راضية زبانة

يتجلى يوما بعد يوم، الدور التدميري الذي تمارسه الإمارات العربية المتحدة في الساحتين الليبية والسودانية.
فبدل أن تتجه أبوظبي نحو دعم مسارات الاستقرار، تحوّلت إلى فاعل مركزي في شبكات الدعم العسكري والسياسي التي تغذي الصراعات الممتدة عبر شمال إفريقيا، معتمدة على علاقتها الوثيقة باللواء خليفة حفتر لتأسيس نفوذ يقوم على تفكيك البنى المحلية وإعادة تشكيل موازين القوى بطرق تزيد من هشاشة الدول المعنية.
وعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن محاربة الفوضى ودعم الحلول السياسية، تكشف الوقائع الميدانية عن سياق مختلف تماما؛ إذ اتجهت الإمارات إلى توظيف تحالفاتها العسكرية في ليبيا كمنصة لإعادة إنتاج الفوضى داخل السودان، مستغلة فراغ السلطة هناك لتمكين قوات الدعم السريع وتعزيز نفوذ مجموعات مسلّحة تتغذى على الأزمات.
ومع اتساع خطوط الإمداد التي تمر عبر شرق وجنوب ليبيا، اتخذ هذا التدخل بعدا أشد خطورة، بعدما تحول من دعم محدود لحفتر إلى شبكة تأثير ممتدة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية وممرات التهريب مع مسارات القتال، لتعيد رسم خريطة الصراع الإقليمي بطريقة تسهم في إطالة أمد الحروب وتفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة.
هذا التشابك لم يظهر فجأة، بل جاء نتيجة تراكم سنوات من العمل خلف الحدود، حيث بدأت الإمارات بتعزيز قدرات حفتر عسكريا ولوجستيا، قبل أن يتحوّل هذا الدعم إلى رافد مباشر لمجموعات مسلحة داخل السودان.
ومع تطور الحركة بين البلدين، لم تعد العلاقة بين الإمارات وحفتر محصورة في إطار الأزمة الليبية، بل أصبحت جزءا من شبكة ممتدة تتصل بمسارات التهريب في الجنوب الليبي وتفيض بدورها إلى العمق السوداني.
وهكذا تشكّل ما يشبه منظومة متكاملة من الإمداد العسكري، تتحرك فيها شحنات الوقود والعتاد عبر مسارات معقدة، لتصل إلى ميليشيات تمتلك طموحات تتجاوز المواجهة المحدودة داخل المدن السودانية إلى التأثير في موازين السلطة نفسها.
وفي خضم هذا التحول، تبرز إشارات المستشار الدبلوماسي أحمد علي عبد القادر الذي يوضح لـ “الأيام نيوز” أن تقارير أمريكية وصفت الدعم الإماراتي بأنه “أداة لتعزيز النفوذ داخل السودان“، وهو توصيف يضع الإمارات في قلب شبكة النفوذ التي أعادت تعريف مسار النزاع السوداني خلال العامين الماضيين.
فالدور الإماراتي، وفق هذا الطرح، لا يقتصر على دعم لاعب مؤثر في ليبيا، بل يشمل بناء امتدادات استراتيجية داخل بيئة سودانية هشّة تعاني فراغا مؤسساتيا واتساعا لنطاق الصراع المسلح.
في هذا السياق، يوضح المستشار الدبلوماسي أحمد علي عبد القادر في تصريحه لـ“الأيام نيوز” أن تقارير أمريكية اعتبرت الدعم الإماراتي “أداة لتعزيز النفوذ داخل السودان“، وهو توصيف يعكس حجم التأثير غير المباشر الذي تولّده الإمارات عبر بوابة حفتر. هذه الرؤية تكشف جانبا من البنية الخفية للدور الإماراتي، إذ لا يتعلق الأمر بتمكين رجل قوي في ليبيا فحسب، بل بتوسيع دائرة النفوذ إلى دولة أخرى تعيش حالة هشاشة وصراع مفتوح.
جسر الإمداد الإماراتي.. محرك الفوضى المتنقلة بين ليبيا والسودان
ومع اتساع خطوط الإمداد، تحولت العلاقة بين حفتر والإمارات إلى ما يشبه الجسر اللوجستي الذي يزوّد قوات الدعم السريع بالوقود والعتاد، مانحا إياها قدرة كبيرة على الحركة السريعة داخل مناطق واسعة من إقليم دارفور والمناطق الحدودية.
وقد ساهم ذلك في تعزيز انتشارها وسيطرتها على المدن والحواضر الريفية، وهو ما أدى إلى فرض واقع أمني جديد يصعب تجاوزه.
هذه التطورات جعلت الإمارات شريكا أساسيا في إعادة تشكيل البيئة الإقليمية، خصوصا أن دعمها لحفتر مكّن الأخير من خلق شبكات نفوذ تمتد إلى جنوب ليبيا حيث تنشط طرق التهريب المعقدة المرتبطة بالوقود والسلاح.
وبما أن هذه الشبكات نفسها تُستخدم في تغذية قوات الدعم السريع، فإن الهيكل العملياتي للنزاع السوداني بات جزءا من منظومة إقليمية تتجاوز التحكم المحلي.
وفي هذا الإطار، يؤكد عبد القادر في جزء آخر من تصريحه أن الدعم الإماراتي لحفتر “شكل عاملا أساسيا في تعزيز القدرة العسكرية لقوات الدعم السريع“، وأنه مكّنها من توسيع سيطرتها “بشكل غير مسبوق“، لافتا إلى أن هذا التدخل “يضعف الدولة المركزية” ويحوّل الميليشيا إلى لاعب مستقل له ثقل سياسي داخل السودان.
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التحول إلى ديناميكية جديدة في الصراع السوداني، إذ لم يعد النزاع محصورا في مواجهة بين القوات المسلحة والدعم السريع، بل أصبح مرتبطا بما أسماه عبد القادر “ديناميات إقليمية تزيد من صعوبة التوصل إلى حلول محلية“.
فالقدرة على الحصول على الدعم الخارجي، خصوصا في ما يتعلق بالوقود والعتاد، منحت قوات الدعم السريع مساحة أوسع للمناورة وقللت من اعتمادها على الموارد المحلية.
وهذا ما جعلها قادرة على خوض عمليات طويلة الأمد وشن هجمات مفاجئة ومرنة في مناطق حساسة، الأمر الذي عمّق الأزمة الإنسانية ورفع منسوب المخاطر على المدنيين، وفتح الباب أمام انتهاكات متزايدة وعمليات تهجير واسعة.
ومع انتقال التحليل نحو تقييم الأثر الأوسع لهذا التدخل، يتبين أن الموقف الإماراتي لا يقف عند دعم حفتر في ليبيا، بل يمتد ليصبح جزءا من استراتيجية تتقاطع فيها أهداف سياسية واقتصادية وأمنية تمتد إلى السودان.
ويصف عبد القادر هذا الدور بأنه “خط استراتيجي يعيد تشكيل المشهد الأمني والسياسي في السودان“، مشيرا إلى أن الدعم الإماراتي عبر حفتر “يجعل الأزمة السودانية واحدة من أبرز ساحات التشابك الإقليمي الاستراتيجي” في شمال وشرق إفريقيا.
وفي امتداد للقراءة نفسها، يأتي تحليل الأستاذ المتخصص في القانون الدولي، ماهر ميخائيل، الذي يقدّم زاوية مختلفة تركّز على الجانب اللوجستي وتأثيره العملياتي.
ويبيّن في حديثه لـ“الأيام نيوز” أن إمدادات الوقود القادمة من فصائل جنوب ليبيا المرتبطة بحفتر لم تعد نشاطا تجاريا هامشيا، بل أصبحت “عنصرا حاسما في تعزيز القوة العملياتية لقوات الدعم السريع داخل إقليم دارفور“.
فهذه الإمدادات تتيح تشغيل الآليات الثقيلة والمولدات وتموين الوحدات المنتشرة في مناطق يصعب الوصول إليها، ما مكّن قوات الدعم السريع من الحفاظ على زخم هجومي متواصل والسيطرة على مدن محورية مثل الفاشر، وهي مدينة ذات أهمية سياسية ورمزية كبيرة في غرب السودان.
خط وقود واحد.. يمتد من بنغازي إلى قلب دارفور
ويمضي ميخائيل في إيضاح هذه النقطة من خلال الربط بين توفر الوقود وقدرة الكتائب على البقاء في الخطوط الأمامية لفترات طويلة دون الحاجة للعودة إلى قواعد خلفية. فالإمدادات المنتظمة تقلل من قيود المسافة وتخلق شبكة ترابط بين خطوط الإمداد
ومخازن السلاح ونقاط الصيانة، وهو ما يوفر للقادة الميدانيين قدرة على المناورة تتفوق على الفصائل التي تعتمد على تموين محلي غير مستقر. هذا الفارق كان له أثر حاسم في موازين السيطرة داخل مناطق التماس.
وعند الانتقال إلى التقييم السياسي، يوضح ميخائيل أن الدور الإماراتي في دعم حفتر منح الأخير قدرة على تعزيز بنيته اللوجستية والعسكرية، الأمر الذي انعكس تلقائيا على قدرات شبكات التهريب التي تخدم قوات الدعم السريع.
وهو يورد هنا تقارير دولية مثل تحقيقات “سي.إن.إن” و“الغارديان” و“Conflict Armament Research”، والتي تحدثت عن “تأثير سياسي وعملياتي واضح” لأبوظبي في ليبيا لصالح حفتر.
كما يشير إلى أن بعض الاتهامات الواردة في تلك التقارير تتعلق باستخدام شركات طيران خاصة ومسارات لوجستية غير مباشرة سمحت بمرور شحنات حساسة نحو مناطق قريبة من الحدود السودانية، رغم نفي الإمارات لأي دعم عسكري غير مشروع.
وتظهر أهمية هذه التفاصيل عندما نربطها بنتائجها المباشرة على أرض الواقع. فاستمرار تدفق الموارد – لا سيما الوقود – ساعد قوات الدعم السريع على تنفيذ حملات متتابعة تعتمد على الإمداد المتواصل، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة وانهيار إضافي للبنى التحتية الإنسانية في دارفور.
ويربط ميخائيل بين هذه الديناميكية وبين الجرائم الواسعة ضد المدنيين وسقوط مدن تحت سيطرة الدعم السريع، وهو ما وثقته تقارير منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش ووكالات الأمم المتحدة.
ومع توسّع رقعة التحليل، يتضح أن تهريب الوقود نفسه تحوّل إلى تهديد للأمن الإقليمي، وليس السوداني فقط. فالعائدات المتولّدة عنه أصبحت مصدر تمويل اقتصادي ينعش اقتصاد الظل، ويعزز قدرة الجماعات المسلحة على شراء السلاح ودفع رواتب مقاتليها، ما يخلق دورة متواصلة من العنف يصعب وقفها.
كما يؤدي خروج الوقود من الأسواق المحلية في ليبيا وتشاد والسودان إلى اضطرابات في أسعار الطاقة، ويقوي شبكات الفساد العابرة للحدود، ويمنح أطرافا غير حكومية دورا أكبر في التأثير على مؤسسات الدولة.
وعلى ضوء هذه التطورات، يتفق تحليل عبد القادر وميخائيل على أن التدخل الإماراتي – سواء عبر دعم حفتر مباشرة أو عبر القنوات اللوجستية التي تخدم قوات الدعم السريع – أسهم في تعقيد الصراع السوداني وتحويله إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية.
فالنتيجة النهائية ليست فقط إطالة أمد الحرب، بل إضعاف فرص الحل السياسي وتحويل السودان إلى مسرح تتفاعل فيه شبكات التهريب والميليشيات والمصالح الجيوسياسية، بما يجعل مستقبل الدولة السودانية مرتبطا بصورة وثيقة بما يجري خارج حدودها بقدر ارتباطه بما يجري في الداخل.
_____________