عمر الكدي
انتبهت في فترة مبكرة إلى وجود كلمات فارسية في اللهجة الليبية، مثل روشن التي تعني المنور في الفارسية، وكلمة رشتة مثل رشتة الكسكاس ورشتة البرمة، والتي تعني في الفارسية خيوط العجين، على الرغم من عدم وجود اتصال مباشر بين الفرس والليبيين، إلا في العصر الحديث بعد استقلال ليبيا.
ثم اكتشفت أن اسم مدينة القيروان التي أسسها عقبة بن نافع في تونس العام 670 م، تعني في الفارسية المعسكر، وكانت القيروان في بداياتها مدينة عسكرية، وقاعدة للانطلاق نحو بقية المغرب الكبير.
هذه المدينة ستشهد في العصر العباسي في عهد أبي جعفر المنصور قدوم الجيش الخراساني بقيادة يزيد بن حاتم المهلبي، وهو حفيد القائد الأموي المهلب بن أبي صفرة، الذي أسهم في فتح خراسان وما بعدها
وبالتالي فإن أحفاده أقاموا في خراسان وانضموا لجيش أبي مسلم الخراساني الذي قضى على الدولة الأموية، مما يعني أنهم تخرسنوا على الرغم من أصولهم الأزدية العربية، وبلغ قوام الجيش الخراساني في القيروان زهاء ثلاثين ألفا من الخراسانيين وعشرة آلاف من العرب الخراسانيين، وهذا يعني أنهم أحضروا معهم التقاليد والثقافة الفارسية من خراسان مباشرة إلى القيروان، ومنها إلى جميع دول المنطقة.
وخلال تتبعي لهذه المسألة عثرت على ملخصات لكتاب «العلاقات بين تونس وإيران عبر التاريخ»، للمؤرخ التونسي عثمان الكعاك الذي ولد في تونس وتوفي في الجزائر العام 1976، وفي هذا الكتاب يرصد الكعاك التأثيرات الفارسية في اللهجة التونسية.
وبسبب الهجرة بين تونس وليبيا انتقلت هذه التأثيرات إلى الشخصية الليبية، فكلما يضيق الحال في تونس يهاجر التوانسة إلى ليبيا أو إلى الجزائر، وكلما ضاقت الأحوال في ليبيا يهاجر الليبيون وخاصة من المنطقة الغربية إلى تونس.
ويؤكد الكعاك أن الشاشية جاءت من بلدة شاش في إيران، ومن هناك دخلت إلى ليبيا وتونس ورحلت عبر المتوسط إلى صقلية والأندلس خلال الدولة الأغلبية، ثم عادت مع الأندلسيين إلى تونس وليبيا، إلا أنها عرفت في ليبيا باسم الطاقية أو الكبوس أو الشنة مع اختلافات في التصميم.
كما أن الزربية وصلت مع هؤلاء المحاربين لتستوطن البلدين، فخلال الدولة الأغلبية والحفصية كانت تونس وليبيا جزأ من تراب هاتين الدولتين، كما وصل الحرير من الصين عبر إيران إلى تونس وليبيا، ووصلت معه شجرة التوت التي يتغذى على أوراقها دود القز الذي ينتج الحرير.
كما وصلت شجرة النارنج، أو البرتقال المر أو أبوصفير أو الشفشي، وفيما بعد انتقلت هذه الشجرة إلى الأندلس، وتمكن البرتغاليون من تطعيمها وإنتاج أنواع جديدة، ولأنها جاءت من البرتغال فاطلقوا على الفاكهة اسم البرتقال، بينما كلمة النارنج هي تحريف لأسم إقليم في الصين يسمى أورانج مشهور بإنتاج الحمضيات.
ومن هناك حمله الأوروبيون إلى أوروبا وأطلقوا عليه اسم أورانج، بينما لا يزال الهولنديون يسمونه «سيناس أبل»، أي تفاح الصين، وعندما عثروا على نوع أصغر من البرتقال «الكيني»، أطلقوا عليه اسم اللغة الأكثر انتشار في الصين وهي لغة الماندرين، ووصل إلى مصر في زمن محمد علي عن طريق أحد العسكريين ويدعى يوسف أفندي، فأمر محمد علي أن يسمى هذا الثمار باسم يوسف أفندي، في حين عرف في الشام باسم اليوسفي.
ثم توالت المفردات الفارسية لتغزو لغة العرب، وخاصة في كل ما له علاقة بالإدارة، فكلمة ديوان وجمرك ودفتر وروزنامة ونموذج ونقود جميعها كلمات فارسية.
وعلى الرغم من أن المفسرين انتبهوا مبكرا إلى وجود كلمات فارسية في القرآن الكريم، مثل استبرق وسندس وبستان وأبريق وفردوس وسجيل وزنجبيل.
إلا أنني في هذا المقال أحاول تتبع الكلمات التي وصلت إلى اللهجة الليبية مباشرة من الفارسية، ومن بينها كلمة ليان الذي يستخدم في الاستحمام، بل إن كلمة حمام أيضا فارسية، والشطرنج وصل مع الجيش الخراساني، ومعه وصلت المخربقة.
أما كلمة خندق فدخلت إلى اللغة العربية منذ أن اقترح الصحابي سلمان الفارسي حفر خندق حول المدينة، خلال الغزوة التي عرفت بغزوة الخندق أو غزوة الأحزاب، ولكن كلمة الزليج وتنطق زليز أي البلاط في اللهجة الليبية جاءت مع جيش القيروان، مثلها مثل كلمة شيشمة التي تنطق في الفارسية كيجمة وتحولت إلى شيشمة، ولأنها كانت موجودة في الشارع ولم تصل إلى البيوت، أطلق عليها التوانسة اسم السبالة.
أما الليبيون فسموها شيشمة ثم استخدموا كلمة صنبور وحنفية القادمة من مصر، وكلمة شيشمة ربما تكون وصلت محرفة عن طريق الأتراك، مثلها مثل كلمة كاشيك التي تنطق في التركية كاشوجة، وتحولت في اللهجة العراقية إلى خاشوقة.
يؤكد الكعاك أن الفينيقيين أحضروا معهم التفاح والرمان، بينما لم يكن يوجد في المناطق الأمازيغية إلا التين والزيتون، وأحضر الخراسانيون معهم الفستق واللوز والكستناء والبرقوق بالإضافة إلى الحمضيات.
كما وصلت الدقلة والتي نقلها الخراسانيون معهم من العراق، فكلمة دقلة هي تحريف لنهر دجلة، كما يؤكد الكعاك أن جميع أنواع الفسيفساء جاءت من إيران، بما في ذلك الحفر على الرخام والخشب، والتفريعات مثل الصور والتشجير والتزهير جاءت معهم.
كما وصل التصوف الفارسي إلى المنطقة على يد المتصوف الكبير عبدالقادر الجيلاني، وثمة تأثيرات شيعية في عموم المنطقة المغاربية خلال الدولة العبيدية في المهدية بتونس، قبل انتقالها إلى مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي.
وهي التقاليد التي لا يزال بعضها موجودا في ليبيا وتونس، مثل احتفالات المولد النبوي وعاشوراء، بل إن الكثير من الحلويات من بينها المهلبية أو المحلبية وصلت مع أحفاد المهلب، كما وصل الأرز وقصب السكر ومنه استخرجوا السكر وهي كلمة فارسية، وأرجح أن برقة عرفت الأرز قبل المنطقة الغربية، بسبب قربها من مصر التي عرفت زراعة الأرز العام 600 قبل الميلاد.
فإذا علمنا أن ملك الأخميين قمبيز بن قورش احتل مصر العام 550 قبل الميلاد، يمكننا استنتاج أن الأرز وصل مع هذه الحملة، وشق طريقه إلى برقة التي كانت جزأ من مصر في ذلك الوقت، وحتى الآن لايزال يقدم الأرز في برقة في كل المناسبات، بينما هو وجبة أسبوعية في المنطقة الغربية، ولا يقدم في المناسبات حيث يتصدر البازين والكسكسي.
وعلى الرغم من وجود الخراسانيين القصير نسبيا في المنطقة إلا أن أثرهم الحضاري كان كبيرا، مقارنة بمن جاء بعدهم من قبائل أولاد هلال وبني سليم.
_____________
