بقلم الشّايب
الشعب الليبي عانى من النظام الجماهيري على كل المستويات وخاصة في مجال قُدسِية المِلكية البيوت والمحلات التجارية والشركات الخاصة والعقارات والأراضي وغيرها من الأملاك.
ومن أسوأ القوانين التي أصدرها القذافي قانون رقم (4) لسنة 1978م بشأن الملكية العقارية في ليبيا، المعروف بـقانون “البيت لساكنه“، وقانون رقم (7) لسنة 1986م بشأن إلغاء ملكية الأرض، وقد نص على إلغاء الملكية الخاصة للأراضي، معتبراً أن “الأرض ملك للجميع” والأمر المحزن أن هذه القرارات والسياسات لا زالت آثارها السيئة مستمرة عمليا بعد 2011 مما ضاعف من معاناة الناس.
نحن أمام مجال حقيقي لتفكيك هذا الإرث، لكن المسألة تحتاج إلى فهم أن أزمة الأملاك في ليبيا ليست مجرد نزاعات عقارية أو خلافات قانونية معزولة، بل هي جزء من بنية سياسية واقتصادية وثقافية أنتجها نظام “الجماهيرية” لعقود، ثم استمرت بعض آثارها بعد 2011 بسبب ضعف الدولة والانقسام المؤسسي وغياب مشروع واضح للعدالة الانتقالية.
القوانين مثل قانون رقم 4، وقانون رقم 7، وسياسات “تأميم التجارة” وشعارات “البيت لسكانه” و”شركاء لا أجراء”، لم تكن مجرد شعارات ثورية وتشريعات اقتصادية، بل أدوات لإعادة تشكيل المجتمع بالقوة، عبر ضرب فكرة المِلكِية الخاصة، وإضعاف الطبقة الوسطى، وتحويل المواطن من منتج مستقل إلى تابع للدولة، وخلق خوف دائم من الاستثمار والاستقرار، ونشر فكرة أن الحقوق يمكن أن تُلغى بقرار سياسي.
هذه القوانين والسياسات تركت آثارًا عميقة ما تزال حاضرة حتى اليوم وتتمثل في نزاعات عقارية متراكمة، وفقدان الثقة في القضاء، وعزوف عن التعامل مع المصارف، والاستثمار طويل المدى، ناهيك عن الصراعات العائلية والمناطقية حول الأملاك والمواريث، وشعور الضحايا بأن الدولة لم تعترف بما وقع عليهم، واستمرار بعض الجهات في الاستفادة من الأمر الواقع الذي فرضته تلك القوانين.
الواقع أن المعاناة استمرت بعد 2011، لأن فبراير ورثت دولة ضعيفة، وأرشيفًا ناقصًا أو مُخترقًا، و قضاءً مثقلًا بالضغوط، ومخاوف من انفجار اجتماعي إذا فُتح ملف الأملاك دفعة واحدة، وأطرافًا نافذة استفادت من استمرار الوضع القائم. ولهذا تم التعامل مع الملف غالبًا بمنطق “التجميد” بدل “الحل”، فبقيت المظالم معلقة، وتحوّل الزمن نفسه إلى أداة جديدة للظلم.
التفكيك إرث الجماهيرية ممكن، لكن بشروط. فالتفكيك في ملف الأملاك لا يعني الانتقام ولا خلق موجة تهجير جديدة، بل يعني بناء عدالة متوازنة تعترف بالضحايا وتحافظ في الوقت نفسه على السلم المجتمعي، وهذا يتطلب عدة مسارات متوازية:
أولًا: الاعتراف الرسمي بالمظلومية
على الدولة الليبية أن تعترف بوضوح بأن سياسات المصادرة والتأميم القسري وانتهاك الملكية الخاصة كانت انتهاكات جسيمة، وكثير من القوانين التي استُخدمت لم تستند إلى شرعية دستورية حقيقية، وآلاف العائلات تضررت اقتصاديًا واجتماعيًا ونفسيًا. الاعتراف مهم لأنه ينقل القضية من “نزاع شخصي على عقار” إلى “قضية عدالة انتقالية وحقوق”.
ثانيًا: إنشاء هيئة مستقلة لرد المظالم
هذه الهيئة ليست مجرد لجان إدارية مؤقتة، بل ينبغي أن تكون مستقلة عن التجاذبات السياسية، ومدعومة بقضاة وخبراء توثيق وأرشفة، ومرتبطة بمسار العدالة الانتقالية، وأن يكون لديها صلاحيات للتسوية والتعويض والتحكيم، ويجب أن تعمل وفق مبادئ الحقيقة، والإنصاف، وعدم الانتقام، وحماية الاستقرار الاجتماعي.
ثالثًا: الفصل بين الحق القانوني والواقع الاجتماعي
هذه من أعقد المسائل، فبعض العقارات والمزارع والمحلات، تغيّر شاغلوها منذ عقود، وُلدت فيها أجيال جديدة، وأصبحت مرتبطة بمصالح معيشية واسعة. لذلك لا يمكن معالجة الملف بمنطق “أخرجوا الجميع فورًا”، بل عبر حلول متعددة، كرد الملكية حيث أمكن، والتعويض المالي العادل، والتعويض بأصول بديلة، والتسويات الرضائية، وعقود انتفاع انتقالية، وحلول مرحلية تمنع الصدام الاجتماعي.
رابعًا: إعادة بناء قدسية الملكية الخاصة
المشكلة ليست فقط في الماضي، بل في استمرار هشاشة الحماية القانونية حتى اليوم، أي مشروع إصلاحي يحتاج إلى قضاء مستقل فعليًا، وسجل عقاري موثوق ورقمي، وحماية من التزوير والفساد، ومنع الاستيلاء بالقوة، وتجريم الاعتداء على الملكية العامة والخاصة، وضمانات دستورية واضحة.
خامسًا: تحويل الملف من صراع سياسي إلى مشروع وطني
من الأخطاء استخدام ملف الأملاك للانتقام السياسي، أو للمزايدات، أو للتحريض الاجتماعي. والمطلوب هو خطاب يقول لا يمكن بناء دولة مستقرة فوق مظالم غير معترف بها. وفي الوقت نفسه لا يمكن معالجة الظلم القديم بإنتاج ظلم جديد.
سادسًا: التوثيق وحفظ الذاكرة
الكثير من الليبيين لا يدركون حجم الأثر الذي خلفته تلك السياسات على الاقتصاد، والثقافة، والاستثمار، والهجرة، وتفكك الثقة بين المواطن والدولة. لذلك من المهم توثيق شهادات المتضررين، وحفظ الوثائق والأحكام، وإعداد دراسات قانونية واقتصادية، وإدراج هذه التجربة ضمن الذاكرة الوطنية. حتى لا يتكرر مرة أخرى أن تُلغى حقوق الناس تحت شعارات شعبوية أو ثورية أو أيديولوجية.
إن استمرار الملف دون حل يعني بقاء قنبلة اجتماعية مؤجلة، واستمرار فقدان الثقة بالدولة، وتعطيل الاستثمار والتنمية، وانتقال الشعور بالظلم عبر الأجيال، وتغذية الانقسامات المناطقية والسياسية.
ولهذا فإن معالجة آثار قوانين الجماهيرية على الأملاك ليست قضية “ماضٍ”، بل قضية تتعلق بمستقبل الدولة الليبية نفسها. ويمكن القول أن احترام الملكية الخاصة في أي دولة ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل معيار أساسي لوجود دولة قانون، وقضاء مستقل، ومواطنة آمنة، وثقة بين الإنسان والدولة.
أن جريمة إحراق السجل العقاري وإتلاف الأرشيف في زمن الجماهيرية، هي من أسوأ أدوات الهدم لبنية الدولة الليبية، لأنها لا تتعلق فقط بضياع أوراق أو سجلات، بل تمسّ أساس فكرة “اليقين القانوني” الذي تقوم عليه المِلكِية والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي. إذا ثبت أو ترجّح أن إحراق مبنى السجل العقاري أو إتلاف أجزاء واسعة من الأرشيف تم بصورة متعمدة، فإن الأمر يتجاوز حدود الإهمال الإداري إلى مستوى تدمير الذاكرة القانونية للدولة، وتعطيل حقوق الأفراد عبر الأجيال، وإنتاج فوضى قانونية طويلة المدى.
المِلكِية العقارية ليست مجرد ورقة، بل هي هوية قانونية للأرض، وضمان للاستثمار، وأداة للاستقرار الأسري، وركيزة للائتمان والاقتصاد، وأساس لثقة المواطن بالدولة. فعندما يُدمَّر الأرشيف العقاري أو يُعبث به، تظهر نتائج خطيرة جدًا مثل تعذر البيع والشراء، وتضارب الملكيات، وانتشار التزوير، وتعدد المطالبين بالعقار الواحد، وتعطيل التنمية العمرانية، وعزوف المستثمرين، وازدياد النزاعات القبلية والعائلية، وضعف قدرة القضاء على الحسم.
في الحالة الليبية، المشكلة تعقّدت أكثر لأن كثيرًا من المصادرات والتأميمات تمت أصلًا في بيئة قانونية مضطربة، ثم جاء تدمير أو فقدان الأرشيف ليقضي على وسائل الإثبات نفسها. ولهذا أصبح بعض المواطنين يعيشون حالة عبث قانوني مؤلمة حيث “يعرف الجميع أن الأرض أرضه… لكنه لا يستطيع إثبات ذلك رسميًا”.
هذا الملف هو جزء من العدالة الانتقالية بامتياز. لأن الضرر هنا ليس فرديًا فقط، بل بنيوي ومقصود الأثر. فالأنظمة الشمولية كثيرًا ما تسعى للسيطرة على المجتمع عبر السيطرة على الأرض، والتحكم في الملكية، وإضعاف الاستقلال الاقتصادي للمواطنين. وعندما تُفقد السجلات العقارية أو تُعطل عمدًا، يصبح المواطن أقل قدرة على الاستقلال، وأكثر اعتمادًا على السلطة، وأضعف في مواجهة النفوذ السياسي أو الأمني.
لذلك فإن إعادة بناء الثقة العقارية يجب أن تكون جزءًا من أي مشروع وطني لإعادة بناء الدولة.
ما الذي يمكن فعله عمليًا؟
أولًا: اعتبار الأرشيف العقاري قضية سيادة وطنية، وليس مجرد ملف إداري. وينبغي جمع كل النسخ المتبقية من السجلات، والبحث عن أرشيفات فرعية بالمحاكم والبلديات ومكاتب الضرائب والمصارف، ورقمنة كل الوثائق المتوفرة، والاستفادة من الأرشيفات العثمانية والإيطالية والمَلَكية إن وُجدت، وحماية ما تبقى من العبث والتزوير.
ثانيًا: إنشاء “مسار إثبات بديل”. لأن كثيرًا من الناس فقدوا الوثائق دون ذنب، وهنا يمكن اعتماد وسائل متعددة للإثبات مثل الأحكام القضائية القديمة، وعقود البيع العرفية، وسجلات الضرائب، والخرائط التاريخية، وشهادات الجيران والوجهاء، وفواتير الخدمات، والحيازة الطويلة المستقرة، والصور الجوية والمخططات القديمة. أي أن الدولة تحتاج إلى فلسفة قانونية تقول غياب الوثيقة الرسمية لا يعني تلقائيًا غياب الحق.
ثالثًا: تأسيس محاكم أو دوائر عقارية متخصصة. لأن القضاء العادي قد يُرهَق بهذا الكم الهائل من النزاعات. وهذه الدوائر ينبغي أن تضم قضاة متخصصين، وخبراء مساحة، ومختصين بالأرشفة، وخبراء تاريخ عقاري.
رابعًا: إنشاء صندوق وطني للتعويض والتسوية. لأن بعض الملفات قد يستحيل حسمها بعد عقود من التعقيد، وفي هذه الحالات تصبح التسوية العادلة أفضل من استمرار النزاع إلى ما لا نهاية.
خامسًا: تحصين المستقبل. أي إصلاح حقيقي يجب أن يتضمن سجلًا عقاريًا رقميًا حديثًا، ونظام حفظ احتياطي داخل وخارج البلاد، وربطًا إلكترونيًا بالمحاكم والبلديات، وتشريعات صارمة ضد التزوير والاستيلاء.
البعد النفسي والاجتماعي المهم: الكثير من الليبيين لا يشعرون فقط بأن ممتلكاتهم ضاعت، بل بأن تاريخ عائلاتهم مُحي، وتعب أجيال كاملة أصبح بلا قيمة قانونية، والدولة لم تحمِ ذاكرتهم ولا حقوقهم. وهذا يولّد شعورًا عميقًا بانعدام الأمان الوطني. لذلك فإن إصلاح ملف السجل العقاري ليس قضية تقنية فقط، بل جزء من استعادة الثقة، وإعادة الاعتبار للمواطن، وإحياء فكرة الدولة كحامٍ للحقوق لا كخصم لها.
في التجارب الدولية، كثير من الدول الخارجة من الحكم الشمولي أو الحروب لم تبدأ التعافي الحقيقي إلا عندما أعادت للناس الثقة بأن “حقوقهم لن تختفي بحريق، أو قرار سياسي، أو تغير في موازين القوة.”
__________