بقلم الشّايب
من أقسى ما عانى منه الليبيون في زمن الجماهيرية تدهور الحريات العامة وحقوق الإنسان، وبعد فبراير لم يكن هناك تحسن في الحريات والحقوق بسبب الأثر السلبي لتركة النظام الجماهيري.
المشكلة أنه لا يمكن “تفكيك” أثر نظام طويل مثل نظام الجماهيرية بقرار أو قانون واحد، لأن أثره لم يكن مؤسسيًا فقط، بل تسلل إلى الثقافة والسلوك اليومي والعلاقة بين المواطن والدولة. لذلك فالمطلوب هو ليس إزالة آثار، بل إعادة بناء منظومة كاملة للحريات العامة وحقوق الإنسان.
إذا أردنا مقاربة عملية بعد 2011، فالتفكيك يجب أن يتم عبر أربعة مسارات متوازية، وليس بشكل جزئي:
أولا، المسار القانوني: إنهاء الإرث التشريعي القمعي
المشكلة أن كثيرًا من القوانين التي قيدت الحريات إما لم تُلغَ أو استُبدلت بنصوص ضعيفة. ولذلك لا بد من مراجعة شاملة لكل التشريعات المرتبطة بحرية التعبير، وحرية التنظيم (الأحزاب، الجمعيات)، وحرية الإعلام، وإلغاء أو تعديل القوانين التي تقوم على تجريم الرأي، وتقييد العمل المدني.
كما أن هناك ضرورة قصوى لإصدار قانون واضح لحرية الوصول إلى المعلومات، ودسترة الحقوق (بدون دستور مستقر تبقى الحقوق هشّة)
الفكرة الأساسية: الانتقال من “الدولة التي تمنح الحرية” إلى “الدولة التي تُقيد نفسها بالقانون”.
ثانيا، المسار المؤسسي: بناء أجهزة تحمي الحقوق بدل قمعها
في النظام الجماهيري، الأجهزة الأمنية كانت أداة قمع سياسي. بعد 2011، لم تُستبدل فعليًا بل تفككت. فالمطلوب هو إعادة هيكلة الشرطة والأمن على أساس خدمة المواطن لا مراقبته، وإنشاء مفوضية مستقلة لحقوق الإنسان، وجهاز رقابة على السجون، وكذلك إصلاح القضاء، وضمان استقلال النيابة والقضاة، وحماية القضاة من الضغط المسلح والسياسي
بدون هذا المسار: تبقى القوانين حبراً على ورق.
ثالثا، مسار العدالة الانتقالية: معالجة الماضي بدل إنكاره أو تسييسه
واحدة من أكبر الإشكاليات في ليبيا هي أن الانتهاكات لم تُعالج بشكل مؤسسي. ولهذا ينبغي توثيق جميع الانتهاكات (قتل، تعذيب، سجون، إعدامات علنية)، ويجب على الدولة الاعتراف الرسمي بالضحايا عبر مسارات متعددة: المحاسبة (للحالات الجسيمة)، والتعويض (للمتضررين)، والمصالحة (عندما تكون ممكنة). كما أنه من الضرورات التعامل مع الإشكاليات الحساسة مثل مشاركة بعض المدنيين (رجال ونساء) في انتهاكات علنية
المهم هنا: العدالة لا تكون انتقامًا، ولا إنكارًا.
رابعا، المسار الثقافي والاجتماعي: تغيير العقلية العامة
أثر الجماهيرية لم يكن فقط في الدولة، بل في المجتمع، ولذلك تفشت ثقافة الخوف من التعبير، بل تبرير القمع أحيانا، والخلط بين “الاستقرار” و”الاستبداد”. المطلوب الإسراع بإصلاح مناهج التعليم، وإدخال مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة، وإصلاح الإعلام بالانتقال من الدعاية إلى المهنية، ودعم المجتمع المدني (الجمعيات، المبادرات، النقابات)، والقيام بحملات توعية ترسخ مفهوم “حقوقك ليست منحة، بل حق“”
التحدي الحقيقي أن ما بعد 2011 لم يكن بيئة مثالية، وبالتالي يجب الاعتراف أن انتشار السلاح، والانقسام السياسي، وضعف الدولة. كلها أعاقت بناء منظومة حقوق الإنسان، بل وأنتجت انتهاكات جديدة.
لذلك التفكيك المطلوب هنا مزدوج: تفكيك إرث الجماهيرية أولا، ومنع إنتاج استبداد جديد بأدوات مختلفة ثانيا.
خلاصة عملية: تفكيك أثر الجماهيرية في الحريات وحقوق الإنسان يتطلب قانون يحمي، ومؤسسة تطبق، وعدالة تعالج، ومجتمع يطالب. إذا غاب واحد من هذه الأربعة، ستعود نفس الأنماط حتى لو تغيّرت الشعارات.
لو أردنا ردّ الحقوق لأهلها ومنع تكرار جرائم بحجم مجزرة سجن بوسليم، لا يمكن أن يتم ذلك عبر مسار واحد، لأن التجربة الليبية أثبتت أن أي مسار منفرد ينهار تحت الضغط السياسي أو الأمني. المطلوب هو “منظومة تنفيذية متكاملة” تربط بين القانون، والمؤسسات، والذاكرة العامة. هذه المنظومة تشمل التالي آليات رد الحقوق، وآليات منع التكرار، وحماية الذاكرة الوطنية.
أولًا: آليات ردّ الحقوق
ــ هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والإنصاف: وظيفتها ليست فقط التحقيق، بل إدارة الملف بالكامل، ويتضمن توثيق الانتهاكات (ملفات السجون، المختفين، الإعدامات)، وفتح أرشيف الدولة (الأمن، اللجان الثورية، القضاء)، واستقبال الشهادات (علنية وسرية)، وإصدار تقارير رسمية مُلزمة للدولة. هذه الآليات لن تنجح إلا في وجود استقلال مالي وقانوني، وحماية الشهود (برنامج خاص)
ــ مسار قضائي مزدوج (واقعي وليس مثالي): بدل الاعتماد على القضاء المحلي فقط ينبغي اللجوء إلى: (أ) دوائر قضائية خاصة ومحاكم مختصة بجرائم حقوق الإنسان، وقضاة مدربون، ودعم دولي تقني، وإجراءات مبسطة وسريعة نسبيًا. (ب) مسار تكميلي دولي، في حال تعذر المحاكمة داخليًا، وتفعيل التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، أو لجان تحقيق دولية.
الفكرة: ألّا يفلت أحد من العقاب بسبب ضعف الدولة
ــ برنامج وطني للتعويض وجبر الضرر: والتعويض ليس ماليا فقط، بل متعدد الأبعاد: تعويضات مالية مباشرة للأسر، وإعادة الاعتبار القانوني (إلغاء الأحكام السابقة)، وتقديم خدمات مثل العلاج النفسي، ومنح تعليمية لأبناء الضحايا، وإعادة الممتلكات أو تعويضها.
ــ كشف الحقيقة (حتى لو بدون محاسبة كاملة): في حالات مثل مجزرة بوسليم، معرفة الحقيقة أحيانًا أهم من العقوبة، ونشر قوائم الضحايا رسميًا، وتحديد المسؤوليات ، المؤسسية، وتوثيق ما حدث بالتفصيل (من أصدر الأوامر، تسلسل الأحداث)
ثانيًا: آليات منع التكرار
ــ إصلاح جذري لقطاع الأمن والسجون: إخضاع السجون لوزارة العدل فقط (لا أمن ولا تشكيلات مسلحة)، ورقابة دورية من القضاء، ومنظمات مستقلة. كما أنه من الضروري أن يتم تركيب أنظمة تقنية في هذه السجون تمكن من تسجيل مرئي دائم في أماكن الاحتجاز، وتجريم الاحتجاز خارج القانون بشكل صريح.
ــ إصدار قانون صارم لمناهضة التعذيب والاختفاء القسري: يتضمن تعريف واضح للتعذيب (وفق المعايير الدولية)، وعدم سقوط الجريمة بالتقادم، ومسؤولية القائد (ليس المنفذ فقط)، وبطلان أي اعتراف منتزع بالإكراه
ــ رقابة مدنية حقيقية من خلال إنشاء مفوضية مستقلة لحقوق الإنسان، ولجنة برلمانية دائمة للرقابة على الأجهزة الأمنية، وآلية شكاوى للمواطنين (سريعة وفعالة)
ــ حماية المبلغين والشهود: واقعيا لن يتكلم أحد بدون سرية الهوية، وحماية جسدية، وضمانات قانونية ضد الانتقام
ــ إصلاح العقيدة الأمنية: هناك حاجة ماسة لبرامج تدريب للأجهزة على حقوق الإنسان، وإدارة الحشود ، وإدخال معايير استخدام القوة ، وربط الترقية بالالتزام الحقوقي
المشكلة في الجماهيرية لم تكن فقط في القوانين، بل في العقلية
ثالثًا: مسار الذاكرة الوطنية
هذا المسار غالبًا ما يُهمل، لكنه حاسم، مثل إنشاء نصب أو متحف لضحايا مجزرة بوسليم وإدراج الحدث في المناهج التعليمية، و تحديد يوم وطني لإحياء الذكرى، ودعم الأعمال التوثيقية (أفلام، كتب، مسرحيات)
الهدف: منع الإنكار وإعادة كتابة التاريخ بشكل مشوه
ــ آلية تنفيذ واقعية (كيف نبدأ؟): التنفيذ ينبغي أن يتم على مراحل:
أولا، إصدار قانون العدالة الانتقالية، وتشكيل هيئة الحقيقة، وتجميد أي مسؤول متهم بانتهاكات جسيمة.
ثانيا، بدء التحقيقات والمحاكمات، وإطلاق برنامج التعويض، وإصلاح أولي للسجون.
ثالثا، استكمال المحاسبة، وترسيخ الإصلاحات الأمنية، وإدماج الذاكرة في التعلي
الحقوق لا تُرد فقط بالأموال، بل بالحقيقة والمحاسبة والاعتراف
وأي نظام لا يحاسب على بوسليم… سيُنتج بوسليم جديد بشكل آخر
__________