صلاح الهوني

حين يختار المحتج إحراق مبنى رئاسة الحكومة في طرابلس يرسل رسالة مقصودة: لا ثقة بهذه المؤسسة، ولا احترام لرمزيتها.

في الدقيقة السابعة والثمانين من مباراة عادية لكرة القدم، توقف الزمن في ليبيا.

لم يكن الأمر هدفاً تاريخياً، ولا مواجهةً في كأس العالم. كانت مجرد صافرة حكمٍ أقامت الملعب ولم تُقعده — قرار برفض ركلة جزاء طالب بها لاعبو نادي الاتحاد في مواجهة السويحلي، ضمن منافسات الدوري الليبي الممتاز بملعب ترهونة. لكن تلك الصافرة الصغيرة كانت كافيةً لتشعل فتيلاً لم يُطفأ منذ سنوات.

في غضون ساعات، انتقلت كرة اللهب من ملعب ترهونة إلى قلب العاصمة طرابلس، حيث احتشد العشرات من جماهير نادي الاتحاد أمام مقر رئاسة الوزراء، وتصاعدت الاحتجاجات إلى اقتحام محيط المقر وإحراق عدد من المكاتب داخله، وسط استنفار أمني واسع وحالة من الهلع في المنطقة.

اندلعت النيران في مبنى رئاسة الوزراء، وأُصيب ستة من رجال الإطفاء أثناء محاولاتهم السيطرة على الحريق، فيما انهار جزء من واجهة المبنى. لم يصدر أي تعليق رسمي فوري يُوضح ما حدث، ولا اعتذار شعبي يُسكّن الغاضبين. فقط دخان أسود في سماء العاصمة، يُخبر بما لا تجرؤ السياسة على قوله.

من يعرف طرابلس يعرف أن ما حدث لم يكن مفاجئاً. الصدمة الحقيقية لمن تابع الأحداث ليست في أن شعباً أشعل النار في مبنى حكومي، بل في أن الشعب انتظر طويلاً حتى فعل.

ليبيا دولة نفطية تعيش على وهج ثروتها دون أن يلمس كثير من أبنائها دفأها. سجّلت البلاد الانخفاض الأكثر حدةً في إنتاج الكهرباء بين دول شمال أفريقيا خلال الأربعة عشر عاماً الماضية، لتهبط إمداداتها إلى أدنى مستوى منذ أكثر من عقد، على الرغم من ضخ الحكومات المتعاقبة ملايين الدولارات في مشاريع تطوير قطاع الطاقة.

هذا الرقم وحده يحكي قصة كاملة. دولة تصدر النفط لتُضيء بيوت جيرانها، فيما يجلس أبناؤها في العتمة. ويؤكد مراقبون أن أزمة الكهرباء “لا ترتبط فقط بنقص التمويل، بل تتعلق أيضاً بسوء الإدارة، وتفشي الفساد، وحالات السرقة التي طالت معدات الشبكة، في ظل ضعف أمني واضح”، مع الإشارة إلى أن “الانقسام السياسي زاد من تعقيد المشكلة”.

انقسام سياسي هو الكلمة المهذّبة لوصف واقع يعيش فيه الليبيون تحت سقف دولتين متنافستين: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وحكومة موازية في الشرق، في صراع لا يبدو له أفق. أما المواطن العادي فيقف في المنتصف — لا ينتفع بهذا ولا ذاك، يدفع ثمن المواجهة من قوته ومستقبله.

كان انقطاع الكهرباء، خاصةً مع حلول الصيف، سبباً في خروج احتجاجات عديدة بين عامي 2020 و2023، وامتدت الانقطاعات في 2024 لتطال شرق البلاد وجنوبها ومناطق قرب طرابلس، وسط عجز في الإنتاج يصل إلى 2500 ميغاوات في ذروة الصيف. الكهرباء ليست رفاهية هنا، بل هي استعارة للحالة كلها: دولة تعدك بالضوء وتُسلّمك الظلام.

في غياب مسارح سياسية آمنة، يتحوّل الملعب إلى ميدان. هذه ليست ظاهرة ليبية خالصة — من الأولتراس المصرية التي زحفت نحو ميدان التحرير، إلى مدرجات الجزائر التي حملت الحراك قبل سنوات، إلى ملاعب تونس حين كانت المظاهرات محظورة. الشعوب المكبوتة تجد أبوابها في أماكن لا تُسدّ: الملاعب واحدة منها.

في ليبيا تحديداً، اكتسبت الأحداث بُعداً مضاعفاً. وجّه مشجعو الاتحاد اتهامات مباشرة لعائلة رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة بممارسة “المحاباة” الرياضية ودعم أندية معينة في الدوري على حساب أندية أخرى، مما حوّل “مباراة كرة قدم” إلى ساحة تصفية حسابات سياسية في مشهد يعكس حالة الاحتقان التي تعيشها البلاد.

واكتسبت الاحتجاجات صبغةً سياسية في ظل اتهامات لدواوين حكومية بدعم النادي المنافس. فجأةً، لم يعد الأمر يتعلق بركلة جزاء. بات يتعلق بالمحسوبية والفساد والإقصاء، بكل ما يختزنه الشارع الليبي من مرارة متراكمة. الكرة كانت المسرح، لكن النص كُتب قبل ذلك بسنوات.

تحوّلت مباراة كرة القدم في غرب ليبيا إلى واحدة من أعنف الليالي التي شهدتها البلاد منذ أشهر، بعدما اندلعت أعمال شغب واسعة انتهت بمقتل عنصر أمني وإصابة عدد من المتظاهرين واللاعبين، لتمتد إلى إحراق آليات عسكرية ومكاتب داخل مقر رئاسة الوزراء بالعاصمة طرابلس.

ثمة صورة لم تُقلها الأرقام ولا البيانات الرسمية: واجهة زجاجية لمقر حكومي تلتهمها النيران، والدخان الأسود يعلو فوق عاصمة لدولة مصدِّرة للنفط. هذه الصورة تستحق تأملاً عميقاً لأنها تحمل دلالتين متناقضتين في آنٍ واحد: دلالة الغضب الذي لا يجد قناةً سوى النار، ودلالة الدولة التي لم تبنِ من مؤسساتها جداراً يحتوي هذا الغضب.

استخدمت القوات الرصاصَ الحي لتفريق المحتجين، مما أدى إلى إصابة عدد من جماهير الاتحاد وإعلاميين كانوا يغطون المباراة ميدانياً. الاستجابة الأمنية، بطبيعتها، لا تحلّ أزمة سياسية — بل تضغط الغاضب تحت السطح ليعود في موجة أشد.

ما يكشفه هذا الحادث ليس ضعف الدولة وحسب، بل هشاشة شرعيتها. حين يختار المحتج أن يُحرق مبنى الرئاسة لا أي مبنى آخر، فهو يرسل رسالة مقصودة: لا ثقة بهذه المؤسسة، ولا احترام لرمزيتها. وذلك تآكل في العقد الاجتماعي أخطر بكثير من أي حريق يُمكن إخماده بخراطيم الماء.

السؤال الحقيقي ليس: ما الذي فعله المحتجون؟ بل: لماذا وصل المحتجون إلى هنا؟ ولماذا لم تتوقع المنظومة السياسية هذا الانفجار قبل اندلاعه؟

الإجابة مُحرجة لأنها تعني الاعتراف بالفشل. ليبيا لا تحتاج إلى تحليلات لتعرف أن لديها أزمة كهرباء مزمنة، ومؤسسات مخترقة بالفساد، وانقسام سياسي يمنع أي توافق على حلول جذرية. كل هذا معروف ومُوثَّق. ما لم يتعلمه أحد هو كيفية الاستجابة قبل أن تشتعل النار، لا بعدها.

الرياضة كانت القشة. لكن ظهر الجمل كان يحمل منذ أمد بعيد أثقالاً يعرف الجميع اسمها ويتجاهلون وزنها: الاقتصاد المعطوب، والخدمات المتهالكة، والسياسة المتحجرة في مواجهاتها وتحالفاتها.

حين هدأت أعمال الشغب وأُخمد الحريق في مبنى رئاسة الوزراء، عاد الليبيون إلى بيوتهم. لم يتغير شيء جوهري: الكهرباء ستنقطع، والوعود ستُطلق، والانقسام السياسي سيستمر. لكن شيئاً ما تغيّر في المعادلة، وإن بدا غير مرئي.

تغيّر الخطّ الفاصل بين ما يُقبله الشارع وما يرفضه. تراجع عتبة الصبر درجةً أخرى إلى الأسفل. وأدركت فئة من الليبيين – الشباب خاصةً – أن التعبير عن الغضب ممكن، وأن المؤسسة ليست بالمنيعة التي كانوا يظنون.

ليبيا اليوم أمام مفترق دقيق: إما أن تفتح مساحات حقيقية لاحتواء هذا الغضب – من خلال إصلاح سياسي واقتصادي يطال الجوهر لا القشور – وإما أن تنتظر صافرةً جديدة، في مباراةٍ جديدة، في أي شهر قادم. والفارق الوحيد هو أن الجمهور في كل مرة يكون أقل صبراً وأكثر جرأة.

 ______________

Related Articles