بقلم الشّايب

من حين إلى آخر تُطرح تساؤلات صادقة أمام النخب الوطنية حول دورها في المشهد الراهن، وهذا موضوع يطول فيه النقاش لأن العوامل التي تؤثر في وضع النخب ودورها كثيرة. وفي هذه الورقة سأطرح بعض الأفكار التي قد تجيب على بعض الأسئلة.

بداية، لعلنا نتفق جميعا أن المشكلة في ليبيا ليست نقص الأفكار أو الخطط، بل المشكلة أمام أي مشروع إصلاحي تتبناه النخب أنه سيصطدم حتماً بمصالح قوى استفادت من بقاء الدولة ضعيفة والمجتمع منقسماً. لذلك لا يكفي أن يكون المشروع الإصلاحي أو التغييري صحيحاً، بل يجب أن يكون قادراً على البقاء والمقاومة أمام القوى التي ستعارضه. من هنا أعتقد أن نقطة البداية في تحديد دور النخب، ليست في الدولة، بل في المجتمع نفسه، مما يتطلب من النخب بكل أشكالها واهتماماتها الآتي:

أولاً: تحويل المشروع من مشروع نخبويإلى مشروع مجتمعي

أحد أسباب فشل كثير من المبادرات الليبية أنها بقيت محصورة بين السياسيين أو المثقفين أو النشطاء. بينما القوى المستفيدة من الوضع القائم تمتلك شبكات اجتماعية واسعة، وموارد مالية كبيرة، ونفوذاً محلياً، وأدوات إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي.

لذلك لا بد أن يتحول مشروع الإصلاح أو التغيير إلى قضية يفهمها المواطن العادي. وهنا تحتاج النخب إلى الإجابة على أسئلة كثيرة بأساليب يفهمها المواطن، مثلا لماذا يهتم المواطن باستقلال القضاء أو الاقتصاد المنتج بدل الريعي أو بالمساءلة والشفافية أو غير ذلك من المصطلحات؟

فكلما أصبح المشروع قريباً من حياة الناس اليومية زادت مناعته

ثانياً: بناء تحالف وطني عابر للأيديولوجيات وللمدن وللقبائل والمناطق

إذا بدأنا بعلاقة التحالف بالقبائل، نجد أن القبيلة في ليبيا ليست المشكلة بالضرورة. المشكلة عندما تتحول القبيلة إلى أداة سياسية أو عسكرية. فتاريخيا، كان للقبائل دورا جعلها جزءاً من الحل عندما تحركت من منطق حماية أبنائها فقط إلى منطق حماية الدولة التي تحمي الجميع.

وفي هذا الإطار من الأهم بناء شبكات تعاون بين قبائل الغرب والشرق والجنوب، والنخب المدنية، ورجال الأعمال، والأكاديميين، والشباب، بحيث يصبح المشروع مشروعا وطنيا بامتياز وأكبر من الانتماءات المحلية.

ثالثاً: نقل الصراع من الأشخاص إلى الأفكار

كثير من الجدل الليبي حاليا يدور حول هذا الشخص أو تلك الحكومة أو ذلك القائد أو هذا الميليشياوي أو غيرهم من الشخوص المتصدرين للمشهد. وبما أن القوى المستفيدة من الانقسام تتغذى على الاستقطاب الشخصي، قد يكون من المفيد أن تركز النخب على الأفكار والرؤى والمبادئ بدل الأشخاص، وتهتم حصريا بالإجابة على أسئلة مثل:

ما شكل الدولة؟ وما هو نموذج الاقتصاد المطلوب؟ وما هي قواعد توزيع الثروة؟ وما علاقة المركز بالمحليات؟ … الخ

عندما يصبح النقاش مؤسسياً تقل قدرة الأفراد على احتكاره.

رابعاً: الاستثمار في جيل الشباب

من أخطر آثار العقود الماضية أن أجيالاً كاملة نشأت داخل مجتمع منقسم ساده العنف، واقتصاد ريعي، وانقسامات سياسية حادة، وثقافة تآمر بدل تعاون، وضعف الثقة بالمؤسسات.

لكن المفارقة أن الشباب هم الفئة الأقل ارتباطاً بصراعات ومشاكل الماضي. ولهذا فإن التعليم، والتدريب المهني، وريادة الأعمال، والمبادرات المحلية، قد تكون أكثر تأثيراً من كل المؤتمرات السياسية.

خامساً: إنشاء سردية وطنية جديدة

كل مشروع ناجح يحتاج إلى سردية جامعة. في ليبيا ما زالت السرديات متنافسة، فهناك سرديات ديسمبر، وسبتمبر، وفبراير، وروايات شفهية جهوية وقبلية مختلفة. بينما المطلوب هو سردية مستقبلية لا تتمحور حول من انتصر في الماضي ومن خسر، بل حول ما الذي يمكن أن يصبح عليه البلد خلال العشرين سنة القادمة مثلا.

أي الانتقال من سؤال من كان على حق؟إلى سؤال: “كيف نبني دولة قابلة للحياة؟

سادساً: تقليل قدرة الخارج على التأثير

التدخلات الخارجية تنجح عادة عندما تجد انقسامات داخلية تستثمرها. كلما زادت الشفافية، والمشاركة المجتمعية، وقوة المؤسسات المحلية، والتعاون بين المناطق، تقل قدرة أي طرف خارجي على توجيه الأحداث بما يخدم مصالحه فقط.

ما الذي يمكن أن تفعله النخب تحديداً؟

إذا كنا تتحدث عن دور النخب في المدن والقرى والجامعات ومنظمات المجتمع المدني، فأرى أن الأولوية ليست تأسيس حزب جديد أو الدخول في تحالف سياسي جديد، بل بناء ما يمكن تسميته: الكتلة التاريخية للإصلاح الوطني“.

أي تكوين شبكة واسعة تضم أكاديميين، ورجال أعمال، وقيادات اجتماعية، وشيوخ قبائل، وشباب، ونساء، ومهنيين، تجتمع حول مبادئ محددة جداً، مثل دولة المؤسسات، واحتكار الدولة للسلاح، واقتصاد إنتاجي لا ريعي، واستقلال القضاء، واللامركزية الإدارية، والمواطنة والمساواة.

كلما اتسعت هذه القاعدة المجتمعية أصبح من الأصعب على القوى المستفيدة من الفوضى أن تعزلها أو تشوهها.

في النهاية، فإن التغيير في ليبيا قد لا يبدأ من قمة السلطة، لأن القمة نفسها محل نزاع دائم، بل قد يبدأ من تراكم بطيء داخل المجتمع يخلق مع الوقت أغلبية وطنية ترى أن استمرار الوضع الحالي لم يعد مقبولاً، وأن مصلحتها المشتركة أصبحت في بناء دولة مستقرة ومنتجة وقادرة على خدمة مواطنيها.

صحيح أن هذا المسار أبطأ من الانقلابات أو الصفقات السياسية، لكنه غالباً أكثر استدامة على المدى الطويل.

ما هي أقرب التجارب المشابهة للوضع في ليبيا التي يمكن الاستفادة منها؟

لا توجد تجربة مطابقة تماماً لليبيا، لأن الحالة الليبية تجمع عناصر قلّما اجتمعت في دولة واحدة: إرث حكم شخصاني طال أمده لأكثر من أربعة عقود، وإِضعاف مُتعمد للمؤسسات الرسمية، واقتصاد ريعي يعتمد على النفط، وانقسامات قبلية وجهوية، وانتشار السلاح قبل وبعد سقوط النظام، وتدخلات إقليمية ودولية متنافسة، ومرحلة انتقالية طويلة فقدت زخمها.

لكن توجد عدة تجارب يمكن الاستفادة من أجزاء منها، وليس من نسخها بالكامل، ومنها:

الأولى: تجربة إسبانيا بعد فرانكو (1975)

أوجه الشبه: حكم طويل تمحور حول شخص واحد، ومؤسسات مُصمَّمة لخدمة النظام، وخوف من الانقسام والصراع بعد رحيل الحاكم. لكن الفرق أن إسبانيا لم تكن تعاني من انتشار واسع للسلاح أو تعدد مراكز القوة العسكرية

الدرس المهم: لم تدخل إسبانيا في عملية اجتثاث شاملة لكل من عملوا في النظام السابق، بل بنت توافقاً واسعاً حول قواعد اللعبة الجديدة.

الدرس لليبيا: التركيز على بناء المؤسسات الجديدة أكثر من تصفية حسابات الماضي، ودمج أكبر عدد ممكن من القوى الاجتماعية داخل المشروع الوطني.

الثانية: تجربة إندونيسيا بعد سوهارتو: (هذه من أقرب التجارب لليبيا في بعض الجوانب).

أوجه الشبه: حكم طويل، واقتصاد تسيطر عليه شبكات محسوبية، وجيش وأجهزة أمنية ذات نفوذ واسع، وتنوع اجتماعي ومناطقي كبير.

ما فعلته إندونيسيا: إصلاح تدريجي لا ثوري، ونقل صلاحيات واسعة للمحليات، وتحرير الاقتصاد تدريجياً، وإعادة هيكلة دور المؤسسة العسكرية.

الدرس لليبيا: الإصلاح المتدرج قد يكون أكثر استقراراً من محاولات التغيير الشامل والسريع.

الثالثة: تجربة جورجيا بعد ثورة الورود

أوجه الشبه: دولة ضعيفة، وفساد واسع، ومؤسسات فاقدة للثقة.

الإنجاز الأهم: تبسيط الإجراءات، ورقمنة الخدمات، وتقليص الفساد الإداري بسرعة.

الدرس لليبيا: يمكن تحقيق نتائج ملموسة خلال سنوات قليلة إذا ركزت الدولة على الإدارة والخدمات.

الرابعة: تجربة رواندا بعد الإبادة الجماعية (لا تشبه ليبيا في التاريخ السياسي، لكنها تقدم درساً مهماً)

لكن يجب الحذر من اختلاف الظروف، فالنموذج الراوندي قام على مركزية قوية جداً لا تتوافق بالضرورة مع الواقع الليبي.

الدرس لليبيا: بناء سردية وطنية جديدة تتجاوز الانقسامات القديمة، والتركيز على التنمية والخدمات والتعليم.

الخامسة: تجربة كولومبيا

أوجه الشبه: انتشار السلاح، وجماعات مسلحة متعددة، ومناطق خارج سيطرة الدولة.

الدرس لليبيا: الاتفاق السياسي لا يكفي. بل يجب توفير بدائل اقتصادية واجتماعية حقيقية للمناطق المتأثرة بالصراع.

السادسة: تجربة بوتسوانا

ليست دولة خارجة من نزاع، لكنها تقدم درساً مهماً لليبيا. عندما اكتشفت الموارد الطبيعية لم تجعلها بديلاً عن بناء المؤسسات.

الدرس لليبيا: النفط وحده لا يصنع التنمية. المؤسسات هي التي تحول الثروة إلى ازدهار.

ما هي التجربة الأقرب لليبيا؟

ليبيا تحتاج إلى مزيج من:

  • التوافق السياسي التدريجي على الطريقة الإسبانية.

  • اللامركزية والإصلاح المؤسسي على الطريقة الإندونيسية.

  • مكافحة الفساد والإصلاح الإداري على الطريقة الجورجية.

  • المصالحة المجتمعية وبناء السردية الوطنية كما في رواندا.

  • معالجة ملف السلاح وإعادة دمج الفاعلين المسلحين كما في كولومبيا.

معظم هذه الدول نجحت عندما انتقل النقاش من سؤال: من يحكم؟ إلى سؤال: كيف تُحكم الدولة؟

هذا هو التحول الفكري الأهم الذي ما زالت ليبيا بحاجة إليه. فالصراع الليبي خلال السنوات الماضية استنزف جهداً هائلاً في المنافسة على السلطة، بينما بقي النقاش حول شكل الدولة والاقتصاد والمؤسسات أقل حضوراً مما ينبغي. وعندما يتقدم السؤال الثاني على الأول، تصبح فرص التحول أسرع وأكثر استقراراً.

ينبغي ألا ننظر إلى الأزمة الليبية باعتبارها مجرد صراع على السلطة، بل باعتبارها أزمة تراكمت عبر عقود في الثقافة السياسية والاقتصاد والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية. وهذا المستوى من التحليل ضروري إذا أردنا الوصول إلى حلول تتجاوز المسكنات المؤقتة.

أعتقد أن أحد أهم التحديات أمام أي المشروع النخبوي في ليبيا هو الانتقال من سؤال: كيف ننهي الأزمة الحالية؟إلى سؤال: كيف نبني ليبيا القادرة على منع تكرار الأزمة بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟

فالعديد من الدول استطاعت وقف الحروب، لكن عدداً أقل منها استطاع بناء مؤسسات تمنع عودة أسباب الصراع.

وفي الحالة الليبية، يبدو أن التحدي الأكبر ليس فقط إعادة بناء الدولة، بل أيضاً إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبين المدن والمناطق، وبين القبائل، وبين النخب والجمهور، وبين ليبيا والعالم الخارجي.

هذه عملية طويلة، لكنها ليست مستحيلة إذا توافرت رؤية واضحة وصبر استراتيجي وتراكم مستمر للمبادرات الإيجابية.

هناك نقطة مهمة توضح دور النخبة الوطنية المستهدفة بالسؤال الأصلي، أنها كلها تقريبا خارج السلطة وليس هناك تفاؤل لديها بإمكانية اختراق جدار السلطة في المرحلة القريبة القادمة. فالنخبة الوطنية محاربة من دوائر الفساد وشبكة الاستبداد وهي مستهدفة إعلاميا وسياسيا وإداريا واجتماعيا بل الكثير من الشخصيات الوطنية تم تشويهها وشيطنتها وتخوينها هذه ملاحظة مهمة جداً، وربما هي من أكثر القضايا حساسية في الحالة الليبية.

وهنا تظهر معضلة واجهتها دول كثيرة مرت بمراحل انتقالية متعثرة أن النخب التي تمتلك رؤية للإصلاح تكون غالباً خارج منظومة النفوذ، بينما النخب الموجودة داخل منظومة النفوذ تكون مستفيدة بدرجات متفاوتة من استمرار الوضع القائم.

لكن التاريخ يقدم ملاحظة تستحق التأمل: كثير من التحولات الكبرى لم تبدأ من داخل السلطة، بل من خارجها.

ماذا تفعل النخب عندما تكون خارج السلطة؟

هناك ثلاثة خيارات رئيسية: انتظار الوصول إلى السلطة، أو محاولة إسقاط السلطة، أو بناء نفوذ مجتمعي مستقل عن السلطة. الخياران الأول والثاني يواجهان صعوبات كبيرة في ليبيا بسبب توازنات القوة الداخلية والخارجية.

أما الخيار الثالث فهو الأقل إثارة والأبطأ، لكنه غالباً الأكثر استدامة.

الفرق بين السلطة والنفوذ: كثير من النخب الوطنية لا تملك سلطة، لكنها قد تمتلك أو تستطيع بناء نفوذ. فالسلطة تعني المناصب، والموارد الرسمية، والأجهزة التنفيذية. أما النفوذ فيعني القدرة على تشكيل الرأي العام، وإنتاج الأفكار، وبناء الشبكات الاجتماعية، والتأثير في الأجيال الجديدة، وصياغة البدائل.

معضلة التشويه والتخوين: حملات التخوين والشيطنة ليس ظاهرة ليبية فقط. فغالباً ما تستخدم شبكات المصالح عدة أدوات ضد الخصوم كالتشويه الإعلامي، ونشر الشائعات، والاتهام بالعمالة، والتشكيك في النوايا، واستنزاف الشخصيات الوطنية في معارك جانبية

الهدف الحقيقي من هذه الحملات ليس إقناع الجميع بهذه الاتهامات، بل جعل الشخصية المستهدفة عاجزة عن بناء قاعدة واسعة حولها. ولهذا قد يكون من الخطأ ربط المشروع الوطني بأشخاص بعينهم. الأشخاص يمكن تشويههم. أما الأفكار والشبكات والمؤسسات فمن الصعب القضاء عليها بالكامل.

هل المشكلة في غياب النخب أم في تشتتها؟ يبدو أن المشكلة ليست انعدام وجود شخصيات وطنية أو كفاءات. بل ربما توجد شخصيات أكاديمية، ورجال أعمال، وقانونيون، ومثقفون، وقيادات اجتماعية. لكنهم مشتتون. ولذلك تنجح شبكات الفساد والاستبداد لأن خصومها أفراد، بينما هي تعمل كمنظومة.

ما الذي يمكن أن يغيّر المعادلة؟ ليس بالضرورة وصول النخب الوطنية إلى السلطة غداً. بل بناء ما يمكن تسميته مجتمعاً موازياً للأفكار“. أي مواقع دراسات مستقلة، ومنصات إعلامية مهنية، وشبكات خبراء، مبادرات شبابية، وبرامج تدريب قيادات محلية، ومشاريع اقتصادية ناجحة. بمعنى آخر، إنتاج البديل قبل امتلاك السلطة.

العقبة التي أراها أخطر من التشويه: التشويه مؤذٍ بلا شك، لكنه ليس الخطر الأكبر. الخطر الأكبر هو اليأس الذي قد يصيب النخب الوطنية عندما تقتنع بأن التغيير مستحيل. فعندما تنسحب النخب المعتدلة والمهنية من المجال العام، يزداد نفوذ أصحاب المصالح الضيقة والمتطرفين وأمراء الصراع.

ولهذا فإن السؤال الاستراتيجي ربما لا يكون: كيف تصل النخبة الوطنية إلى السلطة؟ بل: كيف تحافظ النخبة الوطنية على وجودها وتنظم نفسها وتوسع تأثيرها حتى يحين ظرف يسمح لها بالتأثير المباشر في الدولة؟

فالسلطات تتغير، والتحالفات تتبدل، والظروف الإقليمية والدولية تتبدل أيضاً. أما ما يبقى عادة فهو الرصيد الفكري والتنظيمي والاجتماعي الذي يُبنَى بصبر على مدى سنوات.

_________

Related Articles