منذ الانقسام السياسي الكبير الذي شهده القطر الليبي في عام 2014، استقر المشهد على تدافع مستمر بين كتلتين رئيستين، هما جبهة الشرق وجبهة الغرب.

وقد توزعت المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية بين هذين القطبين، مما خلق واقعاً ثنائياً يحاول كل طرف فيه تعزيز شرعيته ونفوذه على الأرض.

تتميز جبهة الشرق، وفقاً لمراقبين، بوحدة التمثيل والقرار التي تتمحور بشكل أساسي حول شخص المشير خليفة حفتر وعائلته. هذا المركزية منحت المعسكر الشرقي قدرة على رسم ملامح أمنية واقتصادية موحدة، رغم ما يكتنفها من تحديات تتعلق بطبيعة الحكم الفردي وتداعياته على الحريات العامة.

في المقابل، يظهر الغرب الليبي كخارطة معقدة من القوى المتعددة والمكونات المتنافسة، حيث تتوزع السلطة بين أجسام سياسية وعسكرية متنوعة. هذا التشتت أدى إلى تأزم الوضع البنيوي، حيث لم تنجح القوى في طرابلس في صياغة هيكل سلطوي موحد ينهي حالة السيولة الأمنية المستمرة.

لقد خاض خليفة حفتر مغامرة السيطرة على السلطة عبر القوة العسكرية، بدءاً من محاولات الانقلاب على النظام السياسي المنبثق عن ثورة فبراير. ومع تعثر تلك المحاولات، اتجه لرفع شعار محاربة الإرهابفي بنغازي، وهو ما مكنه من بسط سيطرته على الشرق والجنوب بدعم من قوى خارجية وحواضن محلية.

أما في الغرب، فقد ظلت القوى السياسية والعسكرية متحفظة على المشروع العسكري، لكنها فشلت في تحقيق تماسك تنظيمي موازٍ. التغييرات التي طرأت على الخارطة الأمنية في العاصمة بعد عام 2018 أسهمت في تكريس النزاع البيني بدلاً من الاتجاه نحو توحيد القرار تحت مظلة مؤسساتية واحدة.

تشير التقارير إلى أن طول أمد الأزمة في الشرق أدى إلى تراجع التأييد الطوعي لمشروع حفتر، مما دفع النظام هناك للاعتماد بشكل أكبر على أدوات الاستبداد والولاء الشخصي. هذا التحول جاء بالتزامن مع ترتيبات أمنية مشددة تهدف لضمان انتقال السلطة داخل الدائرة العائلية الضيقة.

في طرابلس، استمرت حالة الميوعةالسياسية لأكثر من عقد، حيث حالت الكيانات المسلحة ذات الثقل الديموغرافي دون بناء جيش وطني موحد. هذه الكيانات كانت سبباً رئيساً في إضعاف الحكومات المتعاقبة، من حكومة الوفاق وصولاً إلى حكومة الوحدة الوطنية الحالية.

يواجه مشروع حفتر حالياً تحديات مصيرية تتعلق ببوادر أزمة بين ورثةالقائد العام، مع تزايد الارتباك حول كيفية نقل النفوذ. وتفيد مصادر بأن حراكاً محلياً ودولياً يحاول احتواء هذا التوتر لمنع انفجار صراع داخلي قد يعيد تشكيل خارطة النفوذ في الشرق الليبي.

بالنسبة لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب، فإنها تحاول الحفاظ على مكتسباتها من خلال شبكة معقدة من التحالفات والاستقطابات. ومع ذلك، فإن هذا النهج القائم على الصفقات يظل هشاً ويفتقر إلى الأسس المؤسساتية الصلبة التي تتطلبها عملية بناء الدولة الحديثة.

لقد امتلكت جبهة الغرب في مراحل معينة رؤية واضحة نحو الدولة المدنية، لكنها افتقرت دائماً إلى الخطة الاستراتيجية لتحويل هذه الرؤية إلى واقع. غياب الانضباط المؤسساتي جعل من الصعب ترجمة الدعم الشعبي إلى قوة سياسية قادرة على فرض التغيير الجذري.

ردود الفعل الأخيرة على بعض المبادرات السياسية، مثل خطة مسعد بولس، أظهرت أن الروح السياسية في الغرب لا تزال نابضة برفض العسكرة. إلا أن هذه الروح وحدها لا تكفي في ظل غياب المسار الاستراتيجي الذي ينقل البلاد من حالة الانتقال الدائم إلى الاستقرار.

إن التدافع بين الشرق والغرب ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو صدام بين نموذجين مختلفين للإدارة والحكم. فبينما يميل الشرق نحو المركزية العسكرية المطلقة، يغرق الغرب في تعددية مفرطة تصل أحياناً إلى حد الفوضى السياسية والأمنية.

المستقبل السياسي لليبيا يظل رهيناً بقدرة الأطراف على تجاوز المصالح الضيقة والاتجاه نحو تسوية شاملة تنهي الانقسام المؤسساتي. وبدون معالجة جذور الخلاف حول توزيع الثروة والسلطة، ستبقى البلاد تدور في حلقة مفرغة من النزاعات الدورية.

ختاماً، يظل المشهد الليبي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، خاصة مع تزايد التدخلات الخارجية التي تغذي طرفي النزاع. إن الحاجة باتت ملحة لإنتاج عقد اجتماعي جديد يعيد توحيد البلاد ويحفظ سيادتها بعيداً عن طموحات الأفراد أو العائلات السياسية.

__________

Related Articles