غدير العباس

لم يعد العنف ضد المرأة في ليبيا مجرد ظاهرة اجتماعية، بل تحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة الذكورية وترسيخ التسلسل الهرمي السياسي والاجتماعي. السياسات والقوانين السائدة لا تكتفي بالتغاضي عن هذا العنف، بل تمنحه شرعية ضمنية.

العنف ضد النساء متجذر في المجتمع الليبي، يتجاوز حدود البيت والمجتمع ليجد دعمه في الأيديولوجيا السياسية والمؤسسية التي تقوم على التمييز الجنسي. هذا التمييز أصبح قاعدة لتبرير العنف، فيما أدت الانقسامات العميقة في بنية الدولة إلى نظام قمعي يصعب على النساء الفكاك منه.

القوانين والسياسات المتجزئة، التي تهيمن عليها عقلية ذكورية، أعادت إنتاج ثقافة العنف وأقصت النساء من المجال العام. ومع تصاعد النزعة الدينية والجنسانية، جُرّت النساء إلى حرب ليست حربهن، وتعرضن لأشكال متعددة من العنف، بينما حاصرتهن الدولة بلوائح قانونية تحدّ من وجودهن الاجتماعي والسياسي.

 دولة مجزئة وخيبات أمل

منذ 2011، غرقت ليبيا في انقسام سياسي وأمني حاد. السلطة موزعة بين حكومات متنافسة، جماعات مسلحة، وجهاز أمني مفكك. في الشرق، يفرض خليفة حفتر نموذجاً عسكرياً صارماً، بينما في الغرب تعمل حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد دبيبة تحت سطوة الميليشات.

هذا التشرذم جعل الإفلات من العقاب أمراً مألوفاً، وحوّل البلاد إلى ساحة صراع دولي وتجاري. في ظل هذه الظروف، أصبح العنف ضد المرأة وسيلة للسيطرة، فيما تُعرّف السياسة القبلية المرأة بالولاء، مما يجعل وصولها إلى العدالة شبه مستحيل. ومن أبرز مظاهر هذا القمع: حظر السفر، وحملات التشهير المنظمة عبر الإنترنت.

النساء بين النزوح والمقاومة

تتجلى مأساة النساء في قلب النزاعات والانقسامات. منذ سقوط النظام، واجهت النساء نزوحاً جماعياً من مدن مثل تاورغاء ومرزوق وسبها، حيث عانت آلاف العائلات من فقدان المأوى والأمان. ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، ارتفع عدد النازحين والمهاجرين داخلياً إلى أكثر من 858 ألفاً مطلع 2025، بزيادة عن العام السابق، وتشكل النساء والأطفال حوالي 22% من هذا العدد، ما يبرز هشاشتهم.

ورغم ذلك، لم تتراجع النساء؛ فقد شاركن في جهود الوساطة بين القبائل والجماعات المسلحة، وقدمن دعماً نفسياً واجتماعياً للنازحين. واليوم، يرفعن أصواتهن مطالبات بأن يكون حضورهن الفاعل جزءاً أساسياً من أي مشروع للاستقرار الوطني.

تصاعد العنف في ليبيا

مع تفكك ليبيا عبر السنوات إلى مناطق نفوذ متنافسة، أصبح العنف القائم على النوع الاجتماعي من أكثر الظواهر تجاهلاً وتفاقماً. ومع اتساع رقعة العنف داخل المنازل والشوارع ومراكز الاحتجاز والمخيمات، تراجعت أولويات الدولة السياسية والأمنية عن معالجة هذه القضية.

وفي ظل تغيّر موازين القوى باستمرار، تتحمل النساء والفتيات الكلفة الأكبر لغياب الاستقرار. ويزيد على ذلك غياب أساس دستوري يحمي حقوق المرأة ويعاقب مرتكبي العنف من خطورة الوضع.

تشير الشهادات الميدانية وتقارير حقوق الإنسان إلى أن العنف لم يعد محصوراً في أنماطه التقليدية، بل تجاوز الأعراف الاجتماعية والنزاعات الأسرية ليأخذ أشكالاً أكثر تعقيداً.

انهيار البنية الأمنية، وجرائم الجماعات المسلحة، وضغوط الأزمة الاقتصادية كلها عوامل ساهمت في تفاقم العنف الجسدي والنفسي والجنسي ضد النساء. وغالباً ما تُبرَّر هذه الممارسات بذريعة خصوصية الأسرة، فيما تختار كثير من الناجيات الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية.

 مؤشرات مقلقة في عام 2025

البيانات الصادرة عن مركز المعلومات والتوثيق التابع لوزارة الداخلية في المنطقة الشرقية تكشف عن مستويات مقلقة من العنف، لا تقتصر على النساء وحدهن، بل تشمل الرجال والأطفال أيضاً. وخلال الأشهر الثلاثة الماضية سُجلت: 28 حالة وفاة غامضة، 127 جريمة قتل عمد، 33 جريمة قتل إضافية، 7 اعتداءات جنسية على أطفال (مُبلّغ عنها فقط)، 26 حالة اختطاف.

كما بلغت حالات الإيذاء الجسدي الجسيم” 224 حالة، مقابل 161 حالة إيذاء جسدي بسيط“. ورغم طلب توضيحات حول تعريف هذه التصنيفات وإحصاءات منفصلة تخص النساء، رفض المركز الإدلاء بأي تصريح، ما يعكس حالة من الغموض والسرية المحيطة بالبيانات الرسمية.

العنف المتجذّر في البنية الأسرية

تتبع الحالات الفردية يكشف أن العنف لا يبدأ دائماً بفعل جسدي مباشر، بل يتجذر في بنية اجتماعية تُعيد إنتاج الأدوار التقليدية وتُشرعن هيمنة الذكور في مختلف مجالات الحياة اليومية.

هذا التشابك بين العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية يجعل مواجهة العنف مهمة معقدة تتطلب إصلاحات شاملة، تشمل: تطوير التشريعات وتفعيلها بصرامة، إطلاق حملات توعية مجتمعية واسعة، تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، تمكين المؤسسات القادرة على التعامل مع الجناة باحترافية.

وبحسب تقرير منظمة العفو الدولية المقدم إلى لجنة الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في حزيران/يونيو 2024، فإن انتشار الانتهاكات وغياب الأطر القانونية الفعالة يضع النساء في ليبيا بين أكثر الفئات عرضة للخطر في مختلف المناطق.

العنف في مراكز الاحتجاز

تعد ليبيا نقطة عبور رئيسية للمهاجرين وطالبي اللجوء، وكثير منهم يواجهون مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال، لا سيما النساء والفتيات، ويتخذ العنف ضد النساء والفتيات اللاجئات شكل الاغتصاب، والاعتداء الجنسي، والإساءة النفسية، والعاطفية، ولا يكون الاعتداء الجنسي في العادة حدثاً واحداً، حيث تتعرض اللاجئات والمهاجرات بشكل متكرر لأشكال متعددة من العنف الجنسي على يد مجموعة من الجناة، ونظراً للطبيعة العابرة لهذه المجموعات، فإن جمع بيانات شاملة عن العنف الذي تتعرض له النساء والفتيات المهاجرات يمكن أن يكون صعباً للغاية.

فوراء جدران مراكز الاحتجاز في ليبيا، تتكشف مآسٍ صامتة. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية وثّقت في عام 2025 وجود جثث تحمل آثار تعذيب في مواقع احتجاز بطرابلس، إضافة إلى أدوات تشير إلى ممارسة منهجية للعنف الجسدي والاختفاء القسري.

هذه المآسي والاكتشافات لم تكن مفاجئة، بل جاءت لتؤكد ما رواه شهود عيان وناجون عن ظروف احتجاز غير إنسانية، حيث يُمارس التعذيب كأداة للسيطرة والإذلال، وفي مراكز أخرى، خصوصاً تلك المخصصة للمهاجرين غير النظاميين، تتكرر شهادات عن الاغتصاب والعمل القسري والابتزاز المالي.

قوانين دولة الرجل الواحد

تفتقر ليبيا إلى إطار قانوني شامل يتناول العنف القائم على النوع الاجتماعي. ورغم الوعود المتكررة بإصلاح النظام القانوني، فإن التشريعات الحالية لا تزال عاجزة عن حماية النساء، بل تُكرّس التمييز وتُعيق العدالة.

فمشروع قانون منع العنف ضد المرأة، الذي طُرح عام 2017، ما زال معلقاً حتى اليوم، فيما تُظهر القوانين السارية ثغرات خطيرة.

يعرف القانون الليبي جريمة الاغتصاب بأنها اعتداء على الشرف والأخلاق، وهو تعريف يختزل الجريمة في إطار أخلاقي ضيق، متجاهلاً انتهاكها للحرية الجسدية والكرامة الإنسانية. كما أن القانون لا يعترف بالاغتصاب الزوجي، مما يُشرعن أحد أكثر أشكال العنف شيوعاً داخل الأسرة.

والأسوأ أن السماح للجاني بالزواج من الضحية يُتيح له الإفلات من العقاب، ويحوّل القانون إلى أداة لإسكات النساء وإجبارهن على المصالحة القسرية.

هذه الثغرات لا تكشف فقط عن قصور تشريعي، بل تُظهر نظاماً قانونياً يُعطي الأولوية لسمعة الرجل على حساب حقوق المرأة، ويُعرّض النساء لمزيد من العنف. وفي ظل مجتمع يُحمّل النساء مسؤولية ما يتعرضن له، تُجبر كثيرات على الصمت خوفاً من الوصمة الاجتماعية. كما أن مراكز الدعم النسائية شبه غائبة، وآليات المساندة النفسية والقانونية غير واضحة.

العنف ضد المرأة لا يقتصر على المجال الخاص، بل يُمارس علناً وبشكل منهجي عبر وسائل الإعلام الرقمية، حيث تُستخدم حملات التشهير والابتزاز لإرهاب النساء وإخضاعهن.

ورغم طرح مشاريع قوانين في المؤتمرات الأكاديمية والندوات البرلمانية، فإن هذه الجهود غالباً ما تبقى حبراً على ورق. فالانقسامات السياسية العميقة تُعيق اعتماد أي لوائح فعلية، بينما يظل الدعم الدولي في كثير من الأحيان استشارياً لا يتجاوز حدود النصائح.

 التدين وتزايد القيود

لم تقتصر السلطات الدينية والسياسية في ليبيا على تعطيل مسار القوانين التي تكفل حقوق المرأة، بل ذهبت أبعد من ذلك عبر إطلاق حملات تشويه وإصدار فتاوى تقييدية. ومن أبرز هذه الفتاوى ما صدر عن دار الإفتاء عام 2023، حيث جرى تحريم استخدام مصطلح الجندربحجة تعارضه مع القيم الدينية.

تحت ضغط هذه التوجهات، أُلغي التوقيع المزمع على مذكرة تفاهم بين وزارة شؤون المرأة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والتي كان من المفترض أن تُفعّل أجندة المرأة والسلام والأمن. وهكذا، تحولت الضغوط الدينية والسياسية إلى أداة لإجهاض أي محاولة لإرساء إطار قانوني أو مؤسسي يعزز مشاركة النساء ويحمي حقوقهن، مما عمّق الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المعيش.

كما أثار قرار وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنيةالليبية المؤقتة عماد الطرابلسي في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، جدلاً كبيراً في ليبيا بعد دعوته إلى فرض الحجاب على النساء ومنع الاختلاط بين الجنسين في الأماكن العامة، بحجة ترسيخ القيم الأخلاقيةفي المجتمع الليبي، ومطالبته بتفعيل شرطة الآداب في الشوارع وملاحقة أي محتوى غير لائق على منصات التواصل الافتراضي.

ويعود تاريخ نشأة شرطة الآداب في ليبيا إلى فترة حكم معمر القذافي، وتتمثل في قوة أمنية من الرجال والنساء المكلفين بمراقبة السلوكيات العامة، وضمان التزام الأفراد بالمعايير الاجتماعية والدينية المتعارف عليها.

ورغم ضعف هذا الجهاز الأمني وإدارته من قبل شخصيات متعصبة، إلا أن محاولات إنعاشها من قبل الحكومات المتعاقبة مستمرة منذ عدة سنوات.

وتعد هذه القرارات بدون أساس قانوني، وتعد خرقاً لحقوق الإنسان، حيث أن الحريات الأساسية مثل حرية التنقل وحرية اختيار الملبس مكفولة ما دامت لا تتعارض مع النظام العام والآداب العامة، باستثناء الحالات التي ينص فيها القانون بوضوح على زي معين مثل الزي المدرسي أو ملابس المؤسسات الخاصة.

يتبع

_____________

مقالات