بقلم الشّايب
قيادات النظام السابق يُسوّقون سردية إنكار تورطهم في جرائم ضد حقوق الإنسان في السجون والمعتقلات، بل حتى الجرائم التي كانت تبث على شاشات التلفزة في شهر رمضان.
ومن المؤسف أن أحد الذين كُلّف بمنصب سيادي قام مؤخرا بتكريم إثنين من أكثر رموز القمع ارتباطًا بجرائم الشنق في الميدان. هذه الشخصيات الإجرامية المكُرّمة عليها إجماع شعبي كبير لكونها من أسوأ النماذج الفاسدة في تاريخ ليبيا، ورغم ذلك فهي تُكَرّم أمام الأشهاد، وتُسَوّق على أنها نموذج خارق للعادة في مجال الرقابة والمحاسبة.
المشكلة الحقيقية ليس فقط في عودة بعض رموز النظام السابق، بل في عودتهم دون مراجعة أخلاقية أو قانونية أو تاريخية، وكأن شيئًا لم يحدث، وكأن الضحايا مجرد “تفصيل عابر” في تاريخ البلاد. هنا يبدأ الخطر الحقيقي، لأن إنكار الألم الجماعي هو الوقود الأسرع للحرب الأهلية.
هناك فرق كبير بين عودة المواطن الذي لم تتلطخ يداه بدماء الأبرياء. وعودة سردية استبدادية لتبرير وتمجيد القمع وتكريم رموزه.
الأسوأ من كل ذلك أن هؤلاء المجرمين يعيشون في وهم عودة النظام الدكتاتوري لحكم ليبيا، ومن الخطأ اعتبارهم واهمون دون اتخاذ مواقف جادة تضعهم في حجمهم الحقيقي. ولعل الخطأ التي ارتكبته فبراير أنها لم تُقِم محاكم انتقام جماعية، ولم تُنفذ سياسة اجتثاث شاملة، بل فتحت المجال لعودة كثير منهم إلى مؤسسات الدولة. لكن غياب العدالة الانتقالية خلق فراغًا خطيرًا، ففسّره البعض على أنه “انتصار للرواية القديمة”، لا “تسوية وطنية”.
تفكيك هذا الوهم لا يكون بالانتقام، ولا بالصمت، ولا بإعادة إنتاج الحرب، بل بإعادة تعريف معنى الدولة والعدالة والشرعية في الوعي العام. ولهذا فالمطلوب اليوم ليس تحريض الثوار على المواجهة، ولا منح حصانة أخلاقية لمن تورطوا في الانتهاكات، بل بناء معادلة وطنية تمنع انفجار الثأر المتبادل.
كيف نفكَّك هذا الوهم؟
أولاً: الفصل بين “الدولة” و”النظام السابق”
أخطر ما يفعله بعض العائدين هو الإيحاء بأن نقد الجماهيرية هو عداء للدولة، وكشف الانتهاكات هو تهديد للاستقرار، والمطالبة بالعدالة هي دعوة للفوضى. وهذا قلب للحقيقة. فيجب ترسيخ خطاب واضح مفاده أن الدولة ليست ملكًا لنظام سابق، وأن المؤسسات لا تُطَهّر بتمجيد الماضي، وأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على إنكار الضحايا. فمن يُكرَّم رغم تورطه في القمع، لا يُعيد هيبة الدولة، بل يُعيد إذلال الضحايا داخل مؤسسات الدولة نفسها.
ثانياً: تحويل ملف الانتهاكات من “ثأر سياسي” إلى “حقيقة وطنية”
حين تُترك الذاكرة بلا توثيق، تتحول إلى وقود تعبئة وحرب. لهذا تحتاج ليبيا إلى أرشيف وطني للانتهاكات، وشهادات علنية للضحايا، وتوثيق إعلامي وقانوني مستقل، وفتح الملفات دون انتقائية. ليس الهدف هو الانتقام، بل منع تزوير التاريخ. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد عقود القمع هو أن يُجبر الضحية على مشاهدة جلاده يُقدَّم كنموذج للنزاهة والكفاءة والوطنية.
ثالثاً: منع شيطنة الثوار أو استفزازهم جماعيًا
الكثير من العائلات فقدوا إخوة وأصدقاء في ثورة فبراير وقبلها، وفقدوا أيضا سنوات من أعمارهم، واستقرارهم النفسي والاجتماعي. وعندما يرون إنكار الجرائم أو إعادة تلميع المتورطين، فإن بعضهم يشعر أن “الحرب لم تنتهِ أصلًا، بل تغير شكلها فقط.” ولهذا يجب رفض خطابين معًا، خطاب الانتقام المفتوح، وخطاب الاستفزاز والتحدي وإنكار المعاناة. فالسلام الأهلي لا يُبنى بالإذلال المتبادل.
رابعاً: إعادة تعريف المصالحة الوطنية
المصالحة ليست نسيانًا، ولا عفوًا مجانيًا، ولا إعادة تدوير للنخب نفسها، ولا مساواة بين الضحية والجلاد. المصالحة الحقيقية تمر عبر الاعتراف بالحقيقة، والاعتذار المعنوي والسياسي، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وبناء مؤسسات قانون لا أشخاص. أما القفز فوق الحقيقة، فهو مجرد هدنة مؤقتة تحت الرماد.
خامساً: تفكيك “غرور العودة”
بعض العائدين يتصرفون وكأن التاريخ عاد إلى الوراء، وكأن الدولة عادت إليهم وحدهم.
وهنا يجب توضيح حقيقة مهمة: ليبيا بعد 2011 ليست ليبيا قبلها، فالمجتمع تغيّر، وحاجز الخوف انكسر، والوعي بالحقوق توسّع، والناس لم تعد تقبل الحكم عبر الرعب والتقديس السياسي. لذلك فإن أي محاولة لإحياء عقلية “من ليس معنا فهو خائن”، أو “الزعيم لا يُحاسب”، أو “القمع ضرورة للاستقرار”، لن تؤدي إلى استعادة الدولة، بل إلى إعادة إنتاج الانقسام والعنف.
سادساً: بناء مشروع وطني يتجاوز الثنائية المدمرة
ليبيا تحتاج إلى الخروج من معادلة “إما الجماهيرية” أو “الفوضى”. فهذه الثنائية هي أخطر إرث سياسي ونفسي بقي في البلاد. الحل الحقيقي هو دولة قانون، وقضاء مستقل، وذاكرة وطنية عادلة، وتداول سلمي على السلطة، ومؤسسات تحمي الجميع. لا دولة ثأر… ولا دولة إنكار.
أما الرسالة الأهم التي يجب أن تُقال اليوم هي: لا أحد يُحاكم بسبب رأيه السياسي أو انتمائه السابق، لكن لا أحد يملك أيضًا حق محو آلام الليبيين أو تبييض الانتهاكات أو إهانة الضحايا باسم “هيبة الجيش أو الدولة”. فالسلام الأهلي لا يتحقق بالقوة، بل بالعدالة والكرامة والحقيقة. وأي مشروع يعيد إنتاج الإذلال أو التقديس أو الإنكار، حتى لو رفع شعار “الاستقرار”، سيدفع البلاد تدريجيًا نحو انفجار جديد.
ما زاد الطين بله أن القضاء معطل بسبب انقسامه، ولو كان هناك قضاءاً مستقلاً للجأ الكثير من الناس إلى مقاضاة هؤلاء الملطخة أياديهم بدماء الأبرياء. هناك شعور واسع لدى كثير من الليبيين بأن غياب القضاء الموحد والعدالة الفاعلة خلق فراغًا خطيرًا تستفيد منه شبكات النفوذ القديمة والجديدة معًا.
لكن من المهم أيضًا الانتباه إلى نقطة جوهرية: الحديث عن “عودة الجماهيرية” لا ينبغي أن يتحول إلى قناعة حتمية تدفع المجتمع نفسيًا نحو الحرب، لأن جزءًا كبيرًا من مشاريع إعادة إنتاج الاستبداد ينجح أصلًا عبر نشر الإحساس بالعجز واليأس والانقسام الدائم.
ما يحدث في ليبيا يمكن فهمه على أنه صراع على من يملك تعريف الدولة، ومن يملك احتكار الشرعية، ومن يملك إعادة كتابة التاريخ. وفي ظل قضاء منقسم ومؤسسات هشّة، يصبح الاستقطاب أداة سياسية مُربحة لبعض الأطراف، لأن الانقسام يمنحهم الحماية من المحاسبة، وإمكانية اللعب على مخاوف الناس، واستثمار ذاكرة الحرب، وإعادة إنتاج أنفسهم باعتبارهم “حماة الاستقرار”.
لكن هناك نقطة شديدة الأهمية وهي أن الحرب الأهلية لا تبدأ فقط بالسلاح… بل تبدأ بالسردية. حين يقتنع كل طرف بأن الآخر يريد إبادته، أو إهانته، أو إلغاء تاريخه، أو إعادة استعباده، فإن المجتمع يدخل تدريجيًا في منطق الحرب حتى قبل إطلاق الرصاص. ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله الآن هو ترك المجال لخطابين متقابلين خطاب يمجّد الاستبداد وينكر الجرائم. وخطاب يرى أن السلاح هو الطريق الوحيد لمنع عودة الماضي. كلاهما يدفع نحو الانفجار.
كيف يمكن كسر هذه الحلقة؟
أولاً: نقل المعركة من “السلاح” إلى “الشرعية الأخلاقية”
من المهم جدًا عدم منح أي تيار يريد إعادة إنتاج الماضي فرصة الظهور كـ “ضحية مستهدفة”. بدل ذلك يجب التركيز على كشف الحقائق، وتوثيق الانتهاكات، والنقد القانوني والمؤسسي، والضغط المدني والإعلامي، وبناء رأي عام يرفض تمجيد القمع.
المعركة الحقيقية ليست “من يملك القوة؟” بل من يملك الشرعية الأخلاقية لبناء دولة حديثة؟”
ثانياً: فضح وهم “الاستقرار عبر الخوف”
هناك من يحاول إقناع الليبيين بأن الديمقراطية تعني الفوضى، والحرية تعني المليشيات، وأن الحل هو العودة إلى القبضة الأمنية القديمة. لكن هذا الخطاب يتجاهل أن ليبيا انفجرت أصلًا بسبب تراكم القمع وغياب المؤسسات والقانون. إن إعادة إنتاج البيئة نفسها لن تنتج استقرارًا، بل انفجارًا مؤجلًا.
ثالثاً: حماية الشرق من التحول إلى خزّان حرب جديدة
من أخطر الأخطاء النظر إلى الشرق أو الغرب ككتل متجانسة. ففي كل المناطق يوجد ضحايا من النظام السابق، وضحايا من مرحلة ما بعد 2011، وأناس يريدون فقط دولة مستقرة تحترمهم. ولهذا فإن الخطاب الوطني العاقل يجب أن يرفض شيطنة الشرق أو اعتبار كل من فيه مشروعًا لإعادة الجماهيرية. لأن التعميم الجهوي هو الوقود الأسرع للحرب الأهلية. والمطلوب عزل المشاريع المتطرفة سياسيًا وأخلاقيًا، لا دفع المجتمعات كلها إلى خنادق متقابلة.
رابعاً: الضغط من أجل مسار عدالة تدريجي حتى لو كان القضاء منقسمًا
حتى مع ضعف القضاء، يمكن العمل على لجان حقيقة مستقلة، وأرشيف وطني للضحايا، وتوثيق الانتهاكات، ومبادرات حقوقية، وشهادات علنية، ومساءلة رمزية وأخلاقية. فالعدالة الانتقالية ليست فقط أحكام محاكم، بل أيضًا اعتراف، وحفظ للذاكرة، ومنع للتزوير، وحماية للأجيال القادمة من إعادة تدوير الاستبداد.
خامساً: تفكيك الوهم النفسي بأن “القوة تعني الشرعية”
بعض رموز الماضي يظنون أن الظهور الإعلامي، أو اختراق مؤسسات، أو الحماية العسكرية، أو الفوضى الحالية، تعني أن المجتمع مستعد للعودة إلى ما قبل 2011. لكن الواقع أعمق من ذلك. حتى الليبيون الذين سئموا الفوضى لا يريدون العودة إلى الخوف، واللجان الثورية، وإلغاء السياسة، وتحويل الدولة إلى مزرعة مغلقة. الناس تريد الأمن، نعم، لكنها تريد أيضًا الكرامة والعدالة والاعتراف بآلامها.
إن الذي يمنع الحرب فعليًا ليس الخطاب التعبوي، بل بناء ذاكرة وطنية مشتركة، ومنع الإهانة الجماعية، وحماية حق الضحايا في الحقيقة، وعدم السماح بتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات انتصار رمزي لطرف على آخر. لأن أخطر شيء على ليبيا اليوم ليس فقط وجود السلاح، بل وجود شعور متبادل بأن “لا مكان لنا في هذا الوطن إلا بالقوة.” وعندما يشعر الناس أن القانون مستحيل، يبدأون في البحث عن العدالة بأيديهم. وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي للدولة.
إن أخطر ما في الحروب الأهلية أنها تبدأ غالبًا بشعور كل طرف أنه يدافع عن نفسه أو يصحح مظلمة تاريخية، ثم تنتهي بتحطم المجتمع كله، وانهيار الثقة بين الناس لأجيال طويلة.
في الحالة الليبية تحديدًا، لا يوجد طرف يستطيع أن يخرج “منتصرًا” من حرب جديدة، لأن الخسارة لن تكون فقط في الأرواح، أو الاقتصاد، أو البنية التحتية، بل في ما تبقى من النسيج الاجتماعي والذاكرة الوطنية المشتركة.
ليبيا دفعت بالفعل ثمنًا باهظًا من الدم، والتهجير، والانقسام، وتعطيل الدولة، واستنزاف الثروات، وضياع فرص أجيال كاملة. وأي انفجار جديد سيجعل فكرة بناء الدولة أصعب بكثير. ولهذا فإن المسؤولية الوطنية اليوم ليست في إنكار الجرائم أو الصمت عنها، وفي الوقت نفسه ليست في تحويل الغضب المشروع إلى دعوة للمواجهة المسلحة، بل في إيجاد طريق ثالث لا يبرئ الاستبداد، ولا يعيد إنتاج الحرب.
الذي تحتاجه ليبيا الآن هو خطاب يرفض الإذلال المتبادل، فلا يمكن بناء سلام بينما الضحايا يشعرون أن آلامهم تُهان، أو بينما يُعامل كل من ينتمي لمنطقة أو مرحلة معينة كعدو دائم.
الكرامة المتبادلة شرط للاستقرار، و حماية الذاكرة دون تحويلها إلى وقود انتقام.
من حق الناس أن تتذكر، ومن حق الضحايا أن يطالبوا بالحقيقة والإنصاف. لكن يجب أن يكون الهدف منع تكرار المأساة، لا توريثها، وإعادة بناء الثقة في فكرة الدولة لأن الكثير من الليبيين فقدوا الثقة لأنهم يرون قضاءً منقسمًا، ومؤسسات ضعيفة، وسلاحًا حاضرًا، وخطابات تخويف متبادلة. لكن البديل عن الدولة ليس الحرية، بل الفوضى الدائمة. ولهذا فإن أي إصلاح، لو كان بطيئًا، أفضل من الانهيار الكامل.
من الضروري منع تجار الخوف من السيطرة على الوعي العام، هناك دائمًا من يستفيد من الانقسام، والخوف، والتحريض، واستدعاء الماضي بأكثر صوره ظلامًا. ولهذا يحتاج المجتمع إلى أصوات عاقلة تقول نعم للحقيقة والعدالة، لا للثأر والحرب.
لعل أهم فكرة يجب التمسك بها هي أن ليبيا ليست محكومة بأن تعيش داخل دائرة (استبداد .. وانفجار .. وفوضى .. وخوف .. ثم استبداد جديد). هذه الدائرة يمكن كسرها، لكن ذلك يحتاج صبرًا، ووعيًا، وضغطًا مدنيًا، وخطابًا وطنيًا يرفض تحويل الاختلاف السياسي إلى معركة وجود. لأن الوطن عندما يتحول إلى ساحة تصفية حسابات تاريخية، يخسر الجميع فعلًا، حتى من يظن نفسه منتصرًا في البداية.
هذا الطرح يحاول حماية ليبيا من أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات، وهو أن تتحول الذاكرة المؤلمة إلى وقود دائم للصراع. فمجرد التمسك بفكرة أن العدالة ضرورية، لكن الحرب كارثة، وأن كشف الحقيقة لا يعني الدعوة للانتقام، هو بحد ذاته مساهمة في بناء خطاب وطني أكثر نضجًا واتزانًا.
ليبيا تحتاج اليوم إلى أصوات تستطيع أن تقول في نفس واحد: لا لإنكار الانتهاكات، ولا لإعادة إنتاج الاستبداد، ولا لتحويل الخوف والغضب إلى حرب جديدة.
هذه المعادلة صعبة، لكنها الطريق الوحيد لبناء دولة يعيش فيها الجميع بكرامة وأمان.
__________