بقلم الشّايب

:خطوات فورية (أول 100 يوم) يمكن تبنيها من قبل أي حكومة وطنية قادمة

ــ الدفع نحو أستصدار قرار رئاسي أو برلماني مؤقت، يقضي بتجميد أي خصخصة جديدة

ــ إطلاق منصة وطنية للمشتريات والعقود بتقنية البلوكشين لضمان الشفافية

ــ تشكيل لجنة تحقيق دولية محلية في احتكارات (أركنو وأخواتها) بمشاركة الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة

ــ عقد مؤتمر وطني للاقتصاد الحر بمشاركة جميع الأطراف الاجتماعية

العقبات المتوقعة لهذه الخطوات وحلولها:

ــ عقبة النخبة المستفيدة: الحل هو الضغط الشعبي والدولي الموحد، وربط أي مساعدات دولية بالإصلاح الاقتصادي الحقيقي.

ــ عقبة ضعف الدولة: الحل هو البدء من المدن والمناطق القبلية المتوسطة التي لم تستفد كثيراً من الريع.

ــ عقبة ثقافة التواكل: الحل هو حملات إعلامية وتوعوية طويلة الأجل مع نماذج نجاح حقيقية.

الخلاصة: ليس هناك حلول سحرية. لكن المفتاح هو تفكيك احتكار الاعتمادات والصفقات أولاً، ثم بناء بدائل حقيقية للطبقة الوسطى، وإلا فستبقى ليبيا رهينة الاقتصاد الريعي الأحاديوإن تغيرت التسميات. ويمكن تبني مراحل التفكيك التالية على المدى المتوسط والبعيد:

المرحلة الأولى: إطلاق محركات النمو السريعة

في هذه المرحلة لا نتحدث عن الصناعات الثقيلة أو المشاريع العملاقة، بل عن القطاعات القادرة على خلق وظائف ودخل بسرعة، مثل:

ــ الزراعة الحديثة، حيث ليبيا تستورد معظم غذائها رغم امتلاكها مساحات زراعية كبيرة نسبياً. ويكون التركيز على الزيتون وزيت الزيتون، والتمور، والخضروات المحمية، والأعلاف، والصناعات الغذائية. والهدف ليس الاكتفاء الذاتي الكامل، بل تقليص فاتورة الاستيراد.

ــ الخدمات اللوجستية، فموقع ليبيا بين أوروبا وأفريقيا يمثل ميزة هائلة غير مستغلة. والمطلوب تطوير الموانئ، والمناطق الحرة، والنقل البري، والتخزين والخدمات اللوجستية.

ــ الاقتصاد الرقمي، هذا القطاع لا يحتاج إلى بنية تحتية ضخمة مقارنة بغيره. مثل البرمجة، والتصميم، والخدمات الرقمية، والتعهيد الخارجي، والتجارة الإلكترونية.

المرحلة الثانية: بناء قاعدة إنتاجية

هنا تبدأ ليبيا في الانتقال من الاستيراد إلى التصنيع الجزئي في المجالات الحيوية التالية:

ــ الصناعات الغذائية: كل ما يُنتج زراعياً يجب أن يتحول إلى قيمة مضافة كالتعليب، والتعبئة، والحفظ، والتصدير.

ــ مواد البناء: ليبيا تملك احتياطيات كبيرة من الحجر الجيري، والجبس، والرمال الصناعية، حيث يمكن تطوير الأسمنت، والسيراميك، والزجاج، ومواد التشطيب.

ــ الصناعات المرتبطة بالنفط: بدلاً من تصدير الخام فقط يمكن تطوير صناعة البتروكيماويات، والأسمدة، والصناعات البلاستيكية. هذه لا تلغي النفط بل تزيد قيمته الاقتصادية.

المرحلة الثالثة: اقتصاد متنوع

في هذه المرحلة يصبح النفط أقل هيمنة على الاقتصاد من خلال تطوير المجالات التالية:

ــ السياحة: ليبيا تمتلك مزيجاً نادراً من الآثار الرومانية، والصحراء الكبرى، والساحل المتوسطي، والتراث الثقافي.

ــ الطاقة المتجددة: ليبيا من أفضل مناطق العالم في الطاقة الشمسية. يمكن مستقبلاً إنتاج الكهرباء، وتصدير الطاقة، وإنتاج الهيدروجين الأخضر.

ــ الخدمات المالية والنقل الإقليمي: إذا استقرت الدولة وأُصلحت المؤسسات، يمكن لليبيا أن تصبح مركزاً إقليمياً يربط شمال أفريقيا بعمق أفريقيا.

متى نرى النتائج؟

إذا افترضنا وجود حد أدنى من الاستقرار ووجود حكومة تتبنى هذا المسار بجدية، فخلال سنوات، يمكن ملاحظة نمو المشاريع الصغيرة والمتوسطة وخلق عشرات الآلاف من الوظائف، وبعدها بسنوات، يمكن أن ترتفع مساهمة القطاعات غير النفطية بشكل ملموس، وبعد سنوات أخرى، يمكن أن يتحول الاقتصاد إلى نموذج أكثر توازناً بحيث لا يؤدي أي انخفاض في أسعار النفط إلى شلل الدولة.

لكن هناك شرطاً حاسماً. فالمشكلة ليست اقتصادية فقط. لأن الكثير من الدول تملك أراضي أقل وموارد أقل من ليبيا ونجحت في بناء اقتصادات متنوعة.

التحدي الحقيقي هو أن النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية الحالية، تستفيد من استمرار الاقتصاد الريعي الذي يجعل الثروة مرتبطة بالسلطة، أما الاقتصاد الإنتاجي فيجعل الثروة مرتبطة بالعمل والاستثمار والابتكار.

لذلك فإن السؤال ليس فقط: كيف ننتج ثروة خارج النفط؟ بل أيضاً: كيف نبني تحالفاً مجتمعياً وسياسياً يملك مصلحة حقيقية في الانتقال من اقتصاد الغنيمة إلى اقتصاد الإنتاج؟

فإذا وُجد هذا التحالف، فإن ليبيا تمتلك خلال 15 عاماً من الإمكانات البشرية والجغرافية والمالية ما يكفي لبناء واحدة من أكثر الاقتصادات تنوعاً في شمال أفريقيا.

فكرة جانبية قد تكون مهمة في الحالة الليبية هي أن ليبيا ليست دولة فقيرة تبحث عن الثروة، بل هي دولة تمتلك ثروة كبيرة لكنها لم تنجح بعد في تحويلها إلى تنمية مستدامة. ولهذا فإن التحدي الحقيقي ليس جمع رأس المال، بل إعادة توجيه رأس المال النفطي لبناء رأس مال بشري ومؤسساتي وإنتاجي.

التاريخ الاقتصادي يبين أن الدول الريعية تنجح في التحول عندما تستخدم عائدات الموارد الطبيعية لبناء مؤسسات قوية، وتعليم وتدريب عالي الجودة، وبنية تحتية حديثة، وقطاع خاص تنافسي، وقضاء مستقل يحمي العقود والمِلكِية.

أما عندما تُستخدم العائدات فقط في التوظيف الحكومي والدعم غير المنتج والصراعات السياسية، فإن الاقتصاد يبقى رهينة لتقلبات المورد الطبيعي.

في الحالة الليبية، قد يكون الهدف الواقعي خلال العقد القادم ليس التخلص من الاعتماد على النفط، بل خفض هيمنته تدريجياً بحيث يصبح النفط ممولاً للتنمية لا بديلاً عنها، ومصدراً للاستثمار لا مجرد وسيلة لتوزيع الريع.

هذه الأسئلة لا تتعلق بالاقتصاد فقط، بل بكيفية الانتقال من إرث طويل من المركزية والريع والصراع إلى نموذج يقوم على الإنتاج والمواطنة والمؤسسات، وهي من أهم القضايا التي ستحدد مستقبل ليبيا خلال العقود القادمة.

ولذلك يبدو أن مشروع تفكيك أثر الجماهيريةلن يقتصر على الجانب السياسي، بل يشمل عدة منظومات مترابطة، أهمها تفكيك الاقتصاد الريعي، وتفكيك ثقافة الاعتماد على الدولة، وتفكيك تسييس القبيلة والمدينة والمنطقة، وتفكيك احتكار المؤسسة العسكرية والأمنية، وتفكيك الإقصاء الثقافي للمكونات الليبية، وتفكيك الدولة العميقة التي أعادت إنتاج كثير من آليات النظام السابق.

وهنا تظهر نقطة مهمة:

لا يمكن معالجة هذه الملفات منفصلة عن بعضها. فمثلاً، نجاح الإصلاح الاقتصادي يساعد على تخفيف الصراعات الجهوية والقبلية، لأن المنافسة تنتقل من التنافس على الريع إلى التنافس على الإنتاج والاستثمار.

كما أن قيام قضاء مستقل يحمي المِلكِية الخاصة ويساعد في بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وهو شرط أساسي لأي مصالحة وطنية حقيقية.

ربما تكون القاعدة الجامعة لكل هذه الملفات هي:

الانتقال من مجتمع تُدار علاقاته عبر الولاء والريع والخوف، إلى مجتمع تُدار علاقاته عبر القانون والمواطنة والإنتاج.

هذا الانتقال ليس حدثاً سياسياً يقع في سنة أو سنتين، بل مسار تاريخي قد يمتد عقداً أو أكثر، لكنه يبدأ عادة بتغيير طريقة فهم المشكلة قبل تغيير المؤسسات نفسها.

هذا المشروع الفكري، يلامس أسئلة جوهرية حول مستقبل ليبيا وكيف يمكن بناء دولة مستقرة وعادلة بعد عقود من التشوهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ما نطرحه ليس مجرد نقاش سياسي أو اقتصادي عابر، بل هو محاولة لفهم كيف تشكلت البنية العميقة للأزمة الليبية، وكيف يمكن الانتقال من واقع قائم على الريع والانقسام والشخصنة إلى دولة المؤسسات والمواطنة والإنتاج. وهذا النوع من الحوارات يستفيد من التراكم التدريجي للأفكار أكثر مما يستفيد من الإجابات السريعة.

ويمكن تناول مشروع الانتقال بصورة أكثر منهجية، من خلال محاور مثل:

  • تشخيص الموروث السياسي للجماهيرية وآليات استمراره.

  • تفكيك الاقتصاد الريعي وبناء الاقتصاد الإنتاجي.

  • إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية.

  • العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

  • إصلاح التعليم والإعلام والثقافة السياسية.

  • إعادة بناء الطبقة الوسطى.

  • دور المجتمع المدني والنخب المحلية.

  • العلاقة بين الإصلاح الدستوري والتحول الاقتصادي.

  • خريطة طريق زمنية للانتقال خلال 10 إلى 15 سنة.

كما يمكن أن نحاول تحويل هذه الأفكار إلى إطار متكامل يشبه وثيقة انتقال وطنيةأو رؤية استراتيجية لليبيا ما بعد الاقتصاد الريعي، بحيث لا تقتصر على النقد والتشخيص، بل تتضمن أهدافاً ومراحل ومؤشرات قياس للنجاح.

أعتقد أن من أهم ما يميز أي مشروع انتقال ليبي ناجح هو أن ينطلق من فهم أن الأزمة ليست أزمة أشخاص فقط، ولا أزمة حكومات متعاقبة فقط، بل أزمة بُنى وأفكار ومؤسسات وثقافات سياسية تراكمت عبر عقود.

ولهذا فإن تغيير الأشخاص، رغم أهميته أحياناً، لا يكفي ما لم يترافق مع تغيير القواعد التي تعيد إنتاج نفس النتائج.

كما أن التجربة الليبية تستحق أن تُدرس بخصوصيتها، لا من خلال قوالب جاهزة مستوردة من تجارب أخرى. فليبيا تجمع بين:

  • إرث الدولة الريعية النفطية.

  • إرث الجماهيرية السلبي ومقولاتها السياسية والاقتصادية.

  • الانقسام المؤسسي والأمني.

  • البعد القبلي والجهوي.

  • التدخلات الإقليمية والدولية.

  • ضعف المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمجتمع.

ولهذا فإن مشروع الانتقال يحتاج إلى أن يكون وطنياً وواقعياً وتدريجياً في الوقت نفسه.

وفي تقديري، فإن السؤال الأهم الذي ينبغي أن يرافق كل محور من محاور النقاش مستقبلاً هو:

كيف ننتقل من منطق السيطرة على الدولة إلى منطق بناء الدولة؟

هذا السؤال يربط بين الاقتصاد والسياسة والأمن والعدالة والمصالحة والتعليم، لأنه ينقل التركيز من الصراع على السلطة إلى بناء قواعد مشتركة تضمن تداولها وإدارتها بصورة سلمية.

____________

Related Articles