بقلم الشّايب

تفكيك أثار النظام الجماهيري في توتر المجتمع الليبي وزعزعة السلم المجتمعي بسبب الانتهاكات البشعة لحقوق الإنسان الليبي التي نفذها النظام الجماهيري سواء في زمن التصفيات الجسدية و مشانق الميدان ومجزرة بوسليم، وكما هو واضح أيضا من المقابر الجماعية في ترهونة وتصفيات شارع الزيت ومعتقل قرنادة.

أن أحد أخطر آثار النظام الجماهيري لم يكن فقط في بنية الدولة أو الاقتصاد، بل في تحويل العنف السياسي إلى ذاكرة اجتماعية ممتدة داخل المجتمع الليبي نفسه. فمرحلة ما بعد فبراير لم تبدأ من “فراغ”، بل ورثت مجتمعًا مثقلًا بالخوف، والثأر، والإنكار، والتشظي، وانعدام الثقة بالمؤسسات.

ولهذا فإن تفكيك أثر الجماهيرية في ملف السلم المجتمعي لا يمكن أن يقتصر على المصالحة الشكلية أو الاتفاقات السياسية المؤقتة، بل يحتاج إلى مشروع وطني عميق يقوم على كشف الحقيقة، والاعتراف بالجرائم، والإنصاف المجتمعي، وضمان عدم التكرار. ويمكن فهم هذا الأثر عبر عدة مستويات مترابطة:

أولًا: تحويل العنف إلى أداة حكم

النظام الجماهيري لم يستخدم العنف فقط لقمع الخصوم، بل لجعل المجتمع يعيش تحت “ثقافة الخوف” عبر المشانق العلنية في الجامعات والساحات، والتصفيات الجسدية للمعارضين داخل ليبيا وخارجها، والإخفاء القسري لعشرات وربما آلاف الليبيين، ومجزرة سجن بوسليم، والعقاب الجماعي للمدن والعائلات، واختراق القبائل والروابط الاجتماعية بالأجهزة الأمنية.

هذه السياسات لم تنتهِ بسقوط النظام، بل بقي أثرها النفسي والاجتماعي المتمثل في خوف مزمن من الدولة، وقابلية للعنف المضاد، وانهيار الثقة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار خطاب التخوين والانتقام، وتحول الضحية أحيانًا إلى فاعل عنف جديد.

ثانيًا: فبراير ورثت “مجتمعًا مصابًا”

بعد 2011 لم يكن المجتمع الليبي مهيأً لانتقال ديمقراطي طبيعي، لأن مؤسسات العدالة كانت ضعيفة أو مخترقة، والحقيقة لم تُكشف، وكثير من الانتهاكات القديمة بقيت بلا مساءلة، والضحايا لم يحصلوا على اعتراف رسمي، وظهرت انتهاكات جديدة عمّقت الجرح بدل معالجته. ولهذا أصبحت بعض المناطق ترى نفسها “ضحية تاريخية”، بينما ترى مناطق أخرى أنها “مستهدفة بعد فبراير”، فتحول الألم الوطني إلى سرديات متصارعة.

ثالثًا: المقابر الجماعية أعادت فتح الذاكرة الليبية

ما ظهر في ترهونة وبنغازي ومحيطها، ومناطق الشرق والجنوب، وملفات المفقودين منذ الثمانينات والتسعينات، كشف أن ليبيا لم تعالج أصل المشكلة، بل انتقلت من طور عنف إلى طور آخر. فالمقابر الجماعية ليست مجرد جريمة جنائية، بل دليل على فشل بناء دولة قانون، واستمرار ثقافة الإفلات من العقاب، وغياب الحقيقة الوطنية الجامعة. ولهذا فإن التعامل مع هذه الملفات يجب أن يكون باعتبارها “قضية تأسيس دولة” لا مجرد ملف حقوقي.

رابعًا: تفكيك الأثر يحتاج إلى عدالة انتقالية قائمة على الحقيقة

السلم المجتمعي لا يتحقق عبر النسيان القسري أو الصفقات السياسية، بل عبر مسار متكامل، يبدأ بـ:

ــ كشف الحقيقة: بدأً بإنشاء هيئة وطنية مستقلة للحقيقة، وتوثيق الانتهاكات منذ 1969 وحتى اليوم، وتجميع الشهادات والوثائق، وفتح الأرشيف الأمني، وتحديد المسؤوليات المؤسسية لا الفردية فقط. الهدف هنا ليس الانتقام، بل الاعتراف الرسمي بالألم، وإنهاء الإنكار، ومنع تزوير التاريخ.

ــ الاعتراف بالضحايا: فيجب أن تعترف الدولة رسميًا بـضحايا المشانق، وضحايا بوسليم، والمفقودين، وضحايا المقابر الجماعية، وضحايا التصفيات السياسية، وكل الانتهاكات اللاحقة بعد فبراير أيضًا. لأن الانتقائية في الاعتراف تعيد إنتاج الانقسام.

ــ العدالة والمساءلة: ليس المقصود محاكمات جماعية أو انتقامًا سياسيًا، بل محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، وفق معايير قانونية عادلة، مع حماية حق الدفاع، ومنع العقاب الجماعي.

ــ جبر الضرر: ويشمل التعويض المادي، والدعم النفسي، وإعادة الاعتبار المعنوي، والكشف عن مصير المفقودين، واستعادة الحقوق المدنية.

ــ إصلاح المؤسسات: لا يمكن تحقيق السلم المجتمعي مع بقاء الأجهزة المخترقة، أو ثقافة القمع، أو غياب الرقابة القضائية.

ولهذا فإن إصلاح الأمن، والقضاء، والإعلام، والتعليم، هو جزء أساسي من العدالة الانتقالية.

خامسًا: المصالحة ليست نسيانًا

أحد أخطر الأخطاء هو تقديم المصالحة باعتبارها “انسوا الماضي من أجل الوطن”. هذا الخطاب غالبًا ما يزيد الاحتقان، لأن الضحية يشعر أن الألم يُمحى سياسيًا. فالمصالحة الحقيقية تعني معرفة الحقيقة، والاعتراف بالخطأ، وتحمل المسؤولية، ثم بناء عقد اجتماعي جديد. ولهذا فإن الحقيقة تسبق المصالحة، والعدالة تحمي المصالحة، والديمقراطية تُثبّت المصالحة.

سادسًا: الحاجة إلى “ذاكرة وطنية مشتركة”

ليبيا تحتاج إلى مشروع وطني للذاكرة في شكل متاحف للضحايا، وأرشيف وطني للانتهاكات، ويوم وطني للذاكرة، وإدراج التاريخ الحقوقي في التعليم، وتوثيق شهادات الناجين. لأن المجتمعات التي لا تواجه ماضيها غالبًا تعيد إنتاجه.

وفي الحالة الليبية، فإن تفكيك أثر الجماهيرية في السلم المجتمعي يعني تفكيك ثقافة الخوف، وثقافة الإفلات من العقاب، وثقافة تقديس العنف السياسي، وثقافة الإنكار. وهو مسار طويل، لكنه شرط أساسي لبناء دولة مدنية مستقرة لا تُدار بالثأر ولا بالخوف.

الولوج إلى هذا المسار في ليبيا لا يبدأ بانتظار “الدولة المثالية” أو انتهاء الانقسام بالكامل، لأن التجربة الليبية أثبتت أن تأجيل العدالة والحقيقة إلى ما بعد الاستقرار يؤدي غالبًا إلى إطالة الفوضى نفسها. فالمطلوب هو بناء مسار تدريجي واقعي يعمل داخل البيئة المعقدة، لا خارجها.

في الحالة الليبية، من الصعب البدء بعدالة انتقالية شاملة دفعة واحدة، لكن يمكن فتح “مداخل آمنة” تُضعف منطق العنف تدريجيًا وتؤسس لشرعية أخلاقية وقانونية جديدة من خلال التالي:

أولًا: الفصل بين “العدالة الانتقالية” و”الصراع على السلطة”

أحد أسباب تعثر الملف في ليبيا أن كل طرف حاول استخدام العدالة كسلاح سياسي ضد خصومه. ولهذا يجب إعادة تعريف العدالة الانتقالية باعتبارها مشروع حماية للمجتمع، لا مشروع انتصار لفصيل، ولا أداة إقصاء سياسي. أي أن الهدف ليس “من يحكم؟” بل “كيف نمنع تكرار الانتهاكات؟” هذا التحول ضروري لبناء حد أدنى من التوافق.

ثانيًا: البدء بالملفات الإنسانية الأقل تصادمًا

في البيئات المسلحة والمنقسمة، لا يبدأ المسار عادة بالمحاكمات الكبرى، بل بملفات إنسانية يصعب رفضها اجتماعيًا. مثل كشف مصير المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، وتوثيق الضحايا، وتسليم الرفات للعائلات، وحماية الشهود، إنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين. هذه الملفات تُقلل الاحتقان، وتَبني الثقة، وتخلق ضغطًا أخلاقيًا على الأطراف المسلحة. كما أنها تُخرج القضية من الاستقطاب السياسي إلى المجال الإنساني.

ثالثًا: إنشاء “مساحات حقيقة محلية”

بسبب الانقسام، قد يكون من الصعب إنشاء هيئة وطنية قوية فورًا، لكن يمكن البدء بمسارات محلية مثلا لجان حقيقة مجتمعية، مجالس استماع، توثيق شفهي، مبادرات أهلية بإشراف قانوني وحقوقي، خصوصًا في ترهونة، وبنغازي، ومصراتة، وبني وليد، والزاوية، وتاورغاء، و ورشفانة، والجنوب الليبي. الفكرة هنا ليست إصدار أحكام، بل كسر الصمت، وتوثيق الذاكرة، ومنع تزوير الوقائع.

رابعًا: تحييد ملف الضحايا عن الاستقطاب

من أخطر المشكلات الليبية تقسيم الضحايا إلى “ضحايا نستحق التعاطف معهم”، و”ضحايا لا يُعترف بهم”. هذا يعيد إنتاج الحرب. ولهذا يجب تبني مبدأ كل انتهاك ضد المدنيين هو انتهاك مدان مهما كان الفاعل أو الضحية. سواء تعلق الأمر بـ بوسليم، أو المقابر الجماعية، أو التهجير، أو الاغتيالات، أو الاختفاء القسري بعد فبراير. هذه المساواة الأخلاقية ضرورية لبناء سردية وطنية مشتركة.

خامسًا: خلق تحالف اجتماعي ضد العنف

الجماعات المسلحة تستمد قوتها من الخوف، والفراغ المؤسسي، والانقسام المجتمعي. ولذلك لا يكفي الحل الأمني وحده، بل يجب بناء تحالف واسع يضم عائلات الضحايا، والبلديات، والنخب الاجتماعية، والجامعات، ورجال الدين المعتدلين، ومنظمات المجتمع المدني، والإعلاميين، والشباب. الهدف هو تحويل مطلب العدالة والسلم إلى مطلب اجتماعي عام، لا مشروع نخبة معزولة.

سادسًا: البدء بإصلاحات صغيرة لكنها مؤثرة

في البيئات الهشّة، أحيانًا الإصلاحات الصغيرة أهم من الشعارات الكبرى. مثل تجريم الإخفاء القسري بوضوح، وإنشاء نيابة خاصة بالمفقودين، وحماية المقابر الجماعية قانونيًا، ورقمنة الأرشيف، وإصلاح الطب الشرعي، وتدريب القضاء على العدالة الانتقالية، وإدخال الدعم النفسي للضحايا. هذه الخطوات تبني مؤسسات تدريجيًا حتى قبل اكتمال الاستقرار السياسي.

سابعًا: التعامل الواقعي مع الجماعات المسلحة

لا يمكن تجاهل وجود السلاح، لكن أيضًا لا يمكن منح الجماعات المسلحة “حق الفيتو” على مستقبل ليبيا. ولهذا يحتاج المسار إلى معادلة دقيقة تقوم بدمج من يمكن دمجه وفق شروط الدولة، ومحاسبة المتورطين في الجرائم الجسيمة، وتفكيك اقتصاد الحرب، وتجفيف مصادر التمويل، وبناء بدائل اقتصادية للشباب. لأن استمرار اقتصاد الحرب يعني استمرار العنف حتى لو توقفت المعارك.

ثامنًا: العدالة الانتقالية ليست حدثًا بل عملية تراكمية

التجارب الدولية تُظهر أن المسار قد يبدأ ضعيفًا ومجزأً ثم يتوسع لاحقًا. في كثير من الدول الحقيقة بدأت قبل الاستقرار الكامل، والتوثيق سبق المحاسبة، والمصالحة احتاجت سنوات طويلة. المهم هو ألا تبقى ليبيا رهينة فكرة “لن نبدأ حتى تنتهي الأزمة بالكامل”. لأن الأزمة نفسها تتغذى من غياب الحقيقة والعدالة.

تاسعًا: أخطر ما يجب تفكيكه هو “ثقافة الخوف”

النظام الجماهيري ترك خوفًا من الكلام، وخوفًا من الدولة، وخوفًا من الآخر، وخوفًا من الحقيقة نفسها. ثم جاءت الحروب بعد فبراير لتعمّق هذا الخوف. ولذلك فإن أي مسار حقيقي يجب أن يمنح الليبيين مساحة آمنة للكلام، والاعتراف، والحزن، والاختلاف دون تهديد. فهذه ليست مسألة حقوقية فقط، بل إعادة بناء للنفس الوطنية الليبية.

وفي تقديري، فإن نقطة البداية الواقعية في ليبيا ليست “المصالحة السياسية الشاملة”، بل الحقيقة، وملف المفقودين، وحماية الذاكرة، والاعتراف المتبادل بالألم، وبناء مؤسسات صغيرة موثوقة تتوسع تدريجيًا. لأن الدولة المدنية لا تولد دفعة واحدة، بل تُبنى عبر استعادة ثقة الناس بأن القانون يمكن أن يحميهم بدل أن يخيفهم.

يتبع

___________

Related Articles