فرج كُندي

ليست الأزمة الليبية مجرد تعثر سياسي عابر، بل هي—في جوهرها—تجسيد لصراع عميق بين منطقين في إدارة التحولات: منطق الشرعية الذي يتوسل التوافق، ومنطق الفاعلية الذي يسعى إلى الحسم. وبين هذين المنطقين تتقاطع إرادات الخارج مع تشظيات الداخل، فتتشكل خريطة معقدة من المبادرات، لا تنتج بالضرورة حلًا بقدر ما تعيد إنتاج الأزمة في صور أكثر تنظيمًا.

في هذا السياق، يبرز مساران دوليان مؤثران في صياغة المشهد:

مسار تقوده بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بوصفه التعبير المؤسسي عن الإرادة الدولية، ومسار آخر تُقرأ ملامحه من خلال التصورات المنسوبة إلى مسعد بولس، باعتباره تعبيرًا عن نزعة أكثر مباشرة نحو إعادة تشكيل الواقع السياسي. وليس المقصود هنا ثنائية صدامية بقدر ما هو تمايز في الأدوات والمقاربات، داخل هدف معلن مشترك، هو إخراج ليبيا من دائرة الانسداد.

ينطلق المسار الأممي من فرضية مركزية مفادها أن الدولة لا تُبنى إلا على قاعدة توافقية، وأن أي محاولة لتجاوز هذا الشرط إنما تؤسس لانفجار مؤجل. لذلك، تتسم مقاربته بطابع تراكمي، يراهن على الزمن بوصفه عنصرًا من عناصر الحل، وعلى الحوار بوصفه آلية لإعادة توزيع الشرعية بين الفاعلين. فالتوافق هنا ليس مجرد وسيلة، بل هو جزء من بنية الحل ذاته.

غير أن هذا المنطق، على ما فيه من اتساق نظري، يصطدم بواقع ليبي متشظٍ، حيث لا توجد كتلة سياسية قادرة على إنتاج إجماع، ولا نخبة مستعدة لتقديم تنازلات خارج حسابات الغلبة. وهنا تتبدى حدود المقاربة الأممية: فهي، وإن نجحت في منع الانهيار الكامل، لم تنجح في إنتاج دولة متماسكة، بل أسهمت—بشكل غير مباشر—في تكريس حالة “الانتقال الدائم”.

في المقابل، تميل المقاربة التي يُفهم أنها أقرب إلى رؤية مسعد بولس إلى التعامل مع الأزمة من زاوية مختلفة؛ زاوية ترى أن الانتظار لا ينتج توافقًا، وأن التوازنات القائمة ليست سوى إعادة توزيع للفوضى. ومن ثم، فإن الحل—وفق هذا التصور—لا يكمن في إدارة التعدد، بل في إعادة تشكيله، عبر الدفع نحو مخرجات سياسية حاسمة: سلطة موحدة، انتخابات، أو إعادة هندسة مراكز النفوذ.

إننا هنا أمام انتقال في التفكير من “شرعية الإجراء” إلى “شرعية النتيجة”. فليس المهم—في هذه المقاربة—أن يكون المسار جامعًا لكل الأطراف بقدر ما يكون قادرًا على إنتاج واقع جديد يمكن فرضه أو تثبيته لاحقًا. وهذا ما يجعلها أكثر حركية، لكنها في الوقت ذاته أكثر مخاطرة، لأنها قد تُنتج استقرارًا قسريًا لا يلبث أن يتآكل إذا لم يُسند بقبول داخلي كافٍ.

ورغم هذا التباين، فإن المسارين يلتقيان عند حدود لا يمكن تجاوزها:

الحفاظ على وحدة ليبيا، منع الانزلاق إلى حرب شاملة، وضمان استمرار تدفق النفط باعتباره شريانًا حيويًا يتجاوز البعد الوطني إلى البعد الدولي. كما يشتركان في إدراك ضرورة تحجيم أدوار القوى الدولية المنافسة، وعلى رأسها روسيا، مع مراعاة شبكة معقدة من التوازنات الإقليمية التي تتداخل فيها مصالح تركيا والإمارات العربية المتحدة وغيرها.

غير أن نقطة الافتراق الحقيقية لا تكمن في الأهداف، بل في “هندسة الطريق” إليها. فالمسار الأممي يتقدم ببطء محسوب، يخشى القفز على المراحل، ويُغلب منطق الشمول على منطق الحسم. أما المسار الأمريكي، في صيغته الأكثر ديناميكية، فيميل إلى الضغط وتكثيف الزمن السياسي، معتبرًا أن إطالة المرحلة الانتقالية ليست حيادًا، بل انحيازًا ضمنيًا للقوى المستفيدة من الفوضى.

وهذا التباين ينعكس بوضوح على الداخل الليبي، حيث تجد النخب السياسية نفسها أمام تعدد في الإشارات الدولية، ما يفتح المجال أمام المناورة بدل الحسم. فكل طرف يعيد تموضعه وفق القراءة التي تخدم مصالحه: من يراهن على الزمن يتمسك بالمسار الأممي، ومن يبحث عن اختراق سريع يتطلع إلى المبادرات الأكثر حسمًا. وبهذا المعنى، يصبح الخارج—بقصد أو بغير قصد—جزءًا من آلية إعادة إنتاج الأزمة، لا فقط من محاولات حلها.

إن أخطر ما في هذا التداخل أنه يُنتج حالة ثالثة، لا هي توافق مكتمل ولا حسم ناجز، بل “توازن هش” يُبقي الدولة في حالة تشكل دون أن يسمح لها بالاكتمال. وهنا تتجلى المفارقة: فكلما تعددت المبادرات، تراجع احتمال الحل، لأن كثرتها تعكس غياب مركز قرار قادر على فرض مسار نهائي.

وفي تقديري، فإن جوهر الإشكال لا يكمن في أي من المسارين بحد ذاته، بل في غياب الرابطة الداخلية القادرة على تحويل أي مسار—أمميًا كان أو غيره—إلى مشروع وطني. فالدولة، في نهاية المطاف، لا تُستورد جاهزة، بل تُبنى من داخلها، عبر كتلة تاريخية تمتلك من “العصبية” ما يؤهلها لفرض الاستقرار وتحويله إلى نظام.

وعليه، فإن ليبيا ستظل تدور في فلك “الإدارة الدولية للأزمة” ما لم تنتقل من حالة التلقي إلى حالة الفعل، ومن تعدد الشرعيات إلى إنتاج شرعية قادرة على فرض ذاتها. عندها فقط، يمكن لأي مسار دولي أن يتحول من عامل ضغط إلى رافعة بناء، ومن وسيط بين أطراف متنازعة إلى شريك في مشروع دولة تتشكل على أرضها، لا في غرف التفاوض حولها.

***

فرج كُندي ـ رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث

____________

Related Articles