بقلم الشّايب

كيف يمكن توظيف حكم قاضي صادم ببراءة رموز النظام السابق في ليبيا إلى حدث إيجابي لصالح العدالة الانتقالية؟

هذا سؤال مهم ومعقد لأن حُكم القضاء ببراءة رموز النظام السابق في ليبيا، مهما كان موقف البعض منه، يمثل حدثاً قانونياً يمكن توظيفه إيجاباً لصالح العدالة والاستقرار، وذلك من خلال:

ــ تعزيز مبدأ سيادة القانون: يمكن تقديم الحُكم كدليل على استقلال القضاء وعدم تدخل السلطات الأخرى فيه بعد فبراير، مما يعزز الثقة في المؤسسات القانونية ويشجع على اللجوء إليها لحل النزاعات بدلاً من العنف.

ــ تقليل التحريض والانقسام: تحويل النقاش من الانتقام السياسيإلى احترام القضاءيخفف من حدة الخطاب المتشنج بين الأطراف المتنازعة، ويمنع استخدام القضايا كذريعة لاستمرار الصراع.

ــ رسالة للمجتمع الدولي: الالتزام بالحكم القضائي مهما كان صعباً يظهر التزام فبراير بمبادئ الدولة القانونية، مما يشجع على رفع العقوبات وتقديم الدعم الدولي لاستقرار البلاد.

لا يمكن توظيف الحُكم بشكل إيجابي إذا تم تقديمه بسردية تنتصر للنظام السابق“. فالنجاح يتوقف على الشفافية في حيثيات الحكم. ومنح البراءة ليس معناه تزكية نظام القذافي، بل مجرد احترام لإجراءات قانونية. وبالتالي نحقق ضمان عدم استخدام البراءة كغطاء لعودة سياسة القمع السابقة.

الطريقة المثلى هي اعتبار إعلان الحُكم كخطوة في طريق العدالة الانتقاليةوليس نهايتها، مع التركيز على المستقبل والتأكيد على محاسبة أي جرائم أخرى موثقة عبر آليات مستقلة، وتوجيه طاقة الجميع نحو بناء دولة المؤسسات. بعض المتهمين سيواجهون القضاء في قضايا أخرى وخاصة في ما يتعلق بمجزرة بوسليم.

لبّ الإشكالية القانونية التي يطرحها حكم البراءة إنه صدر في قضية معينة، ولكنه لا يمنع بأي حال من الأحوال المحاكمة في قضايا أخرى مختلفة، وهذا مبدأ أساسي في النظم القانونية المقارنة.

لكي نفهم كيف يمكن لقضية مجزرة بوسليم أن تأخذ مسارها القانوني المستقل، علينا أن نفكك الأمر من خلال المحاور التالية:

أولا، أن مبدأ عدم جواز المحاكمة عن نفس الجريمة مرتينلا يشكل عائقًا: هذا المبدأ القانوني العالمي، الذي ينص على أنه لا يمكن محاكمة شخص عن نفس التهمة بعد صدور حكم نهائي فيها، لا يمنع المحاكمة عن وقائع وجرائم مختلفة، حتى لو كان المتهم هو الشخص نفسه.

فحكم البراءة المعني كان في قضية محددة بوقائع وأسباب وتهم معينة. قضية مجزرة بوسليم تمثل وقائع مختلفة تمامًا (مكان وزمان وضحايا وأدلة مختلفة). لذلك، فهي قضية جديدة وليست إعادة محاكمة في القضية نفسها. المحكمة الدولية الجنائية، على سبيل المثال، تؤكد هذا المبدأ بوضوح، حيث تشترط أن تكون القضية المطروحة عليها هي نفس السلوك الإجراميالذي تم الفصل فيه وطنيًا لكي تمنع المحاكمة.

ثانيا، استقلالية القضايا في سابقة قضائية مقابل قضية منفصلة: المبدأ القانوني الراسخ هو أن القضايا المختلفة تدار بشكل مستقل عن بعضها البعض. الملفات المفتوحة في جرائم مختلفة تظل قائمة ويمكن للمحاكم النظر فيها بغض النظر عن نتائج قضايا أخرى. والنظام القضائي الليبي، مثل باقي الأنظمة، ينص على أنه إذا كانت هناك قضايا مترابطة، يجوز دمجها في إجراء واحد لتوفير الوقت والجهد. ولكن هذا الدمج لا يعني أن نتيجة إحداها تلغي الأخرى تلقائيًا.

تمثل مجزرة بوسليم علامة فارقة في تاريخ الاستبداد في ليبيا، وهي ملف جنائي قائم بذاته له ضحاياه وأدلته. الخبرة القانونية الدولية تؤكد أن إجراءات المحاكمات في قضايا كبرى مثل هذه يمكن أن تستمر حتى لو صدرت أحكام سابقة لأطراف أخرى في وقائع مختلفة.

ثالثا، الطريق العملي لتحقيق العدالة في قضية بوسليم لضمان عدم تأثر قضية مجزرة بوسليم بحكم البراءة السابق، يجب التركيز على الخطوات التالية:

الفصل القانوني الواعي: على النيابة العامة وهيئات الادعاء أن تتعامل مع قضية بوسليم كملف مستقل تمامًا. يجب أن يتم صياغة لائحة الاتهام بدقة لتشمل التهم والوقائع الخاصة بهذه المجزرة فقط، مع توثيق جميع الأدلة والشهادات المتعلقة بها.

من الضروري أن تقوم المؤسسات القانونية والإعلامية بتوعية الرأي العام بهذا الفرق الجوهري بين القضايا. يجب شرح أن أحكام القضاء تصدر بناءً على الأدلة في كل قضية على حدة، وأن البراءة من تهمة لا تعني البراءة من تهمة أخرى مختلفة تمامًا.

يجب أن يكون شعار المرحلة هو أن العدالة تُطبَّق بالقانون، وليس بردود الأفعال“. إن استمرار النظر في قضية بوسليم هو أقوى دليل على أن ليبيا تسير نحو دولة المؤسسات، حيث لا أحد فوق القانون، والمحاكمات تجري وفق أصول مستقلة بعيدًا عن التسويات السياسية.

الخلاصة: لا يمثل حكم البراءة في قضية ما عائقًا قانونيًا أمام تحقيق العدالة في قضية مجزرة بوسليم، لأنها تمثل وقائع وجريمة مختلفة تمامًا. والتحدي الحقيقي هو إرادة الأطراف القانونية والسياسية في متابعة هذه القضية باستقلالية وشفافية، بعيدًا عن أي تأثير للأحكام السابقة. النجاح في ذلك سيكون رسالة قوية بأن فبراير قادرة على الفصل بين الملفات والوصول إلى الحق أينما كان.

القوانين منذ عهد القذافي لم تلغى، رغم أن القذافي عندما قام بانقلابه الغي كل القوانين في 1973ـ وبالتالي لابد من تفكيك هذه المنظومة لأن المتهمين من رموز النظام هم الذين صنعوا هذه القوانين وهم من يسعون إلى استمرارها بعد فبراير

جوهر المعضلة التي تواجه أي عملية انتقالية في نظام كان القانون فيه أداة بيد الحاكم، وليس ضابطاً لسلطته، هي أن القوانين التي صُنعت لتكريس السلطة المطلقة لا يمكن أن تكون الأداة نفسها لتفكيكها (السلطة). ولفهم كيف يمكن معالجة هذه المنظومة، ينبغي تفكيك الأمر إلى ثلاث طبقات: ما حدث بعد 2011، ولماذا فشلت، وما هو المطلوب فعلاً.

أولا: ما حدث فعلاً بعد 2011 (محاولة لتأسيس قانون انتقالي” (وليس قوانين القذافي): فمن المهم تصحيح فكرة أن ثورة فبراير تركت قوانين القذافيكما هي دون تغيير. في الواقع، تم إجراء تغيير جوهري في دستوريةالدولة ذاتها من خلال:

  • الإعلان الدستوري: بعد سقوط النظام مباشرة، أصدر المجلس الوطني الانتقالي الإعلان الدستوري، الذي ألغى فعلياً الشرعية الدستورية للنظام السابق وأصبح القانون الأعلى للبلاد في المرحلة الانتقالية. هذا الإعلان نصّ على مبادئ جديدة كالتداول السلمي للسلطة والتعددية الحزبية وضمان حقوق الإنسان.

  • قانون العدالة الانتقالية رقم 29 (2013): صدر هذا القانون خصيصاً لمواجهة جرائم النظام السابق، وينص على آلية للكشف عن الحقيقة (هيئة الحقيقة والمصالحة) وتعويض الضحايا.

إذاً، الإطار القانوني الذي يحاكم به رموز النظام اليوم ليس هو قانون العقوبات الصادر في عهد القذافي فقط، بل هو خليط معقد من: (1) قوانين ما بعد الثورة التي لم تُفعّل، (2) وقوانين قديمة تم تعديلها جزئياً، (3) وغياب تام لقوانين أساسية لم تُصوّت عليها المؤسسات بعد.

ثانيا، لماذا لم تُفكّك المنظومة؟ (الفشل في التنفيذ وليس في النصوص): المشكلة الحقيقية ليست في وجود نصوص قانونية قديمةفقط، بل في انعدام الإرادة والقدرة على تطبيق القوانين الجديدة. ولأسباب عدة منها:

  • الفراغ السياسي والانقسام: لم يتم تفعيل قانون العدالة الانتقالية أبداً بسبب انقسام البلاد وحالة الحرب التي أعقبت 2014. فهيئات التقصي لم تعمل بشكل حقيقي.

  • تعطيل القضاء: المحكمة العليا، التي كان المفترض أن تلعب دوراً في مراجعة دستورية القوانين القديمة، عطلت دورها الدستوري لتجنب التعامل مع الطعون المتعلقة بشرعية المؤسسات.

  • قوانين تمنع العدالة نفسها: قانون العقوبات الليبي القديم لا يزال يحتوي على تقادم مدته 10 سنوات للجرائم. هذا يعني أن جرائم مثل الاختطاف والإخفاء القسري التي ارتكبت قبل 2011 تسقط بالتقادم ما لم يتم إلغاء هذا النص قانونياً.

هنا مكمن الخطر: رموز النظام يستفيدون من بطء الإجراءات.

ثالثا، كيف يمكن تفكيك هذه المنظومة؟ (الخطوات العملية): إذا كان الهدف هو منع رموز النظام (صانعي القانون القديم) من الاحتماء به، فإن الحل ليس في إلغاء كل القوانيندفعة واحدة (فذلك يخلق فراغاً قانونياً كارثياً)، بل في استراتيجية هجومية قانونية:

الحل الاستراتيجي (كيف يتم التفكيك)

المعضلة

الإلغاء الفوري: إصدار تشريع مستقل من مجلس النواب (أو أي سلطة تشريعية شرعيةيلغي نص التقادم بأثر رجعي بالنسبة للجرائم ضد الإنسانية. هذا هو المبدأ الأساسي في القانون الدولي.

وجود قوانين تقادم تحمي المجرمين

المراجعة والتبديل: تشكيل لجنة قضائية مستقلة لمراجعة قانون العقوبات وحذف كل المواد التي كانت تستخدم لقمع المعارضة (مثل القدح في النظامأو إهانة الثورة“).

قوانين عقوبات قديمة (مثلاً، تجريم المساس بالأمنبشكل فضفاض)

القضاء المتخصص: إنشاء دوائر جنائية متخصصةداخل القضاء الليبي (أو محاكم استثنائية مؤقتة بمعايير دولية) لنظر قضايا الفساد الكبير وجرائم الحرب. القضاء العادي غير مجهز لتعقيدات هذه الملفات.

غياب محاكم متخصصة للجرائم الكبرى

قانون العزل الوظيفي: ليس العزل السياسي الانتقامي، بل عزل إداري لكل من كان له دور قيادي في توجيه القضاء كأداة للقمع. مع ضمان حق الطعن.

بقاء كوادر النظام السابق تدير المؤسسات القضائية

القذافي عندما ألغى القوانين في 1973 لم يكن يُصلحالنظام، بل كان يحلّ المؤسسات لكي يحكم باللجان الثورية. هذه هي الطريقة التي يُخلق بها الفوضى، وليس النظام. ولتفكيك المنظومة دون تكرار هذه الكارثة، علينا أن:

  • لا نلغِ كل شيء، فهذا يخدم أقوى طرف مسلح.

  • نعدّل بشكل جراحي المواد التي تمنع العدالة (التقادم، تعريفات الجرائم) ونبْقِي هيكل القانون المدني والإداري لاستمرار عمل الدولة.

  • نفعّل قانون العدالة الانتقالية رقم 29 الذي ظل حبراً على ورق. هذا القانون هو السلاح الحقيقي ضد إرث النظام الجماهيري، لأنه يتجاوز المحاكمات الجزائية إلى كشف الحقيقة والمصالحة.

باختصار: هم يريدون بقاء هذه القوانين لأنها تحميهم. تفكيكها لا يتم بضربة قاضية، بل بفضح فشلهم في تطبيق القوانين الجديدة (العدالة الانتقالية) ثم فرض تطبيقها بالقوة السياسية والإرادة الوطنية.

جوهر التحدي: كيف نبني دولة القانون بأدوات صنعها طاغية سابق، بينما رموزه لا يزالون فاعلين؟ الإجابة: الطريق ليس مستحيلاً، لكنه يحتاج إلى: إرادة سياسية لا تزال غائبة. وتفعيل قوانين العدالة الانتقالية الموجودة أصلاً. وفصل كامل بين الملفات القضائية الكبرى. وجراحة قانونية دقيقة لا تخلّ بمسيرة الدولة.

يتبع

____________

Related Articles