كما تُظهر نظرية التحول السياسي، فإن الثورات ذات الإمكانات العالية للنجاح هي تلك التي تقوم على إزالة أسباب الانتفاضات، بما في ذلك الظلم الاجتماعي، والبطالة، والفقر.

ومن ثم، كان على النخب ما بعد السلطوية في دول الربيع العربي أن تقود الدولة نحو العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد، وأن تخلق فرص عمل وتحسن الاقتصاد خلال فترة زمنية قصيرة لكسب الدعم الشعبي وتعزيز نفوذها في مواجهة الحرس القديم الراسخ.

لكن، وبالنظر إلى الماضي، ثبت أن هذه المهمة كانت شديدة الصعوبة، بالنظر إلى التحديات الموروثة وأداء الأحزاب السياسية المنتخبة حديثًا.

فقد تبيّن أن إرث السلطوية خلال المرحلة الثانية من الثورة المحتملة كان أكبر من أن يُتجاوز بسهولة؛ إذ واجهت النخب الجديدة مشكلات بنيوية اجتماعية واقتصادية متجذّرة بعمق.

وفي مثل هذه الدول الانتقالية، كانت مؤسسات الدولة المختلة عاجزة عن مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية المزمنة خلال فترة قصيرة، كما أن منظمات المجتمع المدني الضعيفة – أو شبه الغائبة – لم تستطع المساهمة في إنجاح الثورة المرتقبة.

ومن المهم الإشارة إلى أن الانتخابات وما نتج عنها من تغيير في قيادة الدولة وضعت تونس ومصر وليبيا واليمن على مسار ديمقراطي، إلا أن مثل هذه التطورات ليست ضمانًا لنجاح الثورة أو المرحلة الانتقالية.

فمثل هذا المسار – إذا استمر دون انقطاع – يحتاج إلى أجيال. وقد أصبح واضحًا الآن أن الفترات الانتقالية في مصر وليبيا واليمن لم تستطع بسهولة أو بسرعة تجاوز الإرث البنيوي المعطل للأنظمة السلطوية، بما في ذلك دور الجيش وهيمنة الحرس القديم، إضافة إلى التبعية الإقليمية والدولية.

لقد نجحت حركات الربيع العربي في هذه الدول في تفكيك القيادة السياسية وإضعاف الأنظمة القديمة بدرجات متفاوتة، لكنها لم تنهِها بالكامل. ففي هذه الدول، لم ينسحب الجيش من الاقتصاد أو السياسة، وظل الحرس القديم، بما في ذلك كبار ضباط الجيش، يتمتعون بالامتيازات الاجتماعية والمكاسب الاقتصادية.

وتُظهر الحالات الواضحة في هذه الدول أن النخب القيادية الجديدة اضطرت إلى مواجهة النخب التقليدية والحرس القديم، فضلًا عن تواطئهم أو تعاونهم مع أطراف إقليمية لتحقيق مصالحهم الخاصة. ويُعد اليمن وليبيا مثالين بارزين على ذلك.

لم يحاول الحرس القديم، بما في ذلك ضباط الجيش، تثبيت المرحلة الانتقالية عبر دعم النخب السياسية المنتخبة حديثًا. وفي الوقت نفسه، لم تستطع النخب السياسية الجديدة وغير الخبيرة كسب دعم الشعب أو موازنة نفوذ الحرس القديم، بسبب ضعف خبرتها في إدارة التحول الاجتماعي والاقتصادي والحكم الرشيد، إلى جانب أسباب أخرى.

وتشير الدراسات المقارنة إلى أن فترات الانتقال نادرًا ما تنجح في إحداث تغيير جذري سريع قادر على تثبيت مرحلة ما بعد السلطوية.

كما أن التفكك الاجتماعي وضعف الدولة كانا جزءًا من الإرث السلطوي في ليبيا واليمن، وهو ما عرقل انتقالًا سلسًا. أما في تونس، فقد كان الإرث السلطوي المتعلق بالمشكلات البنيوية – خاصة المظالم الاجتماعية والاقتصادية – أقل رسوخًا مقارنة بحالات الانتقال الأخرى، وهو ما عزز فرص نجاح ثورة الياسمين.

وبما يتوافق مع هذه الاعتبارات النظرية، لم تحظَ النخب الجديدة بدعم القوى الإقليمية المهيمنة، التي رأت فيها تهديدًا لأمنها الداخلي ولتوازن القوى الإقليمي، كما حدث في مصر.

ونتيجة لذلك، دعمت قوى إقليمية مختلفة تيارات متنافسة داخل النخب الجديدة، كما في اليمن وليبيا. وهذا يفسر لماذا دعمت بعض دول الشرق الأوسط الانقلاب في مصر أو ساهمت في إفشال الانتقال في اليمن وليبيا.

أما الفئة الثانية من حالات الربيع العربي فتشمل الدول التي تمكنت فيها القيادة الحاكمة من الحفاظ على دعم الأجهزة الأمنية، وخاصة الجيش، بالإضافة إلى قطاعات مهمة من النخب المهنية والسياسية. كما نجحت في الحصول على دعم خارجي استراتيجي لبقائها.

ففي البحرين، تم قمع الانتفاضة بعنف من خلال تدخل قوات مجلس التعاون الخليجي، خوفًا من أن يؤدي التغيير الدستوري في البحرين إلى تأثير الدومينو في بقية دول الخليج.

وفي سوريا، كانت قوى التمرد المسلحة على وشك محاصرة النظام قبل أن تتدخل إيران وحزب الله ثم روسيا لاحقًا لإنقاذ النظام السوري. وما زالت المواجهة الدموية مستمرة حتى اليوم. وفي الحالتين، كان التدخل الخارجي ذا طابع مضاد للثورة من منظور حركة الربيع العربي.

أما الفئة الثالثة، التي تضم بقية الدول العربية، فقد شهدت اضطرابات ثورية أقل حدة. كانت المظاهرات محدودة ومعزولة ونادرًا ما تحولت إلى حراك واسع النطاق.

ففي الأردن والمغرب مثلًا، لم يسعَ المحتجون إلى ثورة جذرية أو تغيير رأس السلطة. كما فشلت هذه التحركات في التحول من ظاهرة معزولة إلى عملية جماهيرية واسعة، ولم تستطع كسر دعم الأجهزة الأمنية الرئيسية، ولا سيما الجيش، أو تفكيك تضامن النخب الفكرية والسياسية مع النظام.

بمعنى آخر، لم يكن السخط الشعبي في هذه الدول عميقًا بما يكفي للتحول إلى حراك واسع النطاق. ولذلك، كانت الموجة الثورية قصيرة العمر وضعيفة الزخم، وتراجعت الأحداث تدريجيًا مع مرور الوقت.

كما لم تمارس هذه التحركات ضغطًا كافيًا على النخب الحاكمة لدفعها إلى تنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. فغابت الإصلاحات الجوهرية، وجُمّدت بعض الإصلاحات أو لم تُنفذ.

ومن العوامل الأخرى لفشل الربيع العربي في الفئتين الثانية والثالثة غياب دعم قطاعات مهنية وفكرية، خاصة من التيارات اليسارية والقومية العربية. فقد شككت هذه التيارات في الطابع التحرري للربيع العربي، ورأت فيه مشروعًا إمبرياليًا أو أداة لقوى إقليمية، وليس تحولًا ديمقراطيًا حقيقيًا.

واعتبر بعض النقاد أن الربيع العربي كان خطة لإضعاف محور “المقاومة” في الشرق الأوسط وإعادة تشكيل المنطقة لصالح قوى موالية للولايات المتحدة وإسرائيل.

غير أن هذه الرؤية تجاهلت أن تونس حققت بالفعل خطوات مبكرة نحو الديمقراطية، كما تجاهلت أن عوامل الفوضى الإقليمية كانت داخلية وإقليمية أكثر منها أمريكية أو إسرائيلية.

وفي الوقت نفسه، تصاعدت المعارضة للربيع العربي حتى بين غير المنتمين للتيارات اليسارية والقومية، حيث اعتبر كثيرون أن الربيع العربي جلب الدمار والفوضى، ولم يحقق تغيرات جوهرية في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

وأصبح كثيرون يفضلون استمرار الأنظمة السلطوية على الفوضى التي شهدتها دول مثل مصر وليبيا واليمن وسوريا.

الخاتمة

نظر كثير من المعاصرين إلى الربيع العربي باعتباره نقطة تحول تاريخية في المنطقة، وشبهوا الانتفاضات بالثورة الفرنسية، وافترضوا أن نجاحها أمر محسوم، وأن معظم الأنظمة العربية مقبلة على تغيير جذري. واستند هذا التفاؤل إلى توقع “تأثير الدومينو” وانتقال المنطقة إلى موجة جديدة من الديمقراطية.

لكن مع مرور الوقت، اتضح أن هذه الرؤى كانت أقرب إلى الأمل منها إلى التحليل الواقعي. فقد انتقد كثيرون مصطلح “الربيع العربي”، مشيرين إلى طابعه المضلل؛ فالانتفاضات بدأت في الشتاء لا الربيع، كما أن المصطلح يوحي بتحول ديمقراطي ناجح على غرار ثورات أوروبا الشرقية عام 1989، وهو ما لم يحدث فعليًا.

ومن أصل 22 دولة عضوًا في جامعة الدول العربية، دخلت أربع دول فقط – تونس ومصر وليبيا واليمن – المرحلة الأولى من الثورة المحتملة وشهدت تغييرًا في القيادة السياسية. وربما تفسر مجموعة العوامل السابقة لماذا نجح الثوار في هذه الحالات تحديدًا في إسقاط القيادات الحاكمة.

لكن باستثناء تونس، فشلت جميع الحالات الأخرى في إدارة المرحلة الانتقالية. فقد شهدت مصر انقلابًا عسكريًا، بينما غرقت ليبيا واليمن وسوريا في حروب أهلية وصراعات بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية. كما تراجعت الحريات السياسية في هذه الدول إلى مستويات أسوأ من حقبة ما قبل الثورة.

وبالتالي، فإن ما سُمي بالربيع العربي لم يكن “صحوة عربية” شاملة لا من حيث المسار ولا من حيث النطاق. ويمكن تشبيه الربيع العربي في جوانب كثيرة بثورات عام 1848 أكثر من تشبيهه بثورات 1989.

كما أن مصطلح “الربيع العربي” يوحي بوجود واقع عربي متجانس من حيث العمر الوسيط، ومستويات الفقر، والبطالة، والفساد، والاستياء من سوء الحكم، بينما تُظهر الدراسات أن الدول العربية تختلف كثيرًا في هذه الجوانب.

صحيح أن الشعوب العربية تتشارك ذاكرة تاريخية وقضايا عابرة للحدود، وقد أكدت ثورة تونس وجود ترابط عربي وتأثير متبادل، لكن الاعتقاد بأن ما ينطبق على تونس سينطبق على بقية الدول كان تصورًا ساذجًا، لأن شروط الثورة تختلف من دولة إلى أخرى.

وعلى هذا الأساس، يرى الكاتب أن الديناميات الإقليمية أحدثت شرخًا في استمرارية السلطوية، لكنها لم تشكل نقطة تحول حقيقية نحو الديمقراطية. فالربيع العربي امتلك إمكانية ثورية، لكنه لم يصل إلى مستوى الثورة المكتملة التي تُحدث قطيعة واضحة مع المرحلة السابقة.

ويخلص الكاتب إلى أن الربيع العربي – رغم خصوصية السياقات العربية – يخضع لقوانين ونظريات الثورات العامة، وليس ظاهرة فريدة بالكامل. ومن وجهة نظره، فإن “الربيع العربي قد مات”، والثورات المحتملة قد أُجهضت، ولذلك ستستمر الأنظمة السلطوية في الهيمنة على السياسة الإقليمية لفترة طويلة قادمة.

__________

المصدر: كتاب حركة الربيع العربي: الثورة الفاشلة. مداولات نظرية وتجريبية تمهيدية” مقتطفات من الفصل الثامن.

Related Articles