صلاح الهوني
الحكم القضائي الأخير ينسجم مع رغبة أوروبية في رؤية ليبيا أكثر استقرارا، حتى لو كان ذلك على حساب مطالب بعض الضحايا.
الحكم الأخير الصادر عن محكمة استئناف طرابلس ببراءة 31 من كبار مسؤولي نظام معمر القذافي، بعد مسار قضائي امتد خمسة عشر عاما، لا يمكن قراءته فقط في سياق داخلي ليبي. إنه حدث يتجاوز حدود المحكمة، ليطرح أسئلة عميقة حول موقع ليبيا في النظام الدولي، وحول كيفية تداخل العدالة الانتقالية مع الحسابات السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى.
منذ سقوط نظام القذافي عام 2011، ظل الملف الليبي ساحة مفتوحة للتجاذبات الدولية. أوروبا، التي وجدت نفسها في مواجهة موجات هجرة غير نظامية عبر المتوسط، والولايات المتحدة التي تعاملت مع ليبيا من زاوية مكافحة الإرهاب، وروسيا التي سعت إلى تثبيت نفوذها في شمال أفريقيا، كلها أطراف تتابع عن كثب أي تطور داخلي.
الحكم الأخير، الذي يطوي صفحة قضائية مرتبطة مباشرة بثورة فبراير، يعيد طرح السؤال: كيف ستتعامل القوى الدولية مع ليبيا إذا بدا أن مؤسساتها القضائية قادرة على اتخاذ قرارات مثيرة للجدل، لكنها مستقلة نسبيا عن ضغط الشارع؟
في تجارب دول أخرى، مثل جنوب أفريقيا أو رواندا، كانت العدالة الانتقالية جزءا من مشروع دولي واسع، مدعوم من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. في ليبيا، غياب هذا الإطار جعل الأحكام القضائية تبدو كأنها قرارات محلية معزولة، لكنها في الواقع تحمل انعكاسات دولية.
فبراءة شخصيات مثل عبدالله السنوسي والبغدادي المحمودي، اللذين ارتبط اسماهما بملفات أمنية وسياسية إقليمية، تطرح على المجتمع الدولي سؤالا حول كيفية التعامل مع إرث النظام السابق:
هل يُعاد دمج هؤلاء في الحياة السياسية؟ أم يُتركون كرموز لمرحلة انتهت؟
الموقف الأوروبي من ليبيا كان دائما مزيجا من المبدئية المُعلنة والبراغماتية الفعلية. في السنوات الأولى بعد الثورة، رفعت العواصم الأوروبية شعار دعم الديمقراطية والعدالة.
لكن مع تفاقم أزمة الطاقة، خصوصا بعد الحرب في أوكرانيا، تغيّر الحساب. أوروبا اليوم ترى في استقرار ليبيا مصلحة اقتصادية مباشرة، سواء عبر تأمين إمدادات الطاقة أو عبر ضبط موجات الهجرة.
الحكم القضائي الأخير، الذي قد يُقرأ كخطوة نحو تجاوز منطق الانتقام، ينسجم مع رغبة أوروبية في رؤية ليبيا أكثر استقرارا، حتى لو كان ذلك على حساب مطالب بعض الضحايا.
بالنسبة إلى واشنطن، الملف الليبي ظل مرتبطا بمكافحة الإرهاب وبالتوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا.
براءة شخصيات من النظام السابق قد تُثير أسئلة داخل المؤسسات الأميركية حول إمكانية إعادة دمج بعض هذه القيادات في مسارات سياسية أو أمنية جديدة. لكن في الوقت ذاته، الولايات المتحدة تدرك أن أي انقسام داخلي جديد سيعني فراغا تستغله جماعات مسلحة. من هنا، قد تنظر واشنطن إلى الحكم كخطوة نحو إغلاق ملفات الماضي، ولو جزئيّا، لتسهيل بناء مؤسسات أكثر استقرارا.
روسيا، التي عززت حضورها في ليبيا عبر دعم قوات في الشرق، ترى في أي استقرار سياسي فرصة لتوسيع نفوذها في المتوسط.
الحكم القضائي الأخير قد يُقرأ في موسكو كإشارة إلى أن طرابلس قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة، ما يفتح الباب أمام تفاهمات جديدة. لكن في الوقت ذاته، روسيا تدرك أن ذاكرة الحرب لم تندمل، وأن أي محاولة لإعادة دمج رموز النظام السابق قد تُثير ردود فعل عنيفة.
الأمم المتحدة، التي رعت مسارات متعددة للمصالحة الوطنية، تجد نفسها أمام معضلة: كيف تدعم العدالة الانتقالية في بلد يصدر قضاؤه أحكاما مثيرة للجدل؟
الحكم الأخير قد يُستخدم كدليل على أن ليبيا قادرة على إدارة ملفاتها بنفسها، لكنه أيضا قد يُقرأ كإشارة إلى غياب إطار شامل للعدالة الانتقالية. بالنسبة إلى الأمم المتحدة، التحدي هو كيف توازن بين دعم استقلال القضاء وبين ضمان حقوق الضحايا.
ذاكرة فبراير 2011 ليست شأنا داخليا فقط. المجتمع الدولي تابع تلك الأحداث عن كثب، ورأى في سقوط القذافي جزءا من موجة “الربيع العربي”.
اليوم، الحكم ببراءة كبار مسؤولي النظام السابق يعيد طرح السؤال: هل انتهت تلك الحقبة فعلاً، أم أن ليبيا ما تزال عالقة في ماضيها؟
بالنسبة إلى الضحايا وعائلاتهم، البراءة قد تبدو إنكارا للمعاناة. لكن بالنسبة إلى القوى الدولية، قد تُقرأ كخطوة نحو الاستقرار، وهو ما يعكس التناقض بين العدالة كقيمة إنسانية والمصلحة كحساب سياسي.
الحكم القضائي في طرابلس ليس مجرد قرار قانوني. إنه حدث سياسي دولي بامتياز، يعكس مأزق ليبيا بين ذاكرة الحرب وحاجة الدولة إلى الاستقرار، وبين مطالب الضحايا وحسابات القوى الكبرى.
أوروبا ترى في الاستقرار الليبي مصلحة اقتصادية، الولايات المتحدة تنظر إليه من زاوية الأمن، روسيا تسعى إلى توسيع نفوذها، والأمم المتحدة تبحث عن إطار جامع للعدالة الانتقالية.
في هذا المشهد، يبقى السؤال الأكبر:
هل تستطيع ليبيا أن تبني منظومة عدالة انتقالية تُوازن بين الداخل والخارج، بين القانون والسياسة، بين الماضي والمستقبل؟
البراءة في طرابلس ليست نهاية القضية، بل بداية نقاش أوسع حول معنى العدالة في عالم تتداخل فيه القيم الإنسانية مع الحسابات الجيوسياسية.
ليبيا، التي تبحث عن طريقها بعد عقد ونصف العقد من الفوضى، لا تستطيع أن تبني مستقبلها على إنكار الماضي، ولا أن تظل أسيرة منطق الانتقام.
العدالة الانتقالية، إذا وُضعت في إطار دولي داعم، قد تكون الجسر الوحيد الممكن بين ذاكرة الحرب وحلم الدولة المستقرة.
__________
