بقلم الشّايب
هل ليبيا قابلة للحكم المركزي، أم أن مستقبلها الحقيقي هو الفيدرالية أو اللامركزية العميقة؟
هذا من أهم الأسئلة الليبية اليوم، لأنه لا يتعلق فقط بشكل الإدارة، بل بطبيعة الدولة نفسها. والجواب المختصر هو أن ليبيا قابلة للحكم المركزي نظريًا، لكن التجربة التاريخية تشير إلى أن المركزية الصلبة فشلت مرارًا، بينما تبدو اللامركزية العميقة أو الفيدرالية المنضبطة أكثر واقعية واستدامة إذا صُممت جيدًا.
لكن لفهم ذلك، يجب التمييز بين الدولة الموحدة والحكم المركزي؛ فهما ليسا الشيء نفسه.
أولًا: هل ليبيا دولة واحدة أم عدة كيانات؟
ليبيا تمتلك مقومات الدولة الواحدة، فالهوية الوطنية معترف بها عمومًا، وحدود ليبيا الدولية مستقرة نسبيًا، و اللغة والدّين وغالبية ثقافية مشتركة، والاقتصاد موحد ويعتمد على النفط، وهناك شعور واسع بالانتماء الوطني رغم الانقسامات. إذًا السؤال ليس هل تنقسم ليبيا طبيعيًا، بل كيف تُدار ليبيا الواحدة بطريقة عادلة وفعالة؟
ثانيًا: لماذا تعثرت المركزية تاريخيًا؟
منذ الاستقلال، واجهت المركزية الليبية عدة مشكلات. أولها، التفاوت الجغرافي الكبير فالبلد واسع جدًا، بكثافة سكانية منخفضة، ومسافات ضخمة بين المدن والمناطق. فما يصلح إداريًا في دولة صغيرة لا يعمل بسهولة في ليبيا. وثانيها، التركيز المالي والإداري، فحين تتركز الوظائف والقرار والميزانيات في العاصمة، تشعر الأطراف بالتهميش. كما أن ثالثها هو ضعف الثقة بالمركز، بسبب التاريخ السياسي، فكثير من المناطق لا ترى المركز محايدًا دائمًا، بل أحيانًا أداة هيمنة. ورابعها، الصراع للسيطرة على العاصمة.
فإذا كانت كل السلطات مركزة في مدينة واحدة، يصبح الصراع على هذه المدينة صراعًا على الدولة كلها. وهذا أحد أخطر محركات النزاع الليبي.
ثالثًا: هل الفيدرالية هي الحل السحري؟
لا. الفيدرالية ليست وصفة سحرية، وقد تفشل إذا طُبقت سيئًا، فمخاطر الفيدرالية غير المنضبطة حين يتم تحويل الانقسامات الإدارية إلى هويات سياسية صلبة، والصراعات على النفط والموارد، وضعف القرار الوطني الموحد، وتدخلات خارجية عبر الأقاليم، وبيروقراطية مزدوجة مكلفة. لذلك الفيدرالية قد تنقذ أو تعقّد، بحسب التصميم والسياق.
رابعًا: ما الخيار الأكثر واقعية؟ (اللامركزية العميقة داخل دولة موحدة)
في الحالة الليبية، يبدو أن أفضل صيغة غالبًا ليست مركزية مطلقة ولا فيدرالية حادة، بل دولة موحدة تحت لامركزية قوية مع ضمانات دستورية. أي أن المركز يحتفظ بشؤون الدفاع، والسياسة الخارجية، والمصرف المركزي، وإدارة سياسية للنفط، والمعايير الوطنية الكبرى.
أما المناطق والبلديات فهي تدير الخدمات المحلية، والتخطيط العمراني، والتعليم المحلي ضمن إطار وطني، والصحة المحلية، والأمن البلدي المنظم، والتنمية الاقتصادية المحلية. هذه الصيغة تخفف الصراع على المركز دون تفكيك الدولة.
خامسًا: لماذا هذا النموذج هو الأنسب لليبيا؟
هذا النموذج يقلل منطق “الرابح يأخذ كل شيء”، فإذا لم تعد كل السلطات والوزارات في العاصمة، يصبح الصراع الوطني أقل حدّة، ويمنح المناطق شعورًا بالشراكة بدل انتظار القرارات من المركز. كما أنه يحسن الكفاءة، فالمشكلات المحلية تُحل محليًا أسرع في الغالب. وهو يحافظ على وحدة الدولة مع تنوع الإدارة.
سادسًا: ما الذي يمنع نجاح اللامركزية اليوم؟
أولا، غياب الثقة السياسية، فالخوف من أن تكون اللامركزية خطوة نحو الانقسام. وثانيا ضعف المؤسسات المحلية، فبعض البلديات لا تمتلك القدرة الكافية لإنجاز المهام، أما الثالث فهو الفساد المحلي المحتمل، لأن نقل السلطة دون رقابة ينقل المشكلة فقط. ورابعا في ملف النفط. لأن أي نموذج لن ينجح دون آلية عادلة وشفافة لتوزيع الإيرادات.
سابعًا: النفط هو مفتاح أي صيغة حكم
في ليبيا، سؤال الحكم دائما مرتبط بسؤال المال. فإذا بقيت الثروة مركزة وغامضة، سيفشل حتى أفضل الدساتير. والحل يتطلب صندوق توزيع وطني شفاف، ونسب واضحة للتنمية المحلية، ورقابة مستقلة، وعدالة بين السكان والمناطق المنتجة والمتضررة
ثامنًا: الحكم الواقعي
ليبيا ليست بحاجة إلى “تقسيم سلطات على الورق” فقط، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف. فكلما احتكر المركز كل شيء، زاد التمرد عليه، وكلما ضعف المركز تمامًا، تفككت الدولة. فالمطلوب هو مركز قوي في السيادة، محدود في الهيمنة.
الخلاصة: ليبيا قابلة للحكم المركزي إذا كان مركزًا دستوريًا عادلاً وخدميًا، لا مركزًا احتكاريًا. ولكن بالنظر إلى التاريخ والواقع، فإن اللامركزية العميقة داخل دولة موحدة تبدو الخيار الأكثر واقعية واستقرارًا. إن مشكلة ليبيا ليست كثرة الأطراف، بل أن الدولة صُممت طويلًا كغنيمة مركزية؛ لذلك يصبح تقاسم السلطة شرطًا لبقاء الوحدة.
***
السيناريو الواقعي لليبيا بين 2026 و2030
إذا استمر الوضع الحالي دون إصلاح، واستمرت ليبيا على المسار الحالي، حيث انقسام سياسي مزمن، ومؤسسات متوازية جزئيًا، واقتصاد ريعي مشلول نسبيًا، وتسويات مؤقتة، وسلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة، فالأرجح أننا لن نرى انهيارًا شاملًا مفاجئًا ولا استقرارًا حقيقيًا، بل نمطًا ثالثًا وهو استقرار هشّ طويل المدى، فالدولة موجودة شكليًا، لكن غير محسومة سياسيًا. هذا السيناريو هو الأكثر واقعية ما لم يحدث تحول كبير.
أولًا: الشكل السياسي المتوقع
من المتوقع استمرار الحكومات المؤقتة أو المعدّلة، وربما ستتغير الأسماء، وقد تتبدل الحكومات أو تُعاد هيكلتها، لكن دون حسم جذري لمسألة الشرعية. أي أن هناك حكومة معترف بها جزئيًا، وتفاهمات ميدانية، وتمديد مقنّع لمؤسسات قائمة، وجولات حوار متكررة. والنتيجة هي إدارة الأزمة، ليس حل للأزمة.
الانتخابات ستظل صعبة لا مستحيلة، وقد تُطرح انتخابات أكثر من مرة، لكن ستتعثر بسبب من سيترشح، وطبيعة القاعدة الدستورية، والترتيبات الأمنية، وقبول النتائج النهائية للانتخابات، وتوزيع الصلاحيات. فقد تُجرى انتخابات جزئية أو محلية أكثر من انتخابات وطنية حاسمة.
ثانيًا: الشكل الأمني المتوقع
من المتوقع أن تكون مرحل لا حرب شاملة غالبًا… لكن توترات دورية، فمن غير المرجح حرب أهلية وطنية واسعة، لأن الجميع يعرف كلفتها. ولكن من المرجح حدوث اشتباكات محلية، وصراع نفوذ داخل المدن، وتوترات حدودية، وأزمات حول النفط أو المناصب. والنتيجة هي سلام ناقص، قابل للاهتزاز.
ومن المتوقع أيضا بقاء الفاعلين المسلحين ضمن المشهد، حيث أن بعض التشكيلات ستتحول أكثر إلى شبكات نفوذ، وأدوات ضغط سياسي، وشركاء اقتصاديين، بدل كونها جيوشًا تقليدية.
ثالثًا: الاقتصاد المتوقع
اقتصاديا، سيستمر الاعتماد على النفط، وسيبقى النفط صمام الأمان الأساس. وإذا استمرت الأسعار مقبولة والإنتاج مستمر، يمكن شراء الهدوء نسبيًا. لكن الخطر في تعطيل للإنتاج أو هبوط حاد في الأسعار سيكشف هشاشة النموذج فورًا.
وسيكون هناك استمرار لتضخم القطاع العام وضعف القطاع الخاص، وتكون الرواتب كأداة استقرار، والدعم سيستمر غير فعال، والاستثمار الحقيقي سيكون ضعيف، وربما سنشهد هجرة للكفاءات. والنتيجة تكون في اقتصاد يَستهلك أكثر مما يُنتج.
رابعًا: المجتمع والخدمات المتوقعة
هناك تعب شعبي من السياسة، فكثير من المواطنين سيتجهون إلى اللامبالاة السياسية، والتركيز على المعيشة والصعوبات اليومية، والهجرة إن أمكن، والاعتماد على الشبكات المحلية.
سيكون هناك تراجع الثقة بالدولة، فحين تستمر المرحلة الانتقالية طويلًا، يصبح القانون أقل حضورًا من الوساطة والعلاقات الشخصية.
خامسًا: دور الخارج المتوقع
ستبقى ليبيا ساحة تأثير بلا أولوية قصوى للأطراف الدولية، أي أن القوى الخارجية ستفضّل منع الانفجار، وحماية مصالحها، ودعم شركاء محليين، وإدارة التوازن، ولا فرض حل نهائي مكلف.
أحداث مهمة يمكن أن تغيّر مسار ليبيا جذريًا قبل 2030، مرتبة من الأكثر احتمالًا إلى الأقل.
فإذا استمر الوضع الحالي، الجمود هو السيناريو الأرجح. لكن التاريخ لا يتحرك دائمًا بخط مستقيم. هناك أحداث رئيسية قد تكسر هذا الجمود وتدفع ليبيا نحو مسار جديد إيجابيًا أو سلبيًا. التغيير الكبير في ليبيا غالبًا يأتي من صدمة سياسية أو اقتصادية، لا من التدرج الطبيعي وحده.
أولا: تسوية سياسية داخلية بين مراكز القوة الكبرى (الأكثر احتمالًا)
إذا توصّلت القوى الرئيسية شرقًا وغربًا، ومعها القوى الاقتصادية والأمنية، إلى صفقة شاملة أو شبه شاملة، فقد يبدأ تحول حقيقي. شكلها المحتمل: حكومة موحدة بصلاحيات واضحة، وتوزيع مناصب سيادية، وترتيبات أمنية متفق عليها، وخارطة طريق انتخابية قابلة للتنفيذ، وضمانات حول النفط والموارد.
لماذا قد يحدث هذا السيناريو؟ لأن كثيرًا من الأطراف قد تقتنع أن الجمود صار مكلفًا أكثر من التسوية. والعائق: انعدام الثقة، والخوف من خسارة النفوذ. هذا السيناريو هو الأفضل والأقرب إذا نضجت المصالح.
ثانيا: أزمة اقتصادية حادة تجبر الجميع على التنازل
إذا تعرضت الدولة لهزة مالية كبيرة، فقد تصبح التسوية ضرورة لا خيارًا. وهناك أسباب ممكنة وهي هبوط حاد في أسعار النفط، وتعطيل طويل للإنتاج، وأزمة سيولة أو رواتب، وتضخم حاد. والنتيجة المحتملة أن النخب التي تتعايش مع الجمود اليوم قد تضطر إلى إعادة ترتيب النظام. والخطر أن الأزمة قد تقود أيضًا إلى فوضى، لا إصلاح. فالمال في ليبيا ليس عاملًا اقتصاديًا فقط، بل عامل استقرار سياسي.
ثالثا: صعود قيادة وطنية توافقية غير مستفزة
ظهور شخصية أو فريق يتمتع بقبول نسبي واسع، غير محسوب بالكامل على الاستقطاب القديم، قد يخلق فرصة نادرة. صفاته: مقبول شرقًا وغربًا، وبراغماتي لا انتقامي، وقادر على مخاطبة الداخل والخارج، ويملك برنامج دولة لا برنامج معركة. هناك صعوبة أمام هذا السيناريو وهي أن البيئة الحالية تميل إلى إضعاف الوسط وصناعة الاستقطاب. لكنه ممكن، إذا تعب الجميع من الوجوه التقليدية.
رابعا: احتجاجات شعبية واسعة ومنظمة
إذا تحولت حالة السخط الشعبي إلى حركة منظمة عابرة للمناطق، قد تُفرض تغييرات من الأسفل. وهذا السيناريو يتطلب مطالب واضحة، وقيادة مدنية، وانضباط سلمي، وخطاب وطني غير إقصائي. العائق لهذا السيناريو أن الناس متعبة، والثقة بالسياسة منخفضة، والخوف من الفوضى حاضر. لكنه قد يحدث إذا تدهورت المعيشة والخدمات بشكل كبير.
خامسا: صدمة إقليمية أو دولية تغيّر الحسابات (الأقل احتمالًا لكنه ممكن)
تغيرات كبيرة في المنطقة أو في مواقف القوى المؤثرة قد تدفع نحو تسوية ليبية. مثلا تفاهمات إقليمية أوسع، وتغير أولويات دولية، وضغط منظم على الأطراف المحلية، وإعادة ترتيب أمن المتوسط والطاقة. المشكلة أن الحلول الخارجية غالبًا تُجمّد الأزمة أكثر مما تحلها، إذا لم يوجد توافق داخلي.
ما السيناريو الأخطر سلبيًا؟ هناك حدث سادس غير مرغوب لكنه ممكن هو انهيار مفاجئ للتوازن الحالي، مثل صراع كبير بين مراكز النفوذ أو انقسام أمني واسع. هذا قد يكسر الجمود، لكن بثمن مرتفع جدًا.
الخلاصة: أن ليبيا لا ينقصها الحل، بل الحدث الذي يجعل الحل أرخص من الجمود. طالما تستفيد أطراف نافذة من الوضع الحالي، سيستمر، والتغيير يبدأ عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة التسوية. في ليبيا، الأزمة ليست غياب المخرج، بل غياب الدافع الكافي لاستخدامه. والأرجح ليس انفجارًا ولا معجزة، بل تسوية ناقصة تتوسع تدريجيًا تحت ضغط اقتصادي.
أخطر ثلاثة احتمالات بين عامي 2026 و 2030
- ــ صدمة نفطية وهبوط أسعار أو إغلاقات طويلة تؤدي إلى أزمة مالية حادة.
- ــ صراع خلافة داخل مراكز النفوذ وتغيّر قيادات أو تحالفات قد يفجر توترات مفاجئة.
- ــ احتجاجات اجتماعية واسعة إذا تدهورت الخدمات والرواتب، وقد يظهر ضغط شعبي جديد.
أفضل احتمال داخل هذا السيناريو السلبي نسبيًا
حتى دون حل شامل، قد يتحقق توحيد جزئي للمؤسسات، وانتخابات بلدية ناجحة، وتحسين الخدمات، وتفاهمات أمنية تدريجية، ونمو قطاع خاص محدود. أي تحسن بطيء بلا اختراق كبير.واقعيا، إذا لم يحدث إصلاح حقيقي، فليبيا مرشحة لأن تصبح: دولة لا تنهار لأنها تملك النفط، ولا تستقر لأنها تفتقد العقد السياسي.
السنوات القادمة قد لا تكون سنوات حرب كبرى، لكنها قد تكون سنوات استنزاف صامت، وقد يمر الوقت، وتستهلك موارد، والأجيال تنتظر، والفرص تضيع. فالخطر على ليبيا ليس في الانفجار، بل الاعتياد على التعطّل.
____________