بقلم الشّايب

في زمن الجماهيرية، ليبيا اشتهرت بأوصاف في غاية السوء بسبب سياسات النظام الجماهيري المتهورة، ومن أهمها أن ليبيا تُمارس القمع في الداخل، وتُصدر وتَرعي وتَدعم الإرهاب الإقليمي والدولي والأمثلة على ذلك كثيرة.

ومنذ سقوط النظام الجماهيري، لم تستطع الدولة تحسين سمعتها أمام العالم بسبب العنف الذي لازم الحرب الأهلية وحادثة قتل السفير الأميركي، والعدوان على العاصمة، وما قامت به داعش قبل تصفيتها في سرت، والصراع المسلح بين المليشيات في مختلف المناطق الشرقية والغربية. كل ذلك رسخ علاقة ليبيا بالعنف والفوضى والتهور.

فكيف يمكن للمجتمع المدني أن يُحسّن سمعة ليبيا في المستقبل القريب؟

تحسين سمعة ليبيا ليس مهمة الدولة وحدها، بل هو مجال يمكن أن يلعب فيه المجتمع المدني دوراً مؤثراً، خاصة أن صورة الدول في العصر الحديث لا تُبنى فقط عبر الحكومات، بل أيضاً عبر الجامعات والمنظمات الأهلية والإعلام والمبادرات الشبابية والشخصيات العامة.

المشكلة الأساسية أن اسم ليبيا ارتبط لعقود طويلة بثلاث صور سلبية متعاقبة:

  • مرحلة دعم الحركات المسلحة والصدامات الخارجية في عهد القذافي

  • مرحلة الحرب الأهلية والانقسام السياسي بعد 2011

  • مرحلة الفوضى الأمنية وانتشار الجماعات المسلحة والإرهاب والهجرة غير النظامية

لذلك فإن تحسين السمعة يتطلب بناء صورة جديدة مختلفة تماماً عن الصور الثلاث السابقة:

أولاً: الانتقال من خطاب الأزمة إلى خطاب الفرصة

الكثير من المحتوى الصادر من ليبيا يركز على الحروب والصراعات السياسية، والفساد، والأزمات. بينما يحتاج المجتمع المدني إلى إنتاج رواية أخرى تقول إن ليبيا دولة قابلة للاستقرار، وهي تملك موقعاً استراتيجياً، وتملك موارد كبيرة، وتمتلك مجتمعاً شاباً، وقادرة على التحول إلى مركز اقتصادي في شمال أفريقيا. ليس المقصود هنا إنكار المشكلات، بل عدم السماح لها بأن تكون القصة الوحيدة التي يعرفها العالم عن ليبيا.

ثانياً: تصدير قصص النجاح بدلاً من تصدير الأخبار السيئة

العالم يسمع يومياً عن الحروب، لكنه لا يسمع عن رواد الأعمال الليبيين، والمبادرات الشبابية، والمشاريع التقنية، والأنشطة الثقافية، والنجاحات الأكاديمية. ويمكن للمجتمع المدني إنشاء منصات إعلامية احترافية باللغتين العربية والإنجليزية تعرض هذه النماذج بشكل مستمر. وهذه النقطة تضع مسألة تعامل المجتمع الليبي مع مزدوجي الجنسية في غاية الأهمية

فسمعة الدول تتحسن عندما يصبح لديها سفراء غير رسميينمن العلماء والرياضيين والمبدعين ورجال الأعمال.

ثالثاً: بناء شراكات دولية واسعة

كل منظمة ليبية تستطيع أن تكون جسراً مع العالم عبر التوأمة مع منظمات أجنبية، والمؤتمرات الدولية، وبرامج التبادل الثقافي، والمشاريع البحثية المشتركة. وكل أجنبي يتعامل مع مؤسسة ليبية ناجحة يعود إلى بلده بصورة أكثر إيجابية عن ليبيا. وهذه العملية التراكمية أكثر تأثيراً من آلاف البيانات السياسية.

رابعاً: جعل ليبيا معروفة بما تقدمه لا بما تعانيه

اليوم يرتبط اسم ليبيا غالباً بالنفط أو الصراع على السلطة والثروة والسلاح. في المستقبل يجب أن يرتبط أيضاً بالسياحة الصحراوية، والآثار الرومانية والإغريقية، وريادة الأعمال، والطاقة الشمسية، والخدمات اللوجستية، والتعليم والتدريب. فالدول التي تمتلك قيمة مضافةللعالم تكون صورتها أفضل من الدول التي تُعرف فقط بأزماتها.

خامساً: قيادة مشروع مصالحة مجتمعية

من أخطر ما يضر بصورة ليبيا استمرار خطاب التخوين، والإقصاء، والكراهية، والثأر. عندما يرى العالم مجتمعاً قادراً على معالجة جراحه بالحوار والعدالة والمصالحة، تتغير نظرته إليه بسرعة. ويمكن للمجتمع المدني أن يكون أكثر قدرة من السياسيين على قيادة هذا المسار لأنه أقل ارتباطاً بالصراع على السلطة.

سادساً: الاستثمار في القوة الناعمة الليبية

القوة الناعمة تشمل الثقافة، والأدب، والموسيقى، والسينما، والرياضة، والتراث، والمطبخ الليبي، وكثير من الدول حسّنت صورتها عالمياً عبر الثقافة أكثر مما فعلته عبر السياسة. إن إنتاج أفلام وثائقية، ومهرجانات ثقافية، ومعارض دولية عن ليبيا قد يكون أكثر تأثيراً على الرأي العام العالمي من عشرات الحملات الدعائية الرسمية.

سابعاً: تحويل الجاليات الليبية إلى سفراء لليبيا

آلاف الليبيين يعيشون في بريطانيا وأميركا وكندا وتركيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها من الدول المتطورة. إذا تم تنظيم جهود عشرات الآلاف من الليبيين المقيمين في هذه الدول عبر شبكات مهنية وأكاديمية وثقافية، فإنهم يستطيعون تقديم صورة مختلفة تماماً عن ليبيا للمجتمعات التي يعيشون فيها.

على المدى البعيد، لن تتحسن سمعة ليبيا عبر حملات إعلامية فقط، بل عندما ينجح الليبيون في إنتاج نموذج جديد للدولة يقوم على سيادة القانون. التداول السلمي للسلطة. اقتصاد منتج. مؤسسات محترفة. احترام التنوع.

السمعة الجيدة ليست مشروع علاقات عامة، بل هي نتيجة طبيعية لسلوك المجتمع والدولة على مدى سنوات.

لذلك يمكن القول إن المهمة التاريخية للمجتمع المدني الليبي ليست فقط الدفاع عن الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل أيضاً المساهمة في إعادة تعريف ليبيا أمام العالم: من دولة ارتبط اسمها لعقود بالعنف والصراع، إلى دولة ترتبط بالاستقرار والفرص والإنتاج والتعايش.

لا شك أن كل الأطراف التي تتبني مسار العنف ستكون عقبة كبيرة أمام ما يقوم به المجتمع السياسي المدني، خاصة في غياب الدولة ومؤسساتها الإعلامية والتعليمية والثقافية والأمنية.

وهذا متوقع لأن معظم التصورات المثالية حول دور المجتمع المدني تفترض وجود دولة مستقرة نسبياً، بينما الحالة الليبية أكثر تعقيداً، إذ إن المجتمع المدني يحاول العمل في بيئة ما زالت تضم أطرافاً مسلحة وقوى سياسية تستمد جزءاً من نفوذها من استمرار الانقسام أو التهديد بالعنف.

في تقديري، لا يستطيع المجتمع المدني أن يهزم دعاة العنف بشكل مباشر، ولا ينبغي له أن يحاول ذلك أصلاً، لأن ذلك سيحوله إلى طرف في الصراع. ما يستطيع فعله هو تقليص البيئة التي تسمح للعنف بالازدهار وذلك من خلال:

أولاً: تجفيف الشرعية الاجتماعية للعنف

أي جماعة مسلحة تحتاج إلى قوة السلاح و قبول اجتماعي و تبرير أخلاقي. فالسلاح وحده لا يكفي على المدى الطويل. لذلك فإن المجتمع المدني يستطيع أن يعمل على ترسيخ فكرة بسيطة مفادها أنه لا يوجد مشروع سياسي يستحق أن يُفرض على الليبيين بقوة السلاح، بغض النظر عن هوية الفاعل أو منطقته أو شعاراته.

هذه الثقافة تحتاج سنوات، لكنها أخطر على دعاة العنف من أي مواجهة مباشرة.

ثانياً: كسر احتكار الوطنية

إحدى مشكلات ليبيا أن كثيراً من الأطراف المسلحة تقدم نفسها باعتبارها حامية للوطن، أو حامية للثورة، أو حامية للدين، أو حامية للقبيلة. وبالتالي يصبح الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على الوطن نفسه.

هنا يجب أن يعمل المجتمع المدني على إعادة تعريف الوطنية باعتبارها: احترام القانون، وقبول للتعددية، والتداول السلمي للسلطة، وحماية حقوق المواطنين. وليس مجرد حمل السلاح أو السيطرة على الأرض.

ثالثاً: بناء تحالف اجتماعي واسع ضد العنف

الفاعلون المسلحون غالباً يمثلون أقلية منظمة في المجتمع، بينما الأغلبية الصامتة من رجال الأعمال، والأكاديميين، وشيوخ القبائل، وفئات المرأة والشباب، والمنظمات الأهلية. إذا نجحت هذه الأطراف في الاتفاق على حد أدنى من المبادئ، فإن وزنها الاجتماعي يصبح أكبر من وزن الفصائل المسلحة حتى لو لم تمتلك سلاحاً.

رابعاً: كشف التكلفة الحقيقية للعنف

كثير من الليبيين اعتادوا سماع الخطاب العسكري والأمني، لكنهم لا يرون دائماً التكلفة الاقتصادية والاجتماعية. فيمكن للمجتمع المدني أن يربط بين الحرب والبطالة والانقسام وتدهور الخدمات، وبين الصراع المسلح وتراجع التعليم وهروب الاستثمار.

عندما يدرك المواطن أن استمرار الصراع المسلح يؤثر مباشرة على دخله ومستقبل أبنائه، يصبح أقل استعداداً لتأييد المغامرات العسكرية.

خامساً: عدم شيطنة القواعد الاجتماعية

هناك فرق بين القيادة التي تتبنى العنف والجمهور الذي يتبعها. فإذا تم التعامل مع كل جمهور أي طرف باعتباره عدواً، فإن المجتمع المدني يعيد إنتاج الانقسام نفسه. الأفضل هو توجيه النقد إلى السلوك والسياسات لا إلى المجتمعات المحلية أو المناطق أو القبائل.

سادساً: الاستفادة من العامل الدولي

قد يبدو الأمر غير مريح للبعض، لكن سمعة ليبيا ومستقبلها لن يُبنيا في عزلة عن العالم. فكلما نجحت منظمات المجتمع المدني في بناء علاقات مع الجامعات، ومراكز الدراسات، والمنظمات الدولية، ووسائل الإعلام الأجنبية. يصبح من الصعب على دعاة العنف احتكار الحديث باسم ليبيا أمام الخارج.

لكن هناك حقيقة مهمة: في غياب الدولة، يستطيع المجتمع المدني أن يحتوي آثار العنف وأن يبني ثقافة بديلة وأن يحافظ على فكرة الدولة المدنية حية. لكنه لا يستطيع وحده إنهاء ظاهرة العنف.

إنهاء العنف يحتاج في النهاية إلى ثلاثة شروط متزامنة:

  1. تسوية سياسية مقبولة.

  2. إعادة بناء مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية على أسس مهنية.

  3. مشروع اقتصادي يوفر مصالح حقيقية في الاستقرار.

ولهذا أرى أن المهمة التاريخية للمجتمع المدني الليبي ليست أن يحل محل الدولة، بل أن يمنع المجتمع من الانهيار الكامل إلى أن تصبح إعادة بناء الدولة ممكنة.

والأهم من ذلك أن يعمل على تغيير الثقافة السياسية التي أنتجت العنف أصلاً. فلو نجحت ليبيا مستقبلاً في بناء مؤسسات جديدة، لكنها أبقت الثقافة التي تمجد القوة وتحتقر التوافق، فإن دورة الصراع ستعود بأشكال جديدة مهما تغيرت الأسماء والرايات. وهذا يقودنا إلى ضرورة تفكيك العقلية والقناعات والسلوكيات التي ترسخت في المجتمع منذ نصف قرن

هذه نقطة أعمق من مجرد إصلاح المؤسسات أو إنهاء الانقسام السياسي

الكثير من النقاشات الليبية تركز على تغيير الحكومات أو الأشخاص أو الترتيبات الأمنية، بينما يبقى السؤال الأكبر: هل تغيرت الثقافة السياسية التي أنتجت الأزمة أصلاً؟

إذا نظرنا إلى إرث العقود الطويلة الماضية، نجد أن المشكلة لا تقتصر على بنية الدولة، بل تشمل أيضاً مجموعة من القناعات التي تسربت إلى المجتمع بدرجات متفاوتة، مثل: الشك في قيمة المؤسسات، وتفضيل القادة على القواعد، والنظر إلى السياسة باعتبارها صراع غلبة لا مجالاً للتنافس السلمي، والخلط بين المعارضة والخيانة، والاعتقاد بأن القوة هي المصدر الحقيقي للشرعية، وضعف الثقة في التعددية السياسية والفكرية، والاعتماد على الدولة الريعية أكثر من الاعتماد على المبادرة الفردية والإنتاج.

هذه الأفكار لا تختفي بمجرد سقوط نظام سياسي، لأنها تكون قد ترسخت عبر التعليم والإعلام والخطاب العام والتجارب اليومية للناس.

ليس المقصود بالتفكيك هنا محاربة الأشخاص أو الأجيال التي عاشت تلك المرحلة، بل مراجعة الأفكار التي أثبتت التجربة أنها أعاقت بناء الدولة. وبالتالي علينا أن نقارن في الأفكار الموروثة والأفكار البديلة التي ينبغي أن نُرسِّخها في المجتمع.

الأفكار البديلة

الأفكار الموروثة

ـ المؤسسة أهم من الأفراد

ـ الوحدة تتسع للاختلاف

ـ القانون هو الذي يمنح الشرعية

ـ المجتمع والاقتصاد شركاء في التنمية

ـ الخصم السياسي منافس وشريك محتمل

ـ الزعيم أهم من المؤسسة

ـ الوحدة هي غياب كامل للإختلاف

ـ القوة تمنح الشرعية

ـ الدولة هي مصدر كل شيء

ـ الخصم السياسي عدو

__________________


		
		
	

Related Articles