سالم الكبتي

(عطشان.. لا تذهبي .. لكنها تنسل في رفق .. وفي خريرها ألم .. وبين جوانحها كمد)          خليفة التكبالي

1938 عام أقبل على طرابلس. ولد خليفة التكبالي في مدينتها القديمة. سيصير لاحقاً عند عامه العشرين قاصاً ينقش بيديه آفاقاً جديدة في أدب ليبيا. ثم ضابطاً في الجيش.

في العام الفائت الذي ولى إلى الوراء .. 1937 كان عاماً خصباً بعد أمطار فاضت في الوطن كله وفاض معها الموسم بخيراته.

وكان موسوليني قد حضر إلى ليبيا في زيارة مشهورة يومها. قدم في مارس في عز الربيع. بدأ من امساعد عند الحدود الشرقية وتابع جولاته خلالها. أزاح ستاراً عن تمثال ضخم له أمام السرايا الحمراء قرب المدينة القديمة.

الشط تضرب مياهه الزرقاء أسوار تلك السرايا. يومها أيضاً كان بعض الليبيين يعودون حفاة من حرب الحبشة التي أجادوا فيها البلاء مع جيش إيطاليا في تلال أسمره وأديس أبابا. غذت إيطاليا كراهيتهم في عنصرية واضحة للأحباش الأبرياء بدعاوى واهية ودونما مبرر.

ذلك العام الذي ولد فيه التكبالي ستقرر إيطاليا الفاشية جنسيتها على الليبيين وتحشدهم في مراكز التجنيد الإجباري استعداداً لأيام قادمات. الفاشية وجه من وجوه الديكتاتورية والقهر. فترة مملة وسوداء عاشها الليبيون بكل أبعادها.

ولم يكن ثمة مناص. بالبو سيواصل إعمار المدن والمستوطنات.

سيتهاطل وصول المعمرين من صقلية وسيشيليا وغيرهما عبر السفن. سترميهم في الأراضي الخصبة. وسينتشرون في ضواحي طرابلس وسواها من المدن وفي الجبلين الغربي والأخضر وكل القرى. سياسة الاستيطان والتغيير.

غدت ليبيا إيطالية صرفة. بعد عام ستهب رياح الحرب في العام التاسع والثلاثين. وعقب الحرب سيصير لليبيا شأن آخر مختلف اعتباراً من العام 1943. ينهزم الإيطاليون. ينسحبون من مستعمراتهم بعد هزائم وكوارث لحقت بهم. تحل الإدارتان العسكريتان.. البريطانية في طرابلس وبرقة والفرنسية في فزان. وينشأ شيء هنا اسمه بعد الحرب.

يتشكل منه جيل خليفة التكبالي. ومع هذا الشيء تتشكل تجربة للجيل الوليد الطالع من رماد الحرب. الجوع والخراب والفقر والمرض. عوامل تفتك بالجميع.. ولا مناص أيضاً ولا مفر.

الجيل يفتح أبصاره على المزيد من الهموم والأحزان وتنمو في صدره عوامل القلق والرفض والتمرد والحلم بغد بعيد.. بعيد قد يأتي ولا يأتي.

ترك الإيطاليون آثاراً من ثقافتهم وعاداتهم. طرابلس بمعمارها تتساوق وتنهض من جديد وكذا كل ليبيا. وثمة حراك يدق النوافذ والأبواب.. أحزاب وجماعات.

المؤتمر يبرز بحلول السعداوي. المظاهرات. الوعي الوطني.

أحاديث الوطن ومقاومة مشاريع الانتداب والوصاية والتقسيم تسود المقاهي وسوق الرباع والمشير وميدان الساعة والضواحي. السعداوي والأمير أيضا في برقة. ومستقبل ليبيا في مفترق الطرق.

والتكبالي في عامه العاشر يلج مدارس المدينة ويبدأ في فك الحروف والتعلم مع جيل رماد الحرب وغبارها. ومن الطبيعي يظل في صدره كمد والكثير من المشاعر والأحاسيس التي تزحف وتضرب في العمق.

الوطن يقترب من حافة الاستقلال. ويدخل مرحلة مهمة ومؤثرة في تاريخه. الجيل يحلم ويحاول النهوض بالمسؤولية. الوعي خلقه الحراك والمعلمون الوطنيون ونبض الشارع. وأنفاس المواطن البسيط.

التكبالي الشاب.. المتطلع إلى الغد مثل غيره من أبناء الجيل.. القلق المتمرد في نفسه ضجيج الأعماق. صرخة مكبوتة لجيل يراود ويتلمس الطريق. الموهبة تنفجر كتابة. القصة كانت بيانه الأول. قصة قصيرة فيها روح التكبالي وقلقه وملامساته للواقع المرير.

خطوات جديدة على درب القصة والحكاية الليبية. والشعب الليبي كما يصفه القاص الرائد يوسف الدلنسي شعب قاص.

التكبالي استل مخزون الحكايا في المدينة القديمة ودروبها. لاحظ المعاناة اليومية وعاشها. الخمسينيات من القرن الماضي كانت سنوات الجمر القلقة مثل روح التكبالي.. مثل أنفاس جيله. كلها تصب في نقطة واحدة وتنطلق من نبع واحد أيضاً.

التكبالي لم يكن استثناء أو شذوذاً من الجيل. هو جزء منه. قطعة من الفسيفساء الليبية. صورة لما يدور فوق أرضها. قصة التكبالي التي بدأت تنتشر أيامها وفرح بها الأصدقاء تحمل نكهة جديدة فيها صدى الواقع.. مراراته وعذاباته وأحزانه. كلها تنقل التمرد الواضح على ما هو سائد وتحفل به.

حياة التكبالي تمرد في حد ذاتها مثل قصصه على الواقع الذي عاشه. صورة متكاملة لجيل ينهض ويحلم ويصطدم بالجدران. ينشر القصص. ينشط في نادي الشباب بالمدينة. يفوز بمسابقات تتصل بالقصة القصيرة. يعمل في مهن عديدة. توقف عن الدراسة في النهار. حكايات الأصدقاء ولقاءاتهم.. والتمرد الذي يسود النفوس والواقع.

يظل فترة جنديا في قوة البوليس. يقترب من مآسٍ مختلفة. يقف على أسبابها. وتلوح جوانب من المظالم. كيف يجعل الواقع إنسانه شريداً ومجرماً ومنحرفاً. والقصص تفصح عما يحدث بإتقان.

والقصة الليبية في ذلك كله تعكس الظلال وتصور الأطياف. الواقعية تطرق موضوعاتها. قضايا تتشكل وتتكون. مصطلحات ومسائل تظهر. تأثرات بمذاهب ومدارس وأفكار وكتب ومناهج ونظريات. التنوع أساس للموهبة وللحياة.

الكيمياء الكامنة في نفس التكبالي لم تتوافق مع السائد. لم تستطع التعايش معه. مثلما سترفض هذه الكيمياء القلقة علاقة يشوبها التباس وحذر داخل أسوار الكلية العسكرية في بنغازي مع رفيقه في الدفعة وصاحب الرقم الحادي والعشرين. معمر القذافي القادم من صحراء سرت والأقسام الداخلية في سبها ومصراتة والمشبع بتأثير عبدالناصر والمرور السريع بالبعث في فزان والقوميين العرب في مصراتة. رفض التنوع من أصوله.

الرفض له جذور في النفس القلقة. يغادر إلى ألمانيا. أيامها كانت الهجرة صعبة لكنَّ نفراً من ذلك الجيل قام وجاسر بها.

اتجه كثير من الشباب في طرابلس وبنغازي إلى ألمانيا. الإمكانيات عسيرة والمكان ناء وبعيد. شباب اقتفى أثر الهجرة في تلك الأعوام.. بمفرده ودون أن توفده الدولة كما حدث لآخرين.

لماذا ألمانيا؟

أسباب غير معروفة. ربما لنهوضها عملاقة نحو الشمس بعد الحرب. ربما للكبرياء الذي يملأ نفوس أبناء شعبها. ربما لتجربتها الجديدة. إلى هناك وصل التكبالي وسيصل أيضاً من بنغازي محمد المطماطي وإبراهيم زغبية وعبدالله طوير وغيرهم.

خاطبت بنت الوطن خديجة الجهمي بعضهم وفقاً لهذه الهجرة القاسية تلك الأيام بأغان عاشت وتمددت في أعماق الجيل.. قالت ونظمت..

(تباعدت عني) و(بعد ولفتي) و(الغالي رحل).

كانت هجرة التكبالي في العام 1960. بدأ الوطن يصل إلى مشارف أخرى. رائحة البترول واكتشافه ثم تصديره. تبدل السلوكيات وأخلاق العديدين. البترول قلب المجتمع وغيره. لم يعد كما كان. انعكست وتداعت الآثار على الكثيرين. ثقافة جديدة حلت ونشأت معها تصرفات مختلفة. تنوع من نوع آخر صادم حصل في المجتمع الساكن والراكد.

وفي ألمانيا يدرس في الليل وفي النهار يعمل. يتعلم الألمانية بلكنتها وعباراتها الثقيلة. يهتم بالأدب الألماني ويقرأ ما يتعلق بقصصه. في ألمانيا تجارب منذ غوته وغيره. وتحفل بالمستشرقين والدارسين والمهتمين بالشرق.

يتواصل مع صديقة ألمانية وينجب منها ولداً. يتركهما هناك. يعود في العام الثالث والستين بعد ثلاث سنوات في الغربة والهجرة. لم يستقر كثيراً في طرابلس.

النفس القلقة والموارة بالحنين والحراك تقوده إلى الكلية العسكرية الملكية في بنغازي. ترك الحياة المدنية وما فيها من انطلاق وأقبل على العسكرية الخشنة القاسية. هل ثمة تأثر هنا بتجربة الألمان وجديتهم وإقبالهم على ذلك النوع من الحياة؟

يجتاز الكشف الطبي في معسكر جادو بطرابلس. الكلية في بوعطني بضواحي بنغازي ستستقبل القاص ابن المدينة الذي كان مهاجراً لدى الألمان.

الدفعة السابعة تحتويه بالكامل. الأعمار تختلف وتتنوع والثقافة والمعرفة والتجربة. يشعر بأنه يختلف هنا عن غيره. هو صاحب تجربة مغايرة. لكنه في الغالب كما تشير الروايات المؤكدة بأن ولادته العام 1938 تقارب نفس ولادة زميليه معمر القذافي وبشير هوادي ومن بعدهما في الدفعة الثامنة امحمد المقريف. تلك الروايات تقول بأنهم كانوا من مواليد أعوام الثلاثينيات.

وفي كل الأحوال ظل التكبالي في الكلية.. مرحاً ومنطلقا محباً للفن والرقص والموسيقى خلال لحظات الراحة من التدريب وفي نفسه تأثر بالحياة السابقة في ألمانيا.

لكنه ظل أيضاً مثقفاً وقارئاً جيداً استفاد من تجربته الألمانية. يميل بعض الوقت إلى العزلة والحنين إلى شيء ما. كان في الواقع يحمل في صدره كمداً وألماً.. لا ينطلق!
والكيمياء الضاجة لم تتفاعل في نفسه مع غيره هناك.. في ساحة الكلية وعنابرها.

وماذا أيضا؟!

_______________

Related Articles