بقلم الشّايب

النظام الجماهيري أعدم وأخفى وغيب وقبر الكثير من المناضلين، وعائلات هؤلاء الشهداء لا زالوا يعانون حتى بعد فبراير، وهذه العقدة هي من أسوأ آثار الجماهيرية بعد إسقاط النظام. وتفكيك هذه العقدة يحتاج إلى التعامل معها باعتبارها ليست مجرد “ملف مفقودين”، بل أزمة عدالة وذاكرة وهوية قانونية وإنسانية تراكمت عبر عقود.
فالعائلات التي لم تستلم جثمانًا، ولم تعرف مكان الدفن، ولم تتحصل حتى على شهادة وفاة، بقيت معلقة بين الأمل والحداد، وبين القانون والفراغ. وهذه من أعقد آثار النظام الجماهيري لأنها مست كرامة الإنسان بعد الموت، وأدخلت آلاف الأسر في حالة “فقدان دائم”. حجم معاناة عائلات الشهداء كبير، وهي مأساة إنسانية وقانونية عميقة خلفها النظام الجماهيري السابق في ليبيا. وتفكيك هذه العقدة يتطلب مقاربة متعددة المستويات:
أولا، على المدى القريب:
توثيق الشهادات عبر منصة وطنية موحدة تجمع روايات العائلات والأدلة المتوفرة (حتى لو كانت صوراً أو شهادات جيران أو مواقع تقريبية).
إنشاء آلية قانونية استثنائية تتيح إصدار “شهادات وفاة تقريرية” بناءً على قرائن قانونية وإنسانية، أسوة بتجارب بعض دول أمريكا اللاتينية بعد صراعاتها.
الاستعانة بالمنظمات الدولية (مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر) للدعم التقني في أساليب التعرف على الرفات حال العثور على مقابر جماعية.
ثانيا، على المدى المتوسط:
إنشاء هيئة وطنية للمفقودين بمشاركة أسر الضحايا والمجتمع المدني، وتكون مسؤولة عن البحث والتوثيق والدعم النفسي والقانوني.
تفعيل قانون العدالة الانتقالية ليشمل الحق في معرفة الحقيقة والحق في التعويض العادل، مع تخصيص محكمة متخصصة لقضايا الشهداء والمغيبين.
إنشاء قاعدة بيانات وراثية مركزية لعينات الحمض النووي لأقارب المفقودين، لتسهيل التعرف على الرفات مستقبلاً.
التحديات الرئيسية:
- ضعف المؤسسات القضائية والإدارية في ليبيا حالياً.
- عدم الاستقرار الأمني الذي يعيق عمليات التنقيب عن المقابر الجماعية.
- غياب الإرادة السياسية الموحدة حول ملف العدالة الانتقالية.
خطوة فورية ممكنة: العمل مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لطرح هذا الملف كأولوية إنسانية فوق الخلافات السياسية، مع الضغط لعقد مؤتمر وطني للمفقودين تستدعى له كل العائلات المتضررة دون تمييز جغرافي أو سياسي.
ثالثا، على المدى البعيد:
يمكن معالجة هذه الأزمة عبر مسار وطني متدرج يجمع بين العدالة الانتقالية والقانون والطب الشرعي والإدارة المحلية والاعتراف الرسمي.
1) الاعتراف الرسمي بالمأساة
أول خطوة هي الاعتراف الواضح بأن الإخفاء القسري كان ممارسة ممنهجة، وحرمان الأسر من معرفة المصير انتهاك مستمر وليس حدثًا انتهى، والدولة الليبية الحالية مسؤولة أخلاقيًا وقانونيًا عن كشف الحقيقة حتى لو تغير النظام.
ولهذا يجب إصدار: “إعلان وطني لحق العائلات في معرفة الحقيقة” يتضمن: حق كل عائلة في معرفة مصير ذويها، وحقها في استلام الرفات إن وجد، وحقها في شهادة وفاة قانونية وإنسانية، واعتبار جرائم الإخفاء القسري غير قابلة للتقادم.
2) إنشاء هيئة وطنية مستقلة للمفقودين والمقابر السرية
لا يكفي وجود لجان متناثرة أو عمل أمني محدود. المطلوب هيئة مستقلة بصلاحيات كاملة تضم قضاة، وأطباء شرعيين، وخبراء الحمض النووي، وممثلين عن العائلات، ومختصين بالأرشيف العسكري والأمني، ومختصين نفسيين واجتماعيين.
هذه الهيئة ينبغي أن تكون لها صلاحيات فتح المقابر الجماعية، واستدعاء الشهود، والوصول للأرشيفات القديمة، وطلب التعاون الدولي، حماية المبلغين.
3) مشروع وطني للبحث عن المقابر السرية
هذه القضية لا تُحل بالعشوائية أو البلاغات الفردية فقط، بل عبر مشروع وطني منظم يشمل خريطة وطنية للمواقع المحتملة، تشمل السجون القديمة، والمعسكرات، والمزارع الأمنية، ومناطق الإعدام، والصحارى التي استُخدمت للدفن السري.
كما ينبغي جمع الشهادات من سجناء سابقين، وحراس، وعناصر أمن سابقة، وسكان المناطق. وتوثيق رقمي موحد، بقاعدة بيانات وطنية تشمل الاسم، وآخر ظهور للضحية، و تاريخ الاعتقال، والجهة المحتملة، وهوية الشهود، ونتائج الحمض النووي
4) حل أزمة الوفاة بلا جثمان
هذه من أعقد العقد القانونية لأن كثير من العائلات لا تستطيع تقسيم الإرث، وتعديل السجلات، والزواج مرة أخرى في بعض الحالات، وإنهاء المعاملات القانونية، ولهذا يجب استحداث شهادة إثبات مصير، وهي مرحلة وسط بين المفقود والوفاة المؤكدة. ثم بعد التحقيق، تُصدَر شهادة وفاة خاصة بضحايا الإخفاء القسري مع نص قانوني واضح “عدم العثور على الجثمان لا ينفي ثبوت الوفاة”.
5) العدالة ليست فقط محاكمات
بعض الجناة ماتوا، وبعض الأدلة ضاعت، وبعض الجرائم يصعب إثباتها بعد عقود. لكن العدالة يمكن أن تتحقق أيضًا عبر كشف الحقيقة علنًا في جلسات استماع وطنية، وشهادات موثقة، واعترافات، وفتح الأرشيف. فالعديد من العائلات تريد أن تعرف فقط أين ذهب ابنها.
6) بنك وطني للحمض النووي
هذا البنك ضروري جدًا ويجب أن يشمل عينات من عائلات المفقودين، وعينات من المقابر المكتشفة، وأرشفة إلكترونية مؤمّنة. لأن كثيرًا من المقابر لن يُعرف أصحابها إلا بعد سنوات.
7) حماية الذاكرة الوطنية
من أخطر ما خلفته الجماهيرية الخوف من الكلام، ودفن القصص، وتبرير الانتهاكات وتحويل الضحايا إلى “ملفات منسية”. ولهذا يجب إنشاء متحف للذاكرة الوطنية، وأرشيف رقمي للشهداء والمفقودين، ويوم وطني للشهداء وللمفقودين وضحايا الإخفاء القسري، وأيضا ينبغي أن تعد مناهج تعليمية تشرح خطورة الاستبداد حتى لا تتكرر المأساة مستقبلًا.
8) دور البلديات والمجالس الاجتماعية
في مدن مثل طرابلس وغيرها، يمكن للمجالس الاجتماعية أن تساعد في جمع الشهادات وتهدئة النزاعات، ودعم العائلات نفسيًا، وحماية المقابر المكتشفة من العبث، وتشجيع المصالحة القائمة على الحقيقة لا الإنكار.
كيف نمنع تكرار ذلك مستقبلًا؟
عبر تفكيك البنية التي سمحت بالإخفاء أصلًا، ومنها غياب القضاء المستقل، والأجهزة الأمنية المغلقة، وتقديس الحاكم، وغياب الصحافة، والإفلات من العقاب، وعسكرة السياسة. ولذلك فإن ملف المفقودين ليس ملفًا إنسانيًا فقط، بل مفتاح لإعادة بناء الدولة القانونية في ليبيا.
هناك معادلة مهمة جدًا: “لا يمكن بناء مصالحة حقيقية فوق قبور مجهولة”
ولهذا فإن كشف الحقيقة، حتى بعد عقود، ليس فتحًا للماضي فقط، بل شرط أساسي للاستقرار في المستقبل. المشكلة لم تكن فقط في الجرائم الأصلية، بل في أن “منظومة الإخفاء والعقاب” بقيت حيّة بعد سقوط النظام، لأنها لم تكن مجرد أشخاص بل شبكة مصالح وخوف واختراق إداري وثقافة مؤسساتية كاملة.
ولهذا فالكثير من العائلات شعرت أن النظام سقط، ولكن آلية الإذلال بقيت، والملفات بقيت مغلقة، وبعض المتورطين انتقلوا من خدمة الجماهيرية إلى مواقع جديدة داخل مؤسسات ما بعد فبراير.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس “كيف نبحث عن المفقودين؟” بل “كيف نكسر البنية التي تمنع ظهور الحقيقة؟” وهذه تحتاج إلى اختراق المنظومة نفسها وليس فقط إنشاء هيئة أو قانون.
1) فهم طبيعة المنظومة التي تحمي الإخفاء
المنظومة الحالية غالبًا تتكون من عناصر متورطة مباشرة تخشى المحاسبة، والفضيحة، والانتقام الاجتماعي، وفقدان النفوذ. وأغلبهم موظفين يخافون فتح الملفات لأنهم ورثوا عقلية الخوف، ويخشون المليشيات أو أصحاب النفوذ، ويعتبرون الملف خطرًا.
هناك شبكات مصالح استفادت من الفوضى، وضياع الأرشيف، واستمرار الغموض.
ومن ثقافة عامة تقول “لا تفتحوا الماضي حتى لا ننفجر” بينما الواقع أن الماضي لم يُغلق أصلًا، بل تُرك ينزف داخل العائلات.
2) الاختراق الحقيقي يبدأ من نقل الملف من “أمني” إلى مجتمعي حقوقي
هذه نقطة محورية، طالما بقي الملف أمنيًا، سريًا، مرتبطًا بأجهزة نافذة، فسيظل معطلًا. لكن عندما يتحول إلى: قضية رأي عام، وقضية حقوقية، وقضية إنسانية وطنية، تصبح عرقلة الحقيقة أكثر كلفة على من يمنعها.
3) أخطر ما يجب كسره هو عزلة العائلات
النظام السابق اعتمد على تفتيت الضحايا، وعزل كل عائلة وحدها، وجعل الألم فرديًا وصامتًا. ولذلك أول اختراق فعلي هو بناء رابطة وطنية لعائلات المفقودين وليس بشكل رمزي فقط، بل كقوة منظمة لديها: قاعدة بيانات، وفريق قانوني، ومتحدثون، وتوثيق إعلامي، وضغط محلي ودولي. لأن العائلة المنفردة يمكن إسكاتها، أما الكتلة الوطنية المنظمة فتصبح رقمًا صعبًا.
4) فتح “الأرشيف البشري” قبل الأرشيف الرسمي
في ليبيا جزء كبير من الحقيقة ليس في الأوراق بل في صدور الناس. هناك سجانون سابقون، وسائقون، وحراس، وموظفو دفن، وعسكريون، وسكان مناطق، وموظفون في المستشفيات، وكثير منهم يعرف، لكنه خائف، أو يشعر بالذنب، أو ينتظر ضمانات.
ولهذا يجب إنشاء برنامج “الشهادة الآمنة” الذي يعطي حماية قانونية بسرية، وإمكانية الإدلاء بالمعلومات دون انتقام. أحيانًا كلمة واحدة من شخص مسن قد تكشف مصير عشرات العائلات.
5) اختراق المنظومة يحتاج إلى “تحالف داخل الدولة”
ليس كل من هو داخل المؤسسات خصمًا، هناك قضاة شرفاء، وضباط متضررون، وموظفون يريدون الحقيقة، وأطباء شرعيون. لكنهم غالبًا مشتتون، خائفون، بلا غطاء سياسي. ولذلك يجب بناء: “شبكة مؤسساتية للحقيقة” تعمل بهدوء وتدرج، وتبدأ بملفات قابلة للكشف.
6) البدء بالملفات التي يصعب إنكارها
بدل فتح كل شيء دفعة واحدة. يجب اختيار ملفات موثقة، ومواقع معروفة، وشهود موجودين، وعائلات منظمة. لأن النجاح في ملف واحد يكسر حاجز الخوف، ويعطي العائلات الأخرى أملًا، ويفضح المعطلين.
7) فضح آلية التعطيل نفسها
أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الأدلة بل في تعطيل الإجراءات، وإخفاء الملفات، زنقل الموظفين، وإضاعة العينات، والتسويف الإداري. ولهذا يجب توثيق من عطل؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟ حتى يتحول “التعطيل الإداري” إلى مسؤولية عامة لا عمل خفي.
8) استخدام التكنولوجيا لكسر الاحتكار
يمكن بناء منصة رقمية للمفقودين، وخريطة تفاعلية، وأرشيف صور، وتوثيق شهادات صوتية. لأن الأنظمة المغلقة تخاف من “الذاكرة المفتوحة”.
9) المعركة الحقيقية نفسية أيضًا
الكثير من العائلات أُنهكت بالإذلال، الانتظار، الوعود، الخوف، فقدان الثقة. ولهذا يجب تحويلهم من “ضحايا ينتظرون” إلى “شركاء في كشف الحقيقة”.
10) كيف نمنع استمرار القسوة مستقبلًا؟
عبر تجريم ثلاثة أشياء بوضوح: الإخفاء القسري، وإخفاء المقابر، وتعطيل حق العائلات في الوصول للحقيقة، يجب اعتبار إتلاف الأرشيف، منع التحقيق، العبث بالرفات، عرقلة اختبار الحمض النووي، جرائم مستقلة.
هناك حقيقة مهمة جدًا في الحالة الليبية: المنظومة التي أخفت الضحايا لا تزال تراهن على عامل الزمن. أي أنها تنتظر موت الأمهات، تعب العائلات، ضياع الشهود، نسيان المجتمع.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن فعله ضدها هو التنظيم، التوثيق، الاستمرارية، تحويل الألم الفردي إلى قضية وطنية مستمرة.
لأن الحقيقة في النهاية لا تظهر فقط بالقوة القانونية، بل أيضًا بكسر الخوف الذي حمى الجريمة لعقود.
_________