بقلم الشّايب
نتناول في هذه الورقة مرحلة معقدة من التاريخ الليبي الحديث، وهو أن نظام الجماهيرية اتسم بقمع المعارضة السياسية، وسُجنت في معتقلاته أعداد كبيرة من المعارضين في ظروف قاسية، ومن أبرز الحوادث المروعة مجزرة سجن أبو سليم عام 1996، التي تشير التقارير إلى مقتل أكثر من 1200 سجين على خلفية احتجاجات داخل السجن.
بعد سقوط النظام عام 2011، برزت سرديات من بعض الأطراف المرتبطة ببقايا النظام السابق تحاول تشويه صورة المساجين السياسيين (وصفهم بالخونة أو العملاء)، وإنكار أو تقليل حجم الانتهاكات التي تعرضوا لها.
هذه السرديات المعاكسة تهدف إلى تبرير الانتهاكات السابقة وتحميل الضحايا مسؤولية ما جرى لهم، وتخلط الحقائق وتعرقل جهود المصالحة الحقيقية. فكيف نفكك هذه السردية من أجل الحقيقة والعدالة
تفكيك هذه السردية لا يكون فقط بالردّ الأخلاقي أو العاطفي، بل ببناء خطاب معرفي وقانوني ووطني قادر على إعادة تعريف الحقيقة العامة، وحماية الذاكرة الجماعية من التلاعب. فالسرديات التي تبرّر القمع أو تشوّه الضحايا لا تستهدف الماضي وحده، بل تسعى أيضاً إلى تعطيل أي إمكانية لبناء دولة قانون في المستقبل.
يمكن تناول هذا التفكيك عبر عدة مستويات مترابطة:
أولاً: الفصل بين الموقف السياسي والحق الإنساني
من أهم أدوات السردية المضادة أنها تخلط بين تقييم أفكار المعارضين أو مواقفهم السياسية وبين حقهم الإنساني والقانوني في الحياة والمحاكمة العادلة وعدم التعذيب. حتى لو اختلف شخص من المعارضة مع النظام أو مع بعض رموزه، فهذا لا يبرر الإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج القانون، أو المجازر الجماعية.
وهنا يجب تثبيت قاعدة مركزية تقول “لا تُقاس حقوق الإنسان بمدى الولاء للنظام.” فالضحية لا تفقد إنسانيتها بسبب رأي سياسي.
ثانياً: إعادة تعريف ضحايا القمع باعتبارهم جزءاً من التاريخ الوطني
السردية التشويهية تحاول إخراج المساجين السياسيين من الهوية الوطنية عبر وصفهم بـ الخونة، والعملاء، والإرهابيين، أو أدوات الخارج. ولتفكيك ذلك يجب إعادة إدماجهم في الوعي الوطني باعتبارهم مواطنين ليبيين، وأصحاب حقوق، وضحايا انتهاكات دولة.
ليس المطلوب “تقديس” كل معارض، بل الاعتراف بأن الدولة لا تملك حق سحق مواطنيها خارج القانون. وهذا مهم جداً لأن نزع الوطنية عن الضحايا هو مقدمة لتبرير العنف ضدهم.
ثالثاً: توثيق الحقيقة بطريقة مهنية لا دعائية
كلما ضعفت الوثائق، تمددت الدعاية. لذلك فإن تفكيك الإنكار يتطلب شهادات موثقة، وأرشيفاً رقمياً، وقوائم أسماء، وصوراً ووثائق، وروايات عائلات الضحايا، وتقارير الطب الشرعي والحقوقيين.
في حالة مجزرة سجن أبو سليم مثلاً، فإن قوة الحقيقة لا تأتي فقط من الرواية السياسية، بل من أسماء الضحايا، وسنوات اختفائهم، وشهادات الناجين، واحتجاجات الأمهات والعائلات، والوقائع المتراكمة التي يصعب محوها.
فالإنكار ينجح حين تتحول المأساة إلى “أرقام مجردة”، لكنه يضعف أمام القصص الإنسانية الموثقة.
رابعاً: كشف آليات صناعة الدعاية السلطوية
من المهم شرح كيف كانت الأنظمة الشمولية تنتج صورة “العدو الداخلي”. في التجربة الليبية، استُخدمت أدوات مثل التخوين، وشيطنة المعارض، وربط المعارضة بالخارج، وتصوير المطالبة بالحقوق كتهديد للوطن، وتحويل الولاء للطاغية إلى معيار للوطنية.
وهنا ينبغي توضيح أن الأنظمة السلطوية لا تكتفي بقمع المعارض، بل تسعى إلى نزع التعاطف الإنساني عنه حتى يصبح قتله أو سجنه مقبولاً مجتمعياً. وهذه نقطة محورية في تفكيك الإرث النفسي للجماهيرية.
خامساً: التمييز بين العدالة والانتقام
بعض الخطابات تستغل الفوضى التي أعقبت 2011 لتقول “لو لم يكن النظام صارماً لانهارت الدولة”، أو “المساجين هم من جلب الفوضى”. ولذلك من الضروري التأكيد على أن العدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، وأن محاسبة الانتهاكات تهدف لمنع تكرارها، وأن غياب العدالة بعد 2011 لا يبرر جرائم ما قبلها. فالفشل اللاحق لا يمحو الجريمة السابقة.
سادساً: بناء ذاكرة وطنية مشتركة لا انتقائية
من أخطر ما يهدد المصالحة أن تتحول الذاكرة إلى ذاكرات متحاربة: ذاكرة تمجّد النظام بالكامل، وأخرى تختزل كل التاريخ في الضحايا فقط. المطلوب هو ذاكرة وطنية تعترف بـوجود مظالم حقيقية، ووجود ضحايا من اتجاهات مختلفة، ولكن دون مساواة أخلاقية بين الضحية والجريمة. أي أن الاعتراف المتبادل لا يعني تبرير الانتهاكات.
سابعاً: تحويل عائلات الضحايا من حالة الحزن إلى قوة أخلاقية
عائلات المفقودين وضحايا السجون ليست مجرد أطراف متضررة، بل يمكن أن تصبح حارسة للذاكرة، وقوة ضغط من أجل الحقيقة، ومصدراً للشرعية الأخلاقية للمصالحة. وقد أثبتت تجارب كثيرة أن أمهات الضحايا وعائلات المختفين قسرياً لعبن دوراً مركزياً في حماية الحقيقة من النسيان.
ثامناً: مواجهة خطاب “الاستقرار مقابل الحرية”
هناك سردية تقول “صحيح وقعت تجاوزات، لكن البلاد كانت مستقرة”. هذه من أكثر السرديات تعقيداً، لأنها تستند إلى خوف الناس من الفوضى الحالية. وتفكيكها لا يكون بإنكار معاناة الناس اليوم، بل ببيان أن الاستقرار القائم على الخوف استقرار هشّ، وأن القمع المزمن دمّر المؤسسات، ومنع تطور السياسة والقضاء والمجتمع المدني، مما ساهم لاحقاً في هشاشة الدولة بعد 2011.
أي أن الاستبداد لم يمنع الانهيار، بل أخّر ظهوره وعمّق أسبابه.
تاسعاً: إنتاج خطاب وطني جامع لا ثأري
إذا بدا الخطاب وكأنه انتقام من أنصار النظام السابق، أو إدانة جماعية لفئات اجتماعية كاملة، فسوف تدافع هذه الفئات عن السردية الإنكارية خوفاً من الإقصاء. لذلك يجب أن يكون الخطاب قائماً على الحقيقة لا الكراهية، والعدالة لا التشفي، والاعتراف لا الإلغاء. بمعنى المطلوب إدانة الانتهاكات، لا شيطنة كل من عاش داخل النظام السابق أو استفاد منه.
عاشراً: جعل الحقيقة شرطاً للمصالحة لا عَقَبة أمامها
أحياناً يُطرح أن فتح ملفات الماضي “عرقلة للمصالحة”، بينما التجارب المقارنة تُظهر أن المصالحة المبنية على الإنكار هشّة، وأن تجاهل الضحايا يراكم الغضب، وأن الحقيقة ليست تهديداً للوحدة الوطنية، بل أساسها.
فلا يمكن بناء سلام دائم فوق ذاكرة مكسورة. ولهذا فإن كشف الحقيقة حول السجون والانتهاكات وملفات الإخفاء القسري ليس عملاً ضد الوطن، بل خطوة لازمة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
في التجربة الليبية، حاولت السرديات السلطوية لنزع الحقوق الإنسانية لسجناء الرأي من خلال سؤال تشكيكي يقول: هل من حق المساجين أن يحصلوا على تعويضات؟
من حيث المبدأ القانوني والأخلاقي والإنساني، ضحايا السجن السياسي التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري لهم حق مشروع في جبر الضرر، بما يشمل التعويض المادي والمعنوي، ولا يجعلهم ذلك “مرتزقة” أو أصحاب مصلحة غير أخلاقية.
هذا الوصف هو جزء من خطاب دعائي يهدف إلى نزع الشرعية عن الضحايا وتحويلهم من أصحاب حق إلى متهمين أخلاقياً. فمن ناحية المبدأ، هناك فرق جوهري بين “الاتجار بالمعاناة”، وبين “الحق في جبر الضرر”. والخلط بينهما هو أحد أدوات السردية السلطوية.
وبالتالي لابد من إطار مفاهيمي لهذه القضية:
أولاً: التعويض ليس منحة سياسية بل حق قانوني
في مبادئ العدالة الانتقالية، لا يُنظر إلى التعويض باعتباره مكافأة، أو شراء ولاء، أو ثمناً للصمت، بل باعتباره اعترافاً رسمياً بأن ظلماً وقع على مواطنين، والدولة أو السلطة مسؤولة عنه، وأن الضحية تحمّل خسائر كبيرة فعليا.
فالشخص الذي قضى سنوات من عمره في السجن، أو تعرض للتعذيب، أو حُرم من العمل والتعليم والحياة الطبيعية، فقد تكبد أضراراً حقيقية نفسية، وصحية، واجتماعية، واقتصادية. ولهذا فإن جبر الضرر جزء من استعادة الكرامة الإنسانية، وليس مجرد مسألة مالية.
ثانياً: لماذا تُهاجم الأنظمة السابقة فكرة التعويض؟
لأن الاعتراف بالتعويض يعني ضمنياً الاعتراف بوجود جريمة. فعندما تقول الدولة أو المجتمع إن شخصاً يستحق تعويضاً، فهذا يعني أن ما تعرض له لم يكن “إجراءً عادياً”، بل انتهاكاً لحقه. لذلك تحاول بعض السرديات تشويه الضحايا، أو وصفهم بالطامعين، أو الادعاء بأنهم “استفادوا” من السجن بعد 2011. والهدف الحقيقي غالباً هو حماية الرواية القديمة التي تنكر وقوع الظلم أصلاً.
ثالثاً: السجين السياسي دفع ثمناً لا يمكن اختزاله بالمال
من قضى عشر سنوات أو عشرين سنة في المعتقل لم يخسر فقط دخله المالي، بل خسر سنوات من عمره، وفرص التعليم والعمل، وتكوين الأسرة، وعلاقاته الاجتماعية، وصحته الجسدية والنفسية، وأحياناً سمعته وأمان أسرته. وفي حالات كثيرة، عانت العائلات أيضاً من الوصمة، والمراقبة، والحرمان الوظيفي، والخوف المستمر.
ولهذا فإن التعويض ليس “ثمناً للمعاناة”، لأن المعاناة أصلاً لا يمكن تقديرها بالكامل.
رابعاً: الخطر الحقيقي هو التسييس غير العادل للتعويضات
توجد نقطة حساسة ومهمة وهي إذا تحولت التعويضات إلى امتيازات سياسية، أو توزيع غير عادل، أو باب للفساد والمحسوبية، فإن ذلك يخلق غضباً مجتمعياً حقيقياً. وهنا تستغل أبواق الدعاية هذه الاختلالات لتعميم صورة سلبية على كل الضحايا. لذلك يجب أن تقوم أي منظومة تعويضات على معايير قانونية واضحة، وتوثيق دقيق، وشفافية، ومساواة، وربط التعويض بالحقيقة والانتهاك المثبت لا بالانتماء السياسي.
خامساً: التعويض جزء من العدالة الانتقالية وليس بديلاً عنها
من المهم أيضاً التأكيد على أن التعويض وحده لا يكفي. فالعدالة الانتقالية تشمل كشف الحقيقة، والاعتراف الرسمي، والمحاسبة، وإصلاح المؤسسات، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم التكرار. لأن اختزال القضية في المال فقط يضر بالضحايا أنفسهم، ويجعل المجتمع يرى الأمر كأنه “تسوية مالية” لا قضية حقوق وعدالة.
سادساً: كيف نُفكك خطاب “المرتزقة”؟
يمكن تفكيكه بعدة نقاط بسيطة وعميقة، أولها: السؤال الأخلاقي المعاكس إذا كان طلب التعويض “ارتزاقاً”، فهل يعني ذلك أن التعذيب لم يكن جريمة؟ والسجن بلا محاكمة كان طبيعياً؟ وضياع العمر لا يستحق أي جبر ضرر؟ هنا ينكشف التناقض الأخلاقي في السردية.
وفي حالة التمييز بين الضحية والانتهازي، قد توجد حالات استغلال أو فساد، لكن وجود حالات فردية لا يلغي حق آلاف الضحايا الحقيقيين. كما أن فساد بعض الملفات لا ينفي أصل الجريمة. أما مسألة ربط التعويض بالكرامة لا بالغنيمة، فالخطاب الحقوقي الناضج يجب أن يتحدث عن الاعتراف، ورد الاعتبار، والكرامة، والإنصاف، لا عن “الغنائم” أو “المكاسب الثورية”.
سابعاً: أخطر أثر لشيطنة الضحايا
عندما يُوصَف السجين السابق أو عائلة الضحية بأنهم طماعون، أو خونة، أو متاجرون بالمأساة، فإن النتيجة ليست فقط الإساءة لهم، بل تدمير الثقة في العدالة، وإرسال رسالة للمجتمع أن المطالبة بالحق ستؤدي إلى التشهير بك، مما يدفع الناس للصمت والخوف.
وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة أو السرديات التي تريد دفن الحقيقة.
الخلاصة:
التعويض ليس صدقة، ولا امتيازاً سياسياً، ولا دليلاً على “الارتزاق”، بل هو أحد أشكال جبر الضرر المعترف بها في القانون الدولي والعدالة الانتقالية. أما تحويل الضحايا إلى متهمين أخلاقياً بسبب مطالبتهم بحقوقهم، فهو جزء من معركة السيطرة على الذاكرة والرواية العامة، وليس نقاشاً قانونياً بريئاً.
___________