن تمويل موازنته الاعتيادية، ويتراكم على مؤسسته النفطية دين يتجاوز الواحد والثلاثين مليار دينار خلال ثلاث سنوات فحسب.

هذه الأرقام، التي كشفها مستند رسمي رفعته المؤسسة الوطنية للنفط ضمن ترتيباتها المالية لعام 2026، ليست مجرد أزمة محاسبية، بل هي عَرَض لداء أعمق يتغلغل في جسم الدولة الليبية منذ أكثر من عقد: داء تحويل النفط من ثروة وطنية إلى وقود للانقسام.

قد يبدو الظاهر مبشّراً للوهلة الأولى. فبعد سنوات من الإغلاقات المتكررة وخسائر تجاوزت مئة مليار دولار منذ 2011، سجّلت ليبيا في عام 2025 أعلى معدلات إنتاج نفطي منذ عقد كامل، بمتوسط يناهز مليوناً وأربعمائة ألف برميل يومياً.

وفي شباط/فبراير 2026، أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن أولى جولات العطاءات منذ نحو عقدين، فازت فيها شركات بحجم شيفرون وإيني وقطر للطاقة وريبسول، في إشارة لا تُنكر إلى ثقة دولية عائدة بالثروة النفطية الليبية.

لكن خلف هذا البريق الإحصائي يختبئ واقع أكثر قسوة: إن الاستقرار النسبي الذي يشهده القطاع اليوم ليس ثمرة إصلاح مؤسسي، بل هو توازن هش نبع من توافق مصالح مؤقت بين قوى متصارعة، وهو توازن قابل للانهيار بقرار واحد أو حادثة أمنية واحدة.

الطبيعة الحقيقية للأزمة باتت موثقة في تقارير دولية لا يمكن التشكيك في مصداقيتها. فقد كشف تقرير لجنة الخبراء التابعة لمجلس الأمن الدولي عن منظومة نهب ممنهجة تعمل عبر موانئ ليبية، إذ وُظِّفت شركة “أركنو” واجهةً استراتيجية لتحويل ما يزيد على ثلاثة مليارات دولار خارج القنوات الرسمية بين كانون الثاني/يناير 2024 وتشرين الثاني/نوفمبر 2025 وحدها.

وأشار التقرير صراحةً إلى أن كلاً من طرابلس وبنغازي تعتمدان على شبكات التهريب إستراتيجيةً لتمويل شراء الأسلحة، في خرق سافر لحظر دولي لم يجد من يُلزم به فعلاً. ردّت المؤسسة الوطنية للنفط على هذا التقرير بتحفظات أولية، مشيرةً إلى “قصور في عرض بعض البيانات”، وهو ردٌّ لا يُنكر الظاهرة بل يُجادل في تفاصيلها.

ما يجعل هذه الصورة أشد إيلاماً هو أن ليبيا تملك المؤسسة النفطية التقنية المناسبة. فالمؤسسة الوطنية للنفط تضم خبرات هندسية وإدارية حقيقية، وشركاؤها الدوليون يؤمنون بقدرتها الإنتاجية، وتُثبت الأرقام أن الكفاءة التشغيلية ليست المشكلة.

المشكلة هي في من يسيطر على العائدات، وإلى أين تذهب. فحين تُحوَّل إيرادات النفط بشكل منهجي إلى أجهزة مسلحة وميليشيات بدلاً من خزينة الدولة الجامعة، فإن المؤسسة النفطية تتحول من عمود فقري للبناء الوطني إلى آلة لإدامة الانقسام وتجديد وقوده.

وكي تكتمل المفارقة، فإن عائدات النفط الضخمة ذاتها التي يُفترض أنها ستُموّل إعادة الإعمار وتحديث البنية التحتية، باتت تُعزز قدرة كل طرف على التمسك بموقفه السياسي وتحمّل أعباء الانقسام المزمن. بعبارة أخرى، النفط لا يُموّل الاستقرار، بل يُموّل عدم الاستقرار.

وهذه بالضبط ما وصفها الدكتور سلامة الغويل، رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي، بأنه “نفط يُستخدم كأداة لإدامة الأزمة وهدر العائدات”، لا كرافعة لبناء الاقتصاد.

ولا يقتصر الأثر على الداخل الليبي. فارتفاع الإنتاج الليبي وتقلباته ينعكسان مباشرة على أسواق النفط العالمية، ولا سيما أوروبا التي تستورد شريحة كبيرة من نفطها الخفيف القليل الكبريت من ليبيا.

وفي سياق أزمة الطاقة الراهنة التي تضرب أوروبا جراء اضطرابات مضيق هرمز، باتت الأهمية الإستراتيجية للنفط الليبي أعلى من أي وقت مضى. وهذا يعني أن مصلحة الشركاء الأوروبيين في تحقيق الاستقرار المؤسسي للقطاع النفطي الليبي لم تكن يوماً أوضح مما هي عليه اليوم، ومع ذلك لا يبدو أن ثقل هذه المصلحة قد تُرجم إلى ضغط سياسي حقيقي يتجاوز حدود التصريحات الدبلوماسية المعتادة.

الحل الجذري لا يتطلب استثماراً جديداً أو تقنية حديثة. ما تحتاجه ليبيا في هذا الملف هو ما يعجز عنه حتى الآن: مؤسسة حوكمة مشتركة تُشرف على إيرادات النفط وتوزيعها بصورة شفافة تعلو على الانقسام السياسي، وحساب موحد تتدفق إليه العائدات بعيداً عن بنية الاصطفافات الإقليمية القائمة.

هذه ليست فكرة جديدة؛ طُرحت في مفاوضات عديدة وتضمّنتها خرائط طريق متعاقبة، لكنها ظلت حبيسة الأدراج لأن من يملك الذهب الأسود لا يريد من يُحاسبه عليه.

ثمة مؤشرات محدودة على إمكانية التغيير. فاستقطاب شركات عالمية كبرى مثل شيفرون وبي بي يُضيف أطرافاً دولية ذات مصلحة مباشرة في الاستقرار المؤسسي، وهؤلاء لديهم نفوذ لم تكن تملكه الحكومات العربية والأممية المتفاوضة.

وحين تضع شيفرون مليارات الاستثمار على الطاولة، فإنها لن تفعل ذلك مراراً دون ضمانات مؤسسية حقيقية. ومن المفارقات أن يكون انخراط الرأسمال الدولي الخاص أكثر قدرة على فرض معايير الحوكمة من الوصاية الأممية التي مضى على تجربتها في ليبيا أكثر من عقد دون أن تُنتج إجماعاً مستداماً.

لكن هذا السيناريو المتفائل يظل مشروطاً بشرط جوهري: أن تتحوّل إرادة الأطراف المحلية من استثمار الانقسام إلى استثمار النفطوهو شرط لا يوفّره ضغط خارجي ولا استثمار أجنبي وحده، بل يستلزم قناعة سياسية داخلية بأن تكلفة الاستمرار في تسخير النفط للصراع باتت تتجاوز ما يجنيه الجميع من ذلك الصراع. وكل مؤشر يقول إن هذه القناعة لم تنضج بعد.

وحتى تنضج، سيبقى النفط الليبي ثروة تُهدر بدلاً من أن تبني.

____________

Related Articles