أحمد مصطفى
هل تحوّلت البلاد إلى ممر دولي للمخدرات؟
السلطات البحرية الإسبانية أعلنت قبل أيام ضبط شحنة ضخمة من الكوكايين، تراوحت تقديراتها بين 30 ألف كيلوغرام و45 ألفاً، كانت متجهة إلى ليبيا.
أعاد ضبط واحدة من أكبر شحنات الكوكايين في تاريخ إسبانيا تسليط الضوء على ليبيا، ليس فقط كدولة تعاني انقساماً سياسياً وهشاشة أمنية، بل أيضاً كمحطة متنامية على خطوط تجارة المخدرات الدولية.
فالسلطات البحرية الإسبانية أعلنت قبل أيام ضبط شحنة ضخمة من الكوكايين، تراوحت تقديراتها بين 30 ألفاً و45 ألف كيلوغرام، على متن سفينة شحن انطلقت من سيراليون وكانت متجهة إلى ليبيا، في عملية وصفتها نقابة الحرس المدني الإسباني بأنها “ضربة تاريخية” لشبكات تهريب المخدرات.
وفي أعقاب العملية، أمر رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة بفتح تحقيق والتواصل مع السلطات الإسبانية لجمع المعلومات المتعلقة بالشحنة، وسط تصاعد المخاوف من تحوّل ليبيا إلى نقطة عبور رئيسة في تجارة المخدرات العابرة للحدود.
ويأتي ذلك في وقت تتوسع فيه مسارات التهريب نحو ليبيا خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من الانقسام السياسي والسيولة الأمنية، ما جعل البلاد أكثر انكشافاً أمام شبكات الجريمة المنظمة.
ليبيا ومسارات التهريب الجديدة
وكشفت عمليات ضبط متتالية اعتماد المهربين على شبكات تمتد من موانئ شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى دول الجوار عبر الطرق الصحراوية، فيما ربط تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة بين تفشي تجارة المخدرات والوضع الأمني المضطرب في ليبيا.
وأشار التقرير، الذي يغطي الفترة بين عامي 2020 و2024، إلى أن ليبيا أصبحت “مركز عبور للمخدرات المتجهة إلى الأسواق الإقليمية“، خصوصاً الكوكايين الذي يعبر نحو الشرق الأوسط وأوروبا، بالتوازي مع تزايد تدفق المخدرات الصناعية إلى شمال أفريقيا.
كما حذر التقرير من ارتفاع معدلات التعاطي داخل ليبيا نفسها، ومن تنامي تجارة الكوكايين التي قُدّرت قيمة ضبطياتها بين 3.7 ملايين و7.8 ملايين دولار خلال عام 2024.
وشدد التقرير على ضرورة تعزيز التعاون الإقليمي في مكافحة المخدرات، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية وتنسيق الاستجابات الأمنية، فيما حذرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام في ليبيا أولريكا رتشاردسون من أن العائدات غير المشروعة لتجارة المخدرات “تغذي شبكات الجريمة المنظمة وتقوض المؤسسات وتطيل أمد عدم الاستقرار“.
“أزمات الجغرافيا“
ويرى مدير المركز الليبي للدراسات الأمنية شريّف بوفردة، في حديث لـ“النهار“، أن ليبيا شهدت منذ عام 2011 تحولاً عميقاً في اقتصاد الظل، نتيجة انهيار مؤسسات الدولة وتفكك الأجهزة الأمنية، ما سمح بتوسع الأنشطة غير المشروعة، من تهريب المخدرات إلى الإتجار بالبشر.
ويؤكد أن ليبيا باتت “معبراً رئيساً” لتجارة المخدرات في المنطقة بسبب ما يسميه “أزمات الجغرافيا“، في إشارة إلى حدودها الجنوبية المفتوحة على دول أفريقيا، وإطلالتها البحرية على جنوب أوروبا، إضافة إلى استفادة بعض التشكيلات المسلحة من التجارة غير المشروعة عبر فرض الإتاوات وتمويل أنشطتها.
ويشير بوفردة إلى وجود شخصيات مطلوبة للقضاء الليبي بتهم مرتبطة بالإتجار بالمخدرات، إلا أن غياب الأجهزة الأمنية المتماسكة وحماية بعض التشكيلات المسلحة لهؤلاء يمنع توقيفهم.
وبحسب تقديره، فإن الشحنة المضبوطة في إسبانيا ليست الأولى، لكن حجمها الضخم يعزز فرضية استخدام ليبيا كنقطة عبور، لا كسوق استهلاكية، خصوصاً أن البلاد لا تستهلك هذا النوع من الكميات الهائلة من المخدرات الصناعية.
ويلفت أيضاً إلى تحوّل في مسارات التهريب، بعدما كان المهربون يعتمدون سابقاً على نقل الشحنات إلى موانئ غرب أفريقيا ثم تهريبها براً عبر الصحراء إلى ليبيا. أما اليوم، فيبدو أن المسار البحري عبر البحر المتوسط بات أكثر استخداماً، بحيث تصل الشحنات مباشرة من أميركا الجنوبية إلى الموانئ الليبية، قبل إعادة توزيعها نحو دول المنطقة.
تحذير من التسرع في الاتهامات
في المقابل، يدعو الخبير القانوني الليبي عبد الله الديباني إلى عدم القفز نحو استنتاجات سياسية أو قانونية قبل انتهاء التحقيقات.
ويؤكد الديباني لـ“النهار” أن المعطيات الرسمية المتوافرة حتى الآن لا تثبت بشكل قاطع أن الشحنة كانت متجهة إلى موانئ ليبية، ولا وجود أدلة معلنة على تورط جهات ليبية في شبكة التهريب.
ويعتبر أن تصوير ليبيا على أنها “مركز عالمي لتجارة المخدرات” ينطوي على مبالغة، موضحاً أن موقعها الجغرافي يجعلها منطقة عبور محتملة، مثل دول عدة في حوض المتوسط، لكن ذلك لا يعني أنها تدير الشبكات الدولية.
ويشدد الديباني على أن مواجهة خطر المخدرات تتطلب مقاربة شاملة تبدأ بتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية والرقابية في الموانئ والمعابر، وتطوير التعاون الاستخباراتي مع الدول الأوروبية ودول الجوار، إضافة إلى دعم القضاء والنيابة العامة بالإمكانات التقنية الحديثة.
ويرى أيضاً أن ليبيا قد تحتاج إلى مراجعة بعض القوانين المتعلقة بالإتجار الدولي بالمخدرات وتبييض الأموال، لكن الأهم يبقى، بحسب تعبيره، “توحيد المؤسسات الأمنية والقضائية وتمكين الدولة من فرض سيطرتها الفعلية على الحدود والمنافذ“.
********
إسبانيا تضبط أكبر شحنة كوكايين في تاريخ أوروبا.. ما علاقة بنغازي؟
تحوّلت عملية اعتراض سفينة شحن في المحيط الأطلسي إلى واحدة من أبرز قضايا تهريب المخدرات في أوروبا، ووُصفت بأنها الأكبر من نوعها على سفينة واحدة في تاريخ القارة العجوز.
وبرزت القضية بعد أن كشفت السلطات الإسبانية عن ضبط أكثر من 30 طنًا من الكوكايين على متن السفينة “أركونيان“، لكن تداعيات هذه العملية لم تتوقف عند السواحل الأوروبية، وعبرت إلى الضفة المقابلة في شمال إفريقيا.
فقد أثارت العملية الكبيرة صدىً خاصًا في ليبيا، بعد أن أظهرت بيانات التتبع البحري أن الوجهة المعلنة للسفينة كانت مدينة بنغازي في شرق البلاد، وهو ما سلّطت عليه وسائل الإعلام الإسبانية الضوء بشكل واسع.
ما الذي كانت تنقله السفينة؟
وفقًا لبيان الحرس المدني الإسباني، جاءت العملية التي حملت اسم “أبيسال” في إطار تحقيق أجرته وحدة العمليات المركزية بشأن شبكة تقودها “موكرو مافيا“، والتي أشار البيان إلى أنها تنشط في توزيع “كميات مهمة من الكوكايين إلى أوروبا“.
وقد تمكنت وحدة الاستخبارات البحرية من تحديد موقع السفينة “أركونيان“، مؤكدةً أنها “انطلقت من غرب إفريقيا باتجاه البحر المتوسط“، قبل أن تُقتحم في الأول من مايو/أيار جنوب جزر الكناري. عُثر على متن السفينة كوكايين وأسلحة وكميات من الوقود – الحرس المدني الإسباني. وأوضح الحرس المدني أن السفينة كانت تحمل 30,215 كيلوغرامًا من الكوكايين موزعة على 1,279 رزمة، واصفًا العملية بأنها “أكبر ضبطية على سفينة واحدة في تاريخ مكافحة المخدرات بأوروبا“.
وخلال عملية الاقتحام، قامت القوات بتحييد ستة أشخاص كانوا مسلحين ببنادق هجومية ومسدسات، مشيرًا إلى أنهم كانوا مكلفين بحراسة الشحنة “لتجنب سرقتها من جانب منظمات أخرى“.
ولم تقتصر المضبوطات على الكوكايين فقط، إذ كشف الحرس المدني أنه بعد تأمين السفينة، جرى العثور على ممر طويل في أحد جانبيها “ممتلئ برزم الكوكايين“.
وأضاف أنه عثر في الممر المقابل على أكثر من 42 ألف لتر من الوقود موزعة على 2,108 عبوات، يُعتقد أنها كانت مخصصة لتزويد “القوارب المسؤولة عن تسلم المخدرات“.
توقيف 23 شخصًا من طاقم السفينة
تُعزز وثيقة صادرة عن القضاء الإسباني هذا السيناريو، إذ أفاد بيان المحكمة بأن وحدة مكافحة المخدرات التابعة للحرس المدني أبلغت القاضي بأن السفينة كانت تنقل كميات كبيرة من الكوكايين بهدف “نقلها إلى سفن أخرى عالية السرعة“، تمهيدًا لـ“إدخالها لاحقًا إلى البر الرئيسي الإسباني“.
وقرّر القاضي توقيف 23 شخصًا من طاقم السفينة دون كفالة، مع توجيه اتهامات تشمل تهريب مواد مخدرة، والانتماء إلى منظمة إجرامية، وحيازة مواد قابلة للاشتعال وأسلحة حربية.
من جانبه، قال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، في مؤتمر صحفي اليوم الجمعة، إن السفينة انطلقت من سواحل غرب إفريقيا، وكانت وجهتها المعلنة مدينة بنغازي في ليبيا.
وأوضح أن التحقيقات أظهرت أن هذا المسار لم يكن سوى “غطاء للتمويه“، حيث كانت المهمة الحقيقية للسفينة تتمثل في تزويد منظمات مختلفة بالمخدرات عبر قوارب تهريب سريعة.
__________