بقلم الشّايب

كيف يمكن لليبيا أن تتفادى كارثة جفاف آبار النهر الصناعي

ليبيا تمتلك أحد أكبر مخزونات المياه الجوفية الأحفورية في العالم ضمن ما يعرف بنظام الحجر الرملي النوبي الجوفي، وأن جزءاً كبيراً من هذه المياه تراكمت خلال فترات مناخية أكثر رطوبة قبل آلاف السنين، وبعضها يعود إلى عشرات الآلاف من السنين وربما إلى العصر الجليدي الثاني.

النظام الجماهيري أصر على مشروع النهر الصناعي العظيمرغم أن خيارات أخرى طُرحت ولكنها رُفضت، لأن الهدف من صرف مليارات الدولارات كان بالدرجة الأولى لتعزيز غرور القذافي، وليس توفير المياه للمناطق الأكثر كثافة سكانية في الساحل الليبي حيث لو كان هذا هو الهدف الحقيقي لكان من المناسب تنفيذ مشاريع التحلية في المدن الكبيرة على الشريط الساحلي بأقل تكلفة من نقل المياه في أنابيب تحت رمال الصحراء

الخيارات الأخرى التي طُرحت في نقاشات علمية في الجامعة الليبية حول أفضل طريقة لاستغلال هذه الموارد المائية، ورُفضت، كان أهمها استغلال المياه للتنمية المكانية في الجنوب مع توطين السكان والأنشطة الاقتصادية لكونها قريبة من مصادر المياه، والاعتماد التدريجي على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجات المدن الساحلية، وبالتالي كان من الممكن الحفاظ على المخزون الجوفي للمشاريع التنموية الاستراتيجية في الجنوب والوسط، خاصة أن المخزون هو المصدر المائي المضمون للأجيال القادمة.

طبعا كثير من المحسوبين على النظام طبلوا لمشروع النهر العظيم!!والذي وصف بـ الأعجوبة الثامنة في العالم” تأييدا للقائد العظيم!! وأصروا على أنه حل سريع وأقل تكلفة من التحلية، رغم أن التحليلات العلمية الرصينة أكدت غير ذلك، وقد حذر بعض المتخصصين من استنزاف المياه الأحفورية غير المتجددة.

وبعد 2011 تبين أن بعد عقود من استنزاف النهر الصناعي أصبحت مدن مثل طرابلس وبنغازي ومدن أخرى تعتمد بالكامل على هذه المنظومة، ما يجعل إيقافها أمراً غير واقعي، رغم أنها ذاهبة بسرعة لكارثة مائية ستتورط فيها الأجيال القادمة.

التحدي الحقيقي أمام ليبيا يتمثل في الحفاظ على البنية التحتية للنهر الصناعي وصيانتها، وتقليل الهدر الكبير في شبكات التوزيع، والتوسع التدريجي في تحلية مياه البحر على الساحل، وإعادة استخدام المياه المُعالَجة في الزراعة والصناعة، وإعادة النظر في الأنماط الزراعية ذات الاستهلاك المرتفع للمياه. هذه الإجراءات تتطلب وضع استراتيجية طويلة المدى لإدارة المخزون الجوفي باعتباره مورداً ناضباً.

ومن هذه الزاوية يمكن القول إن المشكلة ليست أن ليبيا حفرت النهر الصناعي فحسب، بل أنها لم تنفذ بالتوازي استراتيجية وطنية للتحلية وترشيد الاستهلاك وتنويع مصادر المياه. فلو استُخدمت العقود الماضية لبناء منظومة متكاملة للمياه، لكان الاعتماد على المياه الأحفورية اليوم أقل خطورة.

لذلك فإن الخطر المستقبلي لا يتمثل فقط في احتمال نضوب بعض الحقول المائية، بل أيضاً في استمرار الاعتماد شبه الكامل على مصدر واحد للمياه (كما هو الحال في الاعتماد على النفط) دون بناء بدائل استراتيجية قادرة على تأمين احتياجات الأجيال القادمة.

ولذلك البلد تحتاج إلى خطة استراتيجية للتعامل مع أسوأ الاحتمالات تنمويا واقتصاديا وأمنيا خاصة أن الناس يعتقدون أن هناك نهر حقيقي تحت الصحراء وأنه سيستمر إلى الأبد.

إذاً جوهر القضية ليس هندسياً فقط، بل استراتيجيا أيضاً. فالمشكلة الحقيقية أن جزءاً كبيراً من الرأي العام يتعامل مع النهر الصناعي وكأنه نهر متجدد يشبه نهر النيل، بينما هو في الواقع منظومة ضخمة لاستخراج مخزون مائي أحفوري محدود من باطن الأرض، وليس هناك أي مصدر آخر يعوض ما تم استنزافه من المخزون.

إذا أردنا التفكير بمنطق إدارة المخاطر الوطنية، فإن السؤال الصحيح ليس: هل ستنتهي المياه غداً أو بعد عام أو قرن؟بل: ماذا لو تراجعت قدرة الحقول المائية أو ارتفعت تكلفة استخراجها أو تعرضت منظومة النقل لأضرار كبيرة خلال العقود القادمة؟ لذلك ليس أمام ليبيا إلا أن تضع استراتيجية وطنية مبنية على أسوأ السيناريوهات، وليس على أفضلها.

السيناريو الأسوأ الذي يجب الاستعداد له هو انخفاض إنتاج بعض الحقول الجوفية تدريجياً، وارتفاع ملوحة بعض الآبار، وزيادة عدد السكان والطلب على المياه، واستمرار التوسع العمراني على الساحل، وتعرض خطوط النهر ومحطاته لأعطال أو أعمال تخريب، وتغيرات مناخية تزيد الضغط على الموارد المائية.

في هذه الحالة تتحول أزمة المياه إلى أزمة تنموية اقتصادية، وأزمة أمن قومي مما يؤدي إلى أزمة استقرار اجتماعي.

ماذا كان يفترض أن يحدث؟ كان من المفترض أن يكون النهر الصناعي جسراً انتقالياًيمنح ليبيا عدة عقود لبناء بدائل مستدامة، لا أن يصبح المصدر شبه الوحيد للمياه.

خلال تلك العقود كان ينبغي بناء محطات تحلية ضخمة على الساحل، تطوير تقنيات إعادة استخدام المياه المعالجة، إنشاء مدن ومشاريع إنتاجية في الجنوب قرب مصادر المياه، إصلاح شبكات التوزيع التي تهدر كميات كبيرة من المياه، وتغيير الثقافة الاستهلاكية للمياه.

الخطة الوطنية المطلوبة اليوم:

المرحلة الأولى: إجراء مراجعة علمية مستقلة للمخزون المائي، ونشر بيانات شفافة للرأي العام، وتقليل الفاقد في الشبكات، والبدء في تنفيذ مشاريع تحلية استراتيجية في طرابلس وبنغازي ومصراتة.

المرحلة الثانية: جعل التحلية مصدراً رئيسياً للمياه الحضرية، وتخصيص مياه النهر أكثر للزراعة والصناعات الضرورية، وإنشاء شبكة وطنية لإعادة استخدام مياه الصرف المعالَجة.

المرحلة الثالثة: تخفيض الاعتماد على المياه الأحفورية إلى أدنى مستوى ممكن، واعتبار المخزون الجوفي احتياطياً استراتيجياً للأجيال القادمة والطوارئ.

المشكلة الثقافية والسياسية: في رأيي، التحدي الأكبر ليس تقنياً بل ثقافي وسياسي. فكما أن ليبيا ورثت من حقبة الجماهيرية أوهاماً مرتبطة بالنفط باعتباره مصدراً لا ينضب للثروة، فقد ورثت أيضاً تصوراً بأن النهر الصناعي حل دائم لمشكلة المياه. والحقيقة أن المشروع، مهما كانت قيمته الهندسية، لا يغير الطبيعة الأساسية للمورد نفسه.

نحن نتحدث عن خزان مائي يُستهلك ولا يتجدد

ولهذا فإن النقاش حول هذا الموضوع مهم للغاية، لأنه ينقل التفكير من سؤال: كيف نحافظ على النهر الصناعي؟ إلى سؤال أعمق: كيف نؤمن مستقبل ليبيا المائي والاقتصادي إذا لم يعد النهر الصناعي قادراً على تلبية الاحتياجات الحالية بعد عدة عقود؟

وهذا النوع من التفكير الاستباقي هو ما يميز الدول التي تتجنب الأزمات قبل وقوعها عن الدول التي لا تبدأ في التخطيط إلا بعد أن تصبح الأزمة واقعاً لا يمكن تجاهله.

المشكلة تفاقمت بأن الثقافة السائدة أن مياه النهر لن تنتهي وهي تُستَهلَك بدون ثمن فالمواطن يفعل ما يريد بمياه النهر ولا يدفع أي درهم. وهنا ربما نصل إلى أحد أخطر الآثار لمشروع النهر الصناعي: ليس الأثر الهندسي أو المالي فقط، بل الأثر الثقافي والسلوكي.

فعندما يحصل المواطن على المياه بشكل مجاني، ودون عدادات دقيقة، ودون ربط بين الاستهلاك والتكلفة، تتكون قناعة ضمنية بأن المياه مورد لا قيمة اقتصادية له. ومع مرور الزمن تتحول هذه القناعة إلى ثقافة عامة.

وهذا يشبه إلى حد كبير ما حدث مع النفط في ليبيا؛ إذ ترسخت لدى قطاعات واسعة من المجتمع فكرة أن الثروة تأتي من باطن الأرض تلقائياً، وأن الدولة هي التي تدفع دائماً. وفي حالة المياه ترسخت فكرة مشابهة مفادها أن المياه موجودة دائماً وستظل تتدفق دائماً.

والنتيجة هي الإفراط في ري الحدائق المنزلية، وتَسرُّبات تستمر لأيام أو أسابيع دون إصلاح، وغياب أدوات ترشيد الاستهلاك، واستعمال مياه عالية الجودة في أغراض لا تحتاج إلى هذه الجودة، وضعف الوعي بقيمة كل متر مكعب يتم سحبه من الخزان الجوفي.

المفارقة أن المواطن في كثير من الدول الصحراوية يدفع فاتورة مياه شهرية ويعلم أن لكل متر مكعب تكلفة إنتاج ونقل ومعالجة، بينما قد لا يدرك كثير من الليبيين أن وصول المياه إلى منازلهم يتطلب آباراً عميقة ومحطات ضخ وكهرباء وصيانة وآلاف الكيلومترات من الأنابيب.

لكن معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى حكمة سياسية واجتماعية كبيرة. فالانتقال المفاجئ من المياه المجانية إلى التسعير الكامل قد يثير رفضاً شعبياً واسعاً. لذلك تلجأ الدول عادة إلى نموذج تدريجي:

  1. توفير كمية أساسية لكل أسرة بسعر رمزي أو مدعوم.

  2. تركيب العدادات وقياس الاستهلاك الفعلي.

  3. رفع التعرفة تدريجياً على الاستهلاك المرتفع.

  4. فرض رسوم أعلى على الهدر والاستخدامات غير الضرورية.

  5. تخصيص إيرادات المياه لصيانة الشبكات ومشاريع التحلية.

بهذه الطريقة لا يُحرم المواطن من حقه في المياه، وفي الوقت نفسه يُرسل إليه سعر المياه إشارة اقتصادية مفادها أن المورد محدود وليس مجانياً.

ومن زاوية مشروع تفكيك آثار الجماهيرية، يمكن اعتبار هذه القضية مثالاً مهماً على الانتقال من ثقافة الريع إلى ثقافة إدارة الموارد. فالتحدي ليس فقط أن يعرف الناس أن مياه النهر قد تنضب يوماً ما، بل أن يدركوا أن كل مورد طبيعي — سواء كان نفطاً أو ماءً — له تكلفة وحدود ويحتاج إلى إدارة مسؤولة بين الأجيال.

فإذا بقي الاعتقاد السائد أن المياه لا تنتهيوالدولة ستتكفل بكل شيء، فإن أي خطة مستقبلية للأمن المائي ستواجه صعوبة كبيرة مهما كانت جودة الدراسات الفنية أو حجم الاستثمارات المخصصة لها. ونحن نبحث عن حلول قبل الكارثة وهذا في رأيي هو الإطار الصحيح للنقاش: البحث عن حلول قبل الكارثة وليس بعدها.

فالتاريخ يعلمنا أن الأزمات الكبرى لا تنشأ عادة بسبب نفاد المورد نفسه، بل بسبب تجاهل التحذيرات المبكرة وعدم الاستعداد للاحتمالات الصعبة. وعندما تصبح الأزمة ظاهرة للعيان يكون الوقت المتاح للحلول أقل بكثير والتكلفة أعلى بكثير.

في الحالة الليبية، لا ينبغي أن يكون الهدف إثبات أن النهر الصناعي خطأ أو صواب، بل الإجابة عن سؤال عملي: إذا كان 90% من الليبيين يعتمدون بشكل مباشر أو غير مباشر على مياه النهر، فكيف نضمن ألا يتحول أي تراجع مستقبلي في إنتاجه إلى أزمة وطنية؟

من هذا المنطلق يمكن بناء مشروع وطني حول الأمن المائي الليبييقوم على خمسة محاور:

الأول، تغيير الوعي قبل تغيير السياسات:

لا يمكن فرض إصلاحات مائية واسعة إذا كان المواطن يعتقد أن المياه لا تنتهي. لذلك يجب نشر حقيقة بسيطة: النهر الصناعي ليس نهراً متجدداً، بل منظومة لاستخراج مخزون مائي محدود. هذا ليس خطاب تخويف، بل خطاب مسؤولية.

الثاني، تحويل التحلية إلى مشروع سيادي:

ينبغي النظر إلى محطات تحلية البحر كما يُنظر إلى محطات الكهرباء أو المطارات أو الموانئ. فالهدف ليس استبدال النهر غداً، بل بناء بديل تدريجي يخفف الاعتماد عليه خلال العقود القادمة. وبحكم امتداد ليبيا على ساحل طويل على البحر الأبيض المتوسط فإن لديها ميزة جغرافية مهمة يمكن استثمارها.

الثالث، إصلاح منظومة التسعير دون الإضرار بالفقراء:

المطلوب ليس خصخصة المياه أو تحميل المواطن أعباء مفاجئة. بل توفير الحد الأدنى الضروري للجميع، ومحاربة الهدر، وربط الاستهلاك المرتفع بتكلفة أعلى، وتشجيع الترشيد.

الرابع، إعادة هيكلة الزراعة:

هذا ملف حساس لكنه ضروري فالسؤال ليس: كم نزرع؟ بل: ماذا نزرع؟ وكم تستهلك هذه المحاصيل من المياه؟ وما العائد الاقتصادي لكل متر مكعب من المياه المستهلكة؟

المياه الأحفورية مورد استراتيجي، وينبغي أن تُستخدم في الأنشطة ذات القيمة الأعلى

الخامس، إنشاء مجلس وطني للأمن المائي:

تتعاقب الحكومات وتتغير الأولويات، لكن ملف المياه يمتد لعشرات السنين. لذلك تحتاج ليبيا إلى مؤسسة وطنية مستقلة نسبياً تضم خبراء المياه، واقتصاديين، ومخططين عمرانيين، وخبراء في الأمن القومي، وممثلين عن البلديات والجامعات. وتكون مهمة الهيئة إعداد سيناريوهات حتى عام 2050، وليس فقط معالجة أزمات السنة القادمة.

___________

Related Articles