بقلم الشّايب

هل العدالة الانتقالية في ليبيا وسيلة لتحقيق الديمقراطية أم أنها نتيجة لها

هذا سؤال عميق وجوهري في الفلسفة السياسية والقانون المقارن، وتطبيقه على الحالة الليبية معقد بشكل خاص. أما عمليا وفي سياق حالة ليبيا ما بعد 2011، كان من المفترض أن تكون العدالة الانتقالية وسيلة وأداة لتحقيق الديمقراطية، ولكن التعقيدات جعلتها تبدو وكأنها نتيجة غير مكتملة لمسار ديمقراطي متعثر. ولتوضيح هذه المعضلة، لابد من تفكيك العلاقة الجدلية بين المفهومين:

ــ مفهوم العدالة الانتقالية كوسيلة لتحقيق الديمقراطية: هذا هو النموذج النظري الأكثر قبولاً. في هذا النموذج، العدالة الانتقالية ليست ترفًا بل شرطًا أساسيًا للانتقال الناجح. وتهدف آليات العدالة الانتقالية إلى هدم إرث النظام الاستبدادي الجماهيري وبناء أسس الدولة الديمقراطية الجديدة التي تؤسس لسيادة القانون بقولها لا أحد فوق القانون، وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.

أما المصالحة فهي ليست عفوًا، بل هي عملية لبناء الثقة بين مكونات المجتمع، وهي الثقة التي يحتاجها أي نظام ديمقراطي ليعمل. وهما يمهدان للانتخابات حيث لا يمكن إجراء انتخابات نزيهة في مجتمع ممزق بالثأر والخوف من الانتقام.

في هذا النموذج، كان من المفترض أن تبدأ ليبيا بالعدالة الانتقالية فور سقوط النظام عام 2011، لتكون الممهّد لصياغة دستور وإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية.

ــ مفهوم العدالة الانتقالية كنتيجة للمسار الديمقراطي: هذا النموذج يقول إن الديمقراطية هي الأولوية القصوى، فلتُجرَ انتخابات أولاً، ولتُشكَّل حكومة شرعية، وهذه الحكومة المنتخبة هي التي تقرر كيف ومتى تطبق العدالة الانتقالية. وهذا النموذج له مشاكله على أرض الواقع الليبي: أولها ديكتاتورية الديمقراطية الإجرائية، بمعنى إذا أجريت انتخابات قبل معالجة الانقسامات، فإن المعسكر الأكبر عددًا سيفوز، وقد يستخدم هذه الشرعية الانتخابيةلفرض عدالة المنتصربدلاً من العدالة الانتقالية الجامعة. ومن التجربة أن   الانتخابات المبكرة (2012، 2014) أسفرت عن حكومات ضعيفة ومتقاتلة، مما جعل تطبيق العدالة الانتقالية مستحيلاً.

الواقع المؤلم أن ليبيا لم تنجح في أي من النموذجين، فلم تنجح التجربة كأداة لتحقيق الديمقراطية لأنها لم تكن مبنية على إرادة سياسية ولا هي سيطرت على الميليشيات لبدء عملية جادة للعدالة الانتقالية. وأيضا لم تكن نتيجة طبيعية للمسار الديمقراطي لأن المسار الديمقراطينفسه تحول إلى حروب أهلية وانقسامات، مما جعل أي نقاش حول العدالة الانتقالية شكليًا وغير مؤثر.

في الحالة الليبية، كان ينبغي أن تكون العدالة الانتقالية وسيلة وأداة لتحقيق الديمقراطية، لكن القوى الفاعلة (الميليشيات، المجلس الانتقالي، القوى الإقليمية) فشلت في توفير هذه الأداة. نتيجة لذلك، غابت الديمقراطية الحقيقية، وتحول الحديث عن العدالة الانتقالية إلى نتيجة غير مكتملة لمسار ديمقراطي فاشل وأداة للتصفيات السياسية والثأر.

في ليبيا، العدالة الانتقالية هي الشرط المفقود. بدونها، لا يمكن تحقيق ديمقراطية حقيقية. والمحاولات الحالية للحديث عن المصالحة دون مساءلة الجناة هي مجرد فراغ سياسي. والسؤال الحقيقي اليوم في ليبيا ليس هل العدالة الانتقالية وسيلة أم نتيجة؟بل كيف يمكن بناء حد أدنى من العدالة الانتقالية لإنقاذ أي مسار ديمقراطي مستقبلي؟

في الحالة الليبية، العدالة الانتقالية يجب أن تُفهم بوصفها وسيلة لبناء الديمقراطية وشرطًا لحمايتها، وليست مجرد نتيجة تأتي بعد اكتمال التحول الديمقراطي. وفي الوقت نفسه، لا يمكن أن تنجح بصورة كاملة إلا داخل بيئة سياسية تقترب تدريجيًا من المعايير الديمقراطية. لذلك فالعلاقة بينهما في ليبيل علاقة تفاعلية وليست خطية.

بمعنى أدق: الديمقراطية تحتاج إلى عدالة انتقالية حتى لا يُعاد إنتاج الاستبداد والعنف. والعدالة الانتقالية تحتاج إلى حد أدنى من الانفتاح السياسي وسيادة القانون حتى تعمل بصورة شرعية وفعالة. لكن في السياق الليبي تحديدًا، تصبح العدالة الانتقالية أقرب إلى “مدخل تأسيسي للديمقراطية” وليس مكافأة تأتي بعدها.

لماذا تُعد العدالة الانتقالية أداة لبناء الديمقراطية في ليبيا؟ لأن ليبيا بعد 2011 لم ترث ننظامًا سلطويًا فحسب، بل ورثت مؤسسات ضعيفة، وانعدام الثقة، وذاكرة عنيفة، وشبكات ولاء، وثقافة سياسية غير ديمقراطية.

في مثل هذه البيئات، لا تكفي الانتخابات، أو الدساتير، أو الحكومات المؤقتة، إذا بقيت الانتهاكات بلا كشف، والضحايا بلا إنصاف، والمجرمون بلا مساءلة، والأرشيف مغلقًا، والخوف مسيطرًا، فإن الديمقراطية تتحول إلى واجهة هشّة فوق مجتمع متشظٍ. هنا تصبح العدالة الانتقالية أداة لإعادة بناء الثقة، وحماية المجال العام، وتأسيس شرعية جديدة، ومنع عودة الاستبداد بأشكال مختلفة.

لكن لماذا لا يمكن اعتبارها مجرد “نتيجة” للديمقراطية؟ هناك نموذج نظري يقول “أولًا نبني الديمقراطية، ثم نحقق العدالة. هذا النموذج قد ينجح في دول مستقرة نسبيًا، لكنه في ليبيا يواجه مشكلة كبيرة. فلا يمكن بناء ديمقراطية بينما الضحايا يشعرون بأن الدولة تجاهلتهم والمجتمعات المحلية تحمل ذاكرة حرب مفتوحة، والمؤسسات مخترقة، والسلاح حاضر، والحقيقة نفسها محل نزاع.

إن تأجيل العدالة في هذه الحالة قد يؤدي إلى ترسيخ الإفلات من العقاب، وإعادة تدوير النخب العنيفة، وتحول الديمقراطية إلى صراع انتقامي بدل التنافس السلمي. والخطر المقابل هو تحويل العدالة الانتقالية إلى بديل عن الديمقراطية.

في المقابل، هناك خطر آخر وقع في بعض التجارب وهو أن تتحول العدالة الانتقالية إلى أداة إقصاء سياسي، أو محاكمات استثنائية، أو “تطهير جماعي”، أو انتقام باسم الثورة. عندها تصبح العدالة نفسها عاملًا مضادًا للديمقراطية.

ولهذا فإن العدالة الانتقالية الحقيقية لا تقوم على التشفي، أو الانتقام، أو شيطنة فئات اجتماعية كاملة. بل تقوم على الحقيقة، والمسؤولية الفردية، وسيادة القانون، والاعتراف المتبادل بالمعاناة.

في ليبيا: أيهما يسبق الآخر؟ في الواقع الليبي لا يمكن انتظار اكتمال الديمقراطية حتى تبدأ العدالة الانتقالية، لأن غياب العدالة هو أحد أسباب تعثر الديمقراطية أصلًا، والأقرب للصواب هو مسار متزامن ومتدرج أي إصلاح سياسي، مع كشف الحقيقة، وإصلاح القضاء، وجبر الضرر، ومصالحة محلية ووطنية، مع ضمانات دستورية، فكل مسار يغذي الآخر.

الإشكال الليبي الأعمق ليس في غياب الديمقراطية فقط، بل في غياب الاتفاق على معنى الدولة والعدالة والشرعية نفسها. ولهذا فإن العدالة الانتقالية لا ينبغي أن تُختزل في تعويضات، أو قوانين عزل، أو لجان شكلية.

بل يجب أن تكون مشروعًا لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن، والدولة، والقانون، والذاكرة الوطنية. ويمكن صياغة العلاقة بأن الديمقراطية بدون عدالة انتقالية قد تتحول إلى فوضى أو انتقام. والعدالة الانتقالية بدون أفق ديمقراطي قد تتحول إلى أداة هيمنة جديدة. وبالتالي العدالة الانتقالية في ليبيا ينبغي أن تكون جسرًا يؤسس للديمقراطية، لا ملفًا مؤجلًا إلى ما بعدها.

ماذا عن المصالحة الوطنية هل هي مسيلة أم نتيجة؟

في السياق الليبي، المصالحة الوطنية ليست نتيجة نهائية فقط، وليست وسيلة تقنية فقط، بل هي عملية تأسيسية متبادلة مع بناء الدولة الديمقراطية. ومع ذلك، إذا كان لا بد من تحديد موقعها في المعادلة، فإنها أقرب إلى أن تكون وسيلة لبناء الاستقرار أكثر من كونها نتيجة مكتملة لهما. لكن بشرط جوهري ألا تتحول “المصالحة” إلى غطاء لتجميد الحقيقة أو حماية الإفلات من العقاب.

لماذا تُعد المصالحة الوطنية وسيلة في ليبيا؟ لأن الانقسام ليس سياسيًا فقط، بل اجتماعي، جهوي، أمني، نفسي، ومرتبط بذاكرة عنيفة ممتدة لعقود. وفي ظل هذا الانقسام: لا يمكن بناء مؤسسات مستقرة، ولا إجراء انتخابات ذات شرعية حقيقية، ولا فرض قانون موحد، دون حد أدنى من التهدئة والتفاهم المجتمعي.

أي أن المصالحة هنا تصبح: أداة لخفض العنف، وإعادة بناء الثقة، وفتح المجال العام، وتقليل دوافع الثأر والانتقام. ولهذا فهي جزء من عملية الانتقال نفسها، وليست مرحلة مؤجلة إلى ما بعد اكتمال الدولة.

لكن هل المصالحة “نتيجة” أيضًا؟ نعم، لأن المصالحة الحقيقية لا تُفرض بقرار سياسي أو احتفال رمزي. فالمصالحة العميقة تحتاج إلى نتائج ملموسة مثل: كشف الحقيقة، العدالة، الاعتراف بالضحايا، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

أي أن هناك فرقًا بين: “اتفاق تهدئة” وبين: “مصالحة وطنية مستدامة”. وقد يتحقق الأول سريعًا لأسباب سياسية، أما الثانية فهي نتيجة طويلة المدى لمسار كامل من: العدالة، الإصلاح، وبناء الثقة.

المشكلة الليبية: الخلط بين “الاستقرار” و”المصالحة” كثير من المبادرات في ليبيا تعاملت مع المصالحة باعتبارها: مجرد وقف للصراع، أو توزيع للمناصب، أو اتفاق بين نخب سياسية وعسكرية. لكن هذا لا ينتج مصالحة حقيقية إذا بقيت: الجراح مفتوحة، والمفقودون بلا مصير معروف، والضحايا بلا اعتراف، والانتهاكات بلا توثيق، والخوف بلا معالجة. لذلك فإن: الاستقرار المؤقت ليس بالضرورة مصالحة.

هل يمكن تحقيق المصالحة قبل العدالة؟

هناك اتجاه يقول: “لنصالح أولًا ثم نبحث العدالة لاحقًا.” لكن في ليبيا هذا الطرح محفوف بالمخاطر لأنه قد يعني عمليًا: تجاهل الضحايا، تبييض الانتهاكات، وإعادة إنتاج الإفلات من العقاب. وفي المقابل، هناك اتجاه آخر يربط المصالحة بمحاكمات شاملة وانتقامية، وهذا قد يفجر الصراع من جديد.

لذلك تحتاج ليبيا إلى: مصالحة قائمة على الحقيقة لا على النسيان. أي: الاعتراف قبل التسامح، الحقيقة قبل الإغلاق، المسؤولية الفردية لا العقاب الجماعي، والإنصاف لا الثأر.

المصالحة كعملية لا كحدث في التجارب الناجحة، المصالحة ليست: مؤتمرًا، أو بيانًا، أو توقيعًا سياسيًا. بل عملية طويلة تشمل: التعليم، الإعلام، الذاكرة الوطنية، العدالة الانتقالية، إصلاح المؤسسات، والحوار المجتمعي.

في الحالة الليبية تحديدًا المصالحة يجب ألا تُبنى على: إنكار الماضي، أو مساواة الضحية بالجلاد، أو مطالبة الناس بالنسيان القسري. بل على: كشف الحقيقة، الاعتراف المتبادل بالألم، جبر الضرر، إصلاح الدولة، وضمان عدم التكرار. لكن في ليبيا تحديدًا: المصالحة الوطنية ليست نهاية الطريق، بل جزء من الطريق نفسه. وإذا لم تُبنَ على الحقيقة والعدالة، فقد تتحول إلى هدنة هشّة لا إلى سلام مستدام

_____________

Related Articles