بقلم الشّايب

يمكن اعتبار تفتيت النسيج الاجتماعي القبلي من أخطر تركات “الجماهيرية”، لأن القذافي لم يكتفِ بإضعاف الدولة والمؤسسات، بل عمل أيضا على إعادة هندسة العلاقات القبلية بطريقة تجعل الولاء للنظام أعلى من الولاء للوطن، وتُبقي المجتمع في حالة توتر دائم يمكن التحكم به.

هذا التفكيك لم يكون عفويا، بل اعتمد على عدة أدوات متراكبة، منها: إحياء الثارات والخلافات التاريخية بين القبائل المتجاورة. واستخدام الامتيازات الاقتصادية والأمنية بشكل انتقائي. وتسليح قبائل أو مناطق ضد أخرى. وخلق طبقية الولاءات: طبقات قبلية “مقربة” وأخرى “مغضوب عليها”. وربط النفوذ الإداري والعسكري بالولاء السياسي. وتعميم منطق الشك والخوف بين المكونات الاجتماعية.

سياسة فرق تسدالتي اتبعها النظام السابق كانت مدمرة للنسيج القبلي، واستمرت آثارها كارثية بعد 2011، حيث تحولت القبائل من أطر للتكافل الاجتماعي إلى أدوات صراع مسلح. تفكيك هذه الألغام القبليةهي عملية شاقة وطويلة، لكنها ممكنة عبر محاور متكاملة:

أولا، الاعتراف بالجريمة وتفكيك خطاب الكراهية: وهذا يتطلب إدانة واضحة من الدولة والمؤسسات الدينية والاجتماعية لسياسات النظام السابق التي تعمّدت تأجيج الفتنة، وإطلاق مبادرات مجتمعية لإزالة السردية الملغّمة للخلافات القديمة، ونشر وثائق الحقائق حول كيفية استغلال النظام السابق لبعض القبائل.

ثانيا، آليات العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية: وتشمل تشكيل لجان مصالحة قبلية محايدة تضم حكماء وأعيان القبائل المتخاصمة، برعاية الدولة والمجتمع المدني، وتطبيق مبدأ العدالة التصالحيةوليس الانتقام، مع تعويض الضحايا من جميع الأطراف، وتوثيق الانتهاكات التي حدثت أثناء النزاعات (2011-2020) دون إلقاء اللوم الجماعي على قبيلة معينة.

ثالثا، تفكيك التسليح الأحادي: من خلال الانتقال من منطق تسليح القبائل ضد بعضهاإلى برنامج وطني لنزع السلاح يتضمن تعويضات اقتصادية ومهنية لأفراد القبائل مقابل تسليم الأسلحة الثقيلة، وتجريم الخطاب التحريضي ضد قبائل بعينها في وسائل الإعلام والمجالس القبلية.

رابعا، كسر عزل العقل القبلي ببدائل سياسية واقتصادية: إعادة توزيع الثروة والخدمات (مشاريع تنموية، تعليم، صحة) بشكل عادل جغرافياً لا يرتهن للولاء القبلي، وتعزيز دور البلديات والمجالس المحلية المنتخبة كإطار جامع يفوق الانتماء القبلي، وربط مستقبل القبائل بمشروع وطني (كبناء دولة مدنية) لا بمحاور إقليمية أو عسكرية.

خامسا، إحياء دور الحكماء الحقيقيين: دعم منظمات المجتمع الأهلي التي تجمع شباباً من قبائل مختلفة في أنشطة مشتركة (رياضية، فنية، مهنية)، وإعادة إحياء عرف الوساطة القبلية” (الجاه، المصالحة، الدية) كآلية لحل النزاع، لكن بصياغة عصرية تمنع التكرار.

العقبات الحقيقية التي تواجه هذا التفكيك: بقاء السلاح بيد قادة ميليشيات يتخذون من الغطاء القبلي شرعيةً لهم، وتدخل قوى إقليمية تستغل الخلافات القبلية لخدمة أجندتها في ليبيا، وغياب دولة قادرة على فرض سيادة القانون على جميع القبائل بالتساوي.

الخلاصة: لا يمكن تفكيك الألغام القبلية بين عشية وضحاها، لكن البدء بـ مصالحة وطنية حقيقية، ونزع سلاح تدريجي، وعدالة انتقالية، ومشاريع تنموية مشتركة هو الطريق الوحيد. المطلوب وعي بأن العدو المشترك هو من زرع هذه الفتنة، وأن القبائل الليبية سبق أن عاشت قروناً من التعايش السلمي دون دولة قمعية تبتزها.

بعد 2011 انتقلت هذه التركة إلى المرحلة الجديدة، لأن السلاح بقي، والخطاب التعبوي بقي، والذاكرة الجريحة بقيت، بينما غابت الدولة القادرة على إدارة المصالحة والعدالة. ولذلك تفكيك هذه “الألغام القبلية” يحتاج إلى مشروع طويل النفس، وليس مجرد دعوات عامة للمصالحة. ويمكن التفكير في عدة مسارات متوازية:

ــ الاعتراف بالحقيقة قبل المصالحة: لا يمكن بناء مصالحة حقيقية عبر الإنكار أو التجميل. بل يجب الاعتراف بأن النظام السابق لعب دورا مركزيا في صناعة الانقسامات، وبعض النزاعات الحالية ليست “طبيعية” أو “تاريخية” فقط، بل تم تضخيمها سياسيا، وهناك ضحايا حقيقيون في كل المناطق والقبائل. هذا الاعتراف يخفف من منطق “اللوم الجماعي” الذي يجعل كل قبيلة تتهم الأخرى بالخيانة أو العدوان.

ــ تحويل الذاكرة من ذاكرة انتقام إلى ذاكرة فهم: كثير من الشباب ورثوا روايات مشحونة دون معرفة السياق الحقيقي. لذلك من المهم توثيق النزاعات القبلية بموضوعية، ودراسة كيف استُخدمت القبائل كأدوات سياسية، وإنتاج محتوى إعلامي وأكاديمي يشرح آليات “فرق تسد”. لهدف ليس فتح الجراح، بل منع إعادة إنتاجها.

ــ تفكيك اقتصاد الحرب والوساطة المسلحة: طالما بقيت بعض القوى تستفيد من الانقسام القبلي عبر التهريب، والسيطرة الأمنية، والتوظيف السياسي، والاحتكار المحلي للسلاح، فإن المصالحة ستظل هشّة. لذلك يجب بناء دولة تجعل الحقوق مرتبطة بالقانون لا بالقبيلة، والأمن وظيفة وطنية لا مناطقية، والثروة موزعة عبر مؤسسات لا عبر شبكات ولاء.

ــ بناء مصالحة محلية حقيقية لا شكلية: المصالحات الناجحة غالبا تبدأ محليا بين المدن المتجاورة، وبين القبائل المتخاصمة، وعبر لجان مشتركة من الحكماء والشباب والنساء. لكن يجب أن تكون المصالحات مبنية على حقائق واضحة، وتتضمن جبر ضرر وتعويضات، وتمنع خطاب التحريض لاحقا. وليس مجرد صور إعلامية ومصافحات مؤقتة.

ــ إعادة تعريف الهوية الوطنية: أحد أخطر آثار الجماهيرية أنها جعلت كثيرين يشعرون أن القبيلة هي الملجأ الوحيد عند غياب الدولة. لذلك لا بد من بناء هوية وطنية لا تلغي القبيلة، بل تضعها داخل إطار الدولة. فالقبيلة في ليبيا يمكن أن تكون رصيدا اجتماعيا إيجابيا، وأداة تضامن، وفضاء ثقافي. لكن ليس بديلا عن الدولة أو الجيش أو القضاء.

ــ تحييد الخطاب السياسي والإعلامي التحريضي: بعض الفاعلين السياسيين ما زالوا يستخدمون التخويف القبلي، وشيطنة المناطق، واستدعاء أحداث الحرب، وتقسيم الليبيين إلى “قبائل منتصرة” و”قبائل مهزومة”. وقبائل شريفة وأخري غير ذلك. هذا يعيد زرع الألغام كل مرة. لذلك من المهم تجريم التحريض المناطقي والقبلي، ومراقبة خطاب الكراهية، ودعم إعلام وطني عابر للجهويات.

ــ الاستثمار في الجيل الجديد: الأجيال الجديدة أقل ارتباطا أحيانا بالثارات القديمة، لكنها معرضة لتلقي روايات مشوهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو التعبئة المسلحة. لذلك يجب خلق مساحات تواصل بين شباب المناطق المختلفة، ودعم التعليم المشترك، والأنشطة الوطنية، وبرامج الحوار المجتمعي. لأن أي مشروع وطني لا يكسر “العزلة النفسية” بين الليبيين سيظل هشّا.

المشكلة الأساسية ليست وجود القبيلة بحد ذاته، فالقبيلة مكوّن اجتماعي طبيعي في ليبيا، بل في تحويلها إلى أداة صراع سياسي وأمني. وتفكيك هذا الإرث يتطلب الانتقال من “إدارة الانقسامات”
إلى “بناء الثقة الوطنية”. وهذا لن يتحقق فقط باتفاقات سياسية بين النخب، بل عبر عمل اجتماعي وثقافي وتربوي طويل يعالج الجذور العميقة التي زرعتها عقود من سياسة “فرق تسد”.

المشكلة في ليبيا اليوم ليست فقط “وجود خلافات قبلية”، بل وجود بنية نفسية واجتماعية كاملة أُعيد إنتاجها داخل جيل الشباب بعد عقود من التلاعب السياسي والاقتتال والسلاح والاقتصاد الموازي.
ولهذا فإن الاكتفاء بمصالحات الشيوخ والوجاهات التقليدية لم يعد كافيا، لأن كثيرا من الشباب لا يشعرون بأنهم ممثلون في تلك المصالحات، أو يعتبرونها ترتيبات مؤقتة لحماية المصالح، بينما تبقى مشاعر الخوف والكراهية والانتقام والإهانة الجماعية حية في الوعي اليومي. ولهذا يجب أن تنتقل المعالجة من “تهدئة اجتماعية مؤقتة” إلى “إعادة بناء الوعي الجمعي”. وهذا يحتاج إلى برامج عميقة ومتعددة المستويات:

ــ برامج تفكيك الرواية العدائية بين الشباب: أخطر ما حدث هو أن كل مجموعة شبابية أصبحت تمتلك “رواية مظلومية” خاصة بها، وصورة شيطانية عن الطرف الآخر، وذاكرة انتقائية للحرب. ولهذا يجب إنشاء برامج حوار شبابي طويلة الأمد، وليس لقاءات بروتوكولية. وهذه البرامج تشمل مجموعات شبابية صغيرة من المناطق المتجاورة المتوترة، في جلسات مغلقة يديرها مختصون في النزاعات لمناقشة الخوف، والإهانات، وصور الكراهية، والشائعات، وأحداث الحرب. الهدف ليس الاتفاق السياسي، بل “تفكيك صورة العدو”. لأن كثيراً من الشباب لم يلتقوا أصلاً بالطرف الآخر خارج أجواء التوتر.

ــ برامج العدالة الاجتماعية المحلية: في مدن كثيرة، التوتر القبلي يخفي صراعا على النفوذ، أو التهريب، أو الوظائف، أو الموارد، أو التهميش. ولهذا فإن أي مصالحة لا تعالج الشعور بالتمييز ستفشل. يجب على المجتمع المدني والنخب إنتاج خرائط للمظالم المحلية، وتوثيق أشكال التمييز، والضغط من أجل توزيع عادل للخدمات والفرص. لأن الشباب عندما يشعرون أن “الطرف الآخر يسيطر على كل شيء” فإن الكراهية تصبح سهلة التعبئة.

ــ إنشاء “مساحات مشتركة” بين الشباب: في كثير من المناطق الليبية أصبح الشباب يعيشون داخل فقاعات اجتماعية مغلقة. ولذلك يجب بناء مشاريع رياضية مشتركة، ومخيمات شبابية، منصات وإعلامية مشتركة، وفرق تطوعية مختلطة، وبرامج تدريب مهني مشتركة. الفكرة الأساسية: لا يمكن بناء ثقة بين مجموعات لا تعمل معا. التجارب العالمية تؤكد أن الاحتكاك الإنساني المنظم، والعمل المشترك، يقللان من الصور النمطية أسرع من الخطابات السياسية.

ــ مواجهة “اقتصاد الكراهية”: بعض الجهات تستفيد مباشرة من استمرار العداء، منهم أمراء الحرب، والمهربون، وشبكات السلاح، وبعض السياسيين، وبعض الإعلاميين. هؤلاء يحتاجون دائما إلى “عدو محلي”، وخطاب تعبئة، وخوف جماعي. ولهذا يجب كشف المستفيدين من الصراع، وفضح خطاب التحريض، وبناء إعلام محلي مضاد للكراهية. وليس فقط الدعوة العامة للوحدة.

ــ برامج علاج الصدمة الجماعية: كثير من الشباب الليبي يعيشون صدمات الحرب، وفقدان أقارب، وإذلال جماعي، وخوف مزمن، وإحساس دائم بالتهديد. لكن المجتمع يتعامل مع هذه الصدمات وكأنها “أمور عادية”. بينما الحقيقة أن المجتمعات المصابة نفسيا تصبح أكثر قابلية للعنف. لذلك نحتاج برامج دعم نفسي مجتمعي، وتدريب مرشدين محليين، ودعم المدارس، وإنشاء مبادرات للصحة النفسية المرتبطة بالسلم الاجتماعي.

ــ إصلاح الخطاب التعليمي والديني والإعلامي: لا يمكن معالجة الانقسام بينما المناهج فارغة من التربية المدنية، والخطاب الإعلامي مليء بالتخوين، وبعض الخطاب الديني يغذي العصبية. ولذلك يجب بناء خطاب جديد يقوم على المواطنة، واحترام التنوع، وإدارة الخلاف، وقبول الآخر، ونقد ثقافة الثأر الجماعي.

ــ بناء قيادات شبابية جديدة: في بعض المناطق، من يقود الشباب هم قادة تشكيلات مسلحة، أو شخصيات تعيش على الصراع. ولهذا ينبغي تدريب قيادات مدنية شابة، ودعم المبادرات المحلية، وخلق بدائل رمزية للشخصيات المسلحة. لأن الشباب يحتاجون دائما إلى نماذج، ورموز، وشخصيات مؤثرة.

ــ الانتقال من “مصالحة القبائل” إلى “عقد اجتماعي مدني”: الخطأ الكبير هو التعامل مع أزمة ليبيا وكأنها مجرد “نزاعات بين قبائل”. بينما الأزمة الحقيقية هي غياب الدولة، وضعف القانون، وانهيار الثقة الوطنية. فالقبيلة وحدها لا تستطيع حل مشكلة أنتجتها دولة استبدادية وحروب وسلاح واقتصاد فوضوي. ولهذا يجب أن يكون الهدف النهائي بناء دولة محايدة، وقضاء موثوق، وشرطة محترفة، ومؤسسات يشعر الجميع أنها تحميهم بالتساوي. لأن الناس عندما تثق في الدولة تقل حاجتها إلى الاحتماء بالعصبية.

من الأمثلة التي يعيشها المجتمع بشكل متسارع هي النزاعات المسلحة بين شباب القبائل في مدينة الزاوية، فهي يكشف أن المشكلة لم تعد مجرد “خلافات اجتماعية”، بل تحولت لدى بعض الشباب إلى هوية عصابات، وشعور دائم بالتهديد، واستعداد نفسي للعنف. وهذا لا يُعالج بالبيانات التقليدية ولا بالصور الجماعية للشيوخ، بل يحتاج إلى مشروع وطني حقيقي لإعادة بناء الثقة داخل المجتمع نفسه، قبل أي تسوية سياسية كبرى.

الحوار حول هذه القضايا مهم، لأن معالجة الأزمة الليبية لا تتعلق فقط بالسياسة أو تقاسم السلطة، بل أيضا بفهم التشوهات العميقة التي تراكمت داخل المجتمع والدولة عبر عقود، وكيفية تفكيكها بطريقة تمنع إعادة إنتاج العنف والانقسام.

نقطة جوهرية كثيرا ما يتم تجاهلها أن النزاعات لا تستمر فقط بسبب السلاح أو التدخلات الخارجية، بل أيضا بسبب تراكم الخوف والذاكرة الجريحة والتعبئة الاجتماعية داخل الأجيال الجديدة.

___________

Related Articles