خالد محمود

بعد مرور 15 عاماً على الإطاحة بنظام القذافي، ما زالت الدولة الغنية بالنفط تعاني من فوضى سياسية عارمة. وبالرغم من أنها تشهد مبادرتَين؛ الأولى أممية والثانية أمريكية، إلا أنها لا تزال بعيدةً عن إنتاج سلطة سياسية جديدة تنهي الانقسام الحاصل في البلاد.

بات من الواضح أنّ المشكلة الليبية لم تعد غياب التسويات السياسية، بل تحوّل التسويات نفسها إلى آلية لإدارة الانقسام وإطالة عمره، حيث تقف البلاد اليوم أمام مقترح أمريكي براغماتي يبحث عن استقرار سريع عبر صفقات النخب، ومسار أممي يسعى إلى توافق مجتمعي أوسع في متاهة المبادرات الميتة وفخّ الاستقرار الزائف“.

هندسة السلطة الجديدة

اقترح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية مسعد بولس، تصوّراً لإعادة هندسة السلطة التنفيذية في ليبيا، يقضي باستبدال المجلس الرئاسي الحالي الذي يترأسه محمد المنفي في العاصمة طرابلس، بآخر جديد يتولّى رئاسته الفريق صدّام، نجل ونائب المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي المتمركز في شرق البلاد، مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحّدة، بعد دمج حكومته المعروفة باسم حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وحكومة الاستقرار الموازية في الشرق برئاسة أسامة حمّاد، والمكلفة من البرلمان.

في ليبيا، مبادرة بولس لا تزال رهن المصالح الإستراتيجية لواشنطن، بينما يستمرّ محلياً تفوّق الحالة التنموية والأمنية في إقليمَي فزان وبرقة على حساب المنطقة الغربية، وهو أمر يثير رضا سكان الشرق والجنوب، لكنه لا يرضي الشريك الثالث في الغرب الليبي

ويتقاطع التقرير النهائي لـالحوار الهيكليالصادر عن بعثة الأمم المتحدة، جزئياً مع مبادرة بولس في دعم توحيد الميزانية ومناورات فلينتلوك 26″ المشتركة، التي ضمّت للمرة الأولى قوات من شرق البلاد وغربها في سرت، لكنه يناقض التفاؤل الأمريكي.

يثبت التقرير البالغ عدد صفحاته 112 صفحةً، أنّ توحيد الميزانية ليس سوى آلية لتقاسم عوائد النفط بين النخب، وأنّ التنسيق العسكري لا يلغي الانقسام العقائدي وفيتو الميليشيات“.

لكن المجلس الرئاسي سارع إلى اجتماع طارئ، تجاوز فيه الخلافات بين رئيسه محمد المنفي ونائبَيه عبد الله اللافي وموسي الكوني، معلناً أنّ أيّ تقدّم حقيقي في العملية السياسية يجب أن يرتكز على الأطر والمؤسسات الوطنية القائمة، مطالباً بـإشراك جميع الأطراف والقوى السياسية والاجتماعية الفاعلة في أيّ ترتيبات أو مبادرات سياسية قادمة“.

وسبق للمنفي أن هاجم الخطة الأمريكية، عادّاً أنّ ليبيا تقف أمام مفترق طرق حاسم بين خيار بناء الدولةوخيار الصفقات، ومحذّراً من مخاطر التمديد والوصاية الأجنبية وتغليب المصالح الضيّقة.

كما رفض رئيس المجلس الأعلى الدولة، الدكتور محمد تكالة، أيّ تسوية سياسية تُبرَم خارج نصوص الاتفاق السياسي الليبي المعتمد.

حوار البعثة الأممية

في المقابل، يسعى المسار الأممي لإصلاح قطاع الأمن وتفكيك الميليشيات قبل أي انتخابات، محذّراً من أنّ إجراءها دون ذلك وصفة لتجدّد الحرب الأهلية.

وفي هجوم لاذع يلخّص هذا التوجس، وصف نقيب الصحافيين في طرابلس والمنطقة الغربية، منصور الأحرش، نتائج الحوار الأممي بأنها مخرجات مقزّزة ينطبق عليها المثل: تمخّض الجمل فولد فأراً مشوّهاً“.

وحذّر الأحرش من ثلاثة أبعاد كارثية محتملة: “تقسيم ليبيا إلى ثلاث حكومات إقليمية تمهيداً لتقسيمها إلى ثلاث دول، وفرض رقابة مالية وسياسية دولية تؤدّي إلى التفريط بما تبقّى من سيادة، واعتماد وثيقة جامعة كبديل للدستور دون معرفة فحواها“.

فخّ المحاصصة

امتدّ التحفظ إلى بعض أعضاء لجنة الحوار الأممي الذين سارعوا إلى النأي عن نتائجه، ما يعكس حجم التباينات التي رافقت أعمال الحوار منذ انطلاقه، وهشاشة التوافق الذي حاولت البعثة الأممية البناء عليه.

في قراءته للمشهد السياسي والعسكري المعقّد، يرى المحلل والسياسي الليبي، محمود محمد فحيل، في حديثه إلى رصيف22، أنّ الديناميكيات الراهنة لا تزال محكومةً بـفخ المحاصصة المالية، والتي ضمنت من خلالها القيادة العامة وصندوق الإعمار تدفّق حصصهما من البنك المركزي.

يكاد يكون النفط في ليبيا القطاع الوحيد المنتظم في بلد ما زالت تعتريه الفوضى السياسية والأمنية والعسكرية، حيث يبدو المشهد أقرب إلى إدارة أزمة مزمنة منه إلى البحث عن حلّ جذري لها

ويوضح فحيل أنّ مبادرة بولس لا تزال رهن المصالح الإستراتيجية لواشنطن، بينما يستمرّ محلياً تفوّق الحالة التنموية والأمنية في إقليمَي فزان وبرقة على حساب المنطقة الغربية؛ وهو أمر يثير رضا سكان الشرق والجنوب، لكنه لا يرضي الشريك الثالث في الغرب الليبي، في وقت تستمر فيه القيادة العامة للجيش الوطني بقيادة حفتر، كضامن للمشروع الوطني في مواجهة الميليشيات والتيارات الإسلاموية التي تقاتل لضمان بقائها.

ويلفت فحيل إلى ما يصفه بأنه تراجع لافت في النفوذ الروسي على الأرض، حيث سجّل الجانب الروسي غياباً بارزاً في مناورة درع الكرامة 2″ الأخيرة في منطقة رأس العلبة، والتي تُعدّ الأضخم للجيش الوطني، على عكس الحضور المكثف الذي كان يبديه الخبراء الروس سابقاً، بالتزامن مع توقّف الزيارات المتكررة لنائب وزير الدفاع الروسي مؤخراً.

ويخلص إلى أنّ موسكو باتت ترهن ملفها الليبي بمسار الصراع الأوكرانيالروسي، سعيًا لإيجاد مخارج وعقد صفقة أوسع مع الجانب الأمريكي، مما جعل التواجد الروسي في ليبيا ينحسر واقعياً وسياسياً، ولم يعد ملحوظاً كالسابق.

الأولويات والمعضلة

يشاطر فحيل الرأي الباحث الليبي في العلوم السياسية، الدكتور أبو بكر لحاسي، الذي يؤكد بدوره أنّ الميزانية الموحّدة باتت تُحاط بتحفّظ متزايد في الأوساط المحلية والأكاديمية، موضحاً في حديثه إلى رصيف22:

أنّ المنتقدين يرون أنّ الميزانية الموحّدة لم تعُد تُبنى وفق أولويات المرحلة ومتطلبات التهيئة للانتخابات، بل باتت إلى حدّ كبير تعكس موازين القوة والنفوذ بين الفاعلين السياسيين والعسكريين في ظلّ الانقسام المؤسسي وضعف الحوكمة، ما يثير مخاوف من تحوّلها إلى أداة لإدارة المحاصصة وتقاسم الموارد أكثر من كونها مدخلاً لتوحيد المؤسسات وإنجاز الاستحقاق الانتخابي“.

وهكذا، فإنّ معضلة ليبيا الحقيقية ليست في غياب المبادرات الدولية، بل في تعدّدها، فبعد خمسة عشر عاماً من سقوط النظام السابق، تبدو الأزمة أقرب إلى صراع على إدارة الانقسام، لا على إنهائه.

ولعلّ هذا ما حذّرت منه البعثة الأممية في تقريرها الأخير، عندما خلصت إلى أنّ الغاية النهائية ليست مجرد إجراء الانتخابات، بل ضمان أن تكون وسيلةً لإنهاء المرحلة الانتقالية، لا لإعادة إنتاجها“.

في ليبيا، حيث يكاد النفط يكون هو القطاع الوحيد المنتظم في بلد ما زالت تعتريه الفوضى السياسية والأمنية والعسكرية، يبدو المشهد أقرب إلى إدارة أزمة مزمنة منه إلى البحث عن حلّ جذري لها.

وهكذا، تظلّ البلاد تدور في فلك المراحل الانتقالية التي لا تنتهي، في انتظار لحظة جديدة قد تعيد السلاح إلى واجهة المشهد، وهنا تحديداً تكمن خطورة المغامرة، وربما المقامرة، بالرهان على استقرار لا يستند إلى مؤسسات شرعية وقادرة على البقاء.

_____________

Related Articles