المناضل علي بشير يتذكر: رفقة الشهيد في رحلة عودته إلى الوطن وملابسات استشهاده، وأحداث أخرى

هذه سردية أحد رفاق الشهيد الذين عبروا الحدود معه نحو الوطن، يحكي فيها تجربته مع مجموعة بدر وعن دخولهم إلى أرض الوطن وعن ملابسات استشهاد الحاج أحمد، وعن اعتقاله ورفيقه الآخر في تلك الرحلة، وعن تجربته في سجن بوسليم وغيرها من الذكريات.

بقلم علي بشير حمودة

الجزء الثامن

الزيارات ورؤية الأهل:

أثناء وعقب تمثيلية (الكاشيك) في أبي سليم جاء أهالي السجناء وذووهم من كل حدب وصوب طمعاً في رؤية أحبابهم والرجوع بهم، فالتأم شمل من شملهم الإفراج بذويهم، فكانت المشاهد المؤثرة ، كما أنّ هناك صورة أخرى كانت جراحها أنكى، وهم الذين لم يجدوا أحداً؛ آباء وأمهات وزوجات وأبناء، تسارعت خطواتهم وعقولهم الشاردة وسط زحام السجناء المفرج عنهم وذويهم يسألون بحرقة ولهفة، ويتأملون الوجوه لعلهم يلقون من عنهم يبحثون، ولمّا لم يجدوا أحداً علت الآهات والزفرات وجرت الدموع وتحركت المواجع وسقط البعض من هول صدمته، ووقف الأهالي وقفة احتجاج أمام السجن، وذهب البعض إلى مقر الطاغية بباب العزيزية، وطالبوا بالإفراج عن البقية ، وأمام السجن خرجت لهم إحدى حارسات معمر (جميلة درمان على ما أذكر) وفتحت فمها بالشتم والبذاءة، فما كان من أحد الأهالي إلا أن وجّه لها قبضته ولكمها على وجهها، وحدثت مشادّة، ثمّ جاء الجلاد عبدالله السنوسي وقال لهم مهدداً : “إلليّ طلقناه طلقناه و الليّ بنشنقوه شنقناهوطلب منهم الانصراف وإلا

ولكن بعد ساعات ونظراً لحساسية الوقف ووجود منظمات دولية وإعلام وصحافة والتمثيلية لا يزال إيقاعها ماضياً قرّروا السماح بالزيارة، وجاء الأهالي إلى سجن (الجديّدة) كان الحرس وأفراد الأمن يفتحون الباب ويدخلون وبأيديهم قوائم من سأل أهاليهم عنهم، وكان من الأسماء المُنَادى أسماء من أعدموا أو ماتوا ، ولا زلت أذكر أحد الحراس ينادي على اسم آدم الحواز – رحمه الله– .

أما عني فلم يكن الأهل يعلمون عني شيئاً وكان الأمن يبثون لهم إشاعات متضاربة: حيّ ، ميت، لا يزال خارج البلاد إلا أنّهم شبه مقتنعين بأنّي لست على قيد الحياة، فلا يُعقل أن يُبقي القذافي عليّ حياً، و كان من ضمن من أفرج عنهم من مدينتنا مصراتة : حسين الشيباني شعبان وعبد الحميد عبد الله المحيشي ومحمد طريم ومحمد كنيمو ومصطفى بن نصر، وعندما ذهب عمّي مصطفى لزيارة وتهنئة حسين الشيباني ومحمد كنيمو علم منهما أنني حيّ وبإمكانهم زيارتي، ولم يصدق ما سمع فجاءني ومعه أخي وابن عمي، ليتأكد، فكان اللقاء الذي اختلطت فيه مشاعر السعادة بالحزن ودموع الفرح بدموع البكاء، وكان اللقاء قصيراً، نظراً لإلحاح الحراس بضرورة الخروج للزوار، كان هذا يوم 10 أو 11 مارس 1988م .

ثمّ نقلنا إلى قسم آخر بسجن (الجديدة) ولم نكن ندري أين سيضعنا القذافي، ويبدو أنهم هم أنفسهم كانوا في حيرة فالإشاعة حول سجن أبي سليم أنه دمّر وستتم إزالته، وهو في نفس الوقت أفضل مكان عندهم لضيوفهم السجناء حيث أن احتياطات الأمن في بنائه ومكانه ووجود مقر إدارة الشرطة العسكرية فيه، كلها تؤهله لأن يبقى مهما أذيع وأشيع، وفعلا بدأت عملية نقلنا نحن (المائة المستثناة) يوم 14 مارس في الحافلات إلى سجن أبي سليم، وكان وصولنا ليلاً، وتم إيقافنا وأخذ تمامنا في إحدى الساحات بين عنابر السجن، وأمامنا وقف العقيد خيري خالد الذي نادى على مساعد مدير السجن مبارك إكسوّا التارغي، وأمره بتوزيعنا على عنبرين الخامس والسادس بالسجن العسكري، ودخلنا نحمل حاجياتنا وكنت حينها أعاني ألما شديداً في الظهر، وحين دخلنا الحجرات التي كان بها قبلنا سجناء الجنايات العسكرية، فكانت الروائح الكريهة والأوساخ التي تملأ المكان فبادر الإخوة بنظافة المكان وتطهيره وكانت ليلة تعب وإنهاك شديد.

كانت حجرتنا أو زنزانتنا رقم (2) وكان معي بها: عارف دخيل البرعصي وحسن نشنوش ومحمد التومي (عضو المؤتمر الوطني حاليا) ود/علي بن عروس، وتكدّست أمتعتنا على الأرض وكانت الصراصير تملأ المكان، وكذلك الفئران الكبيرة.

كانت الإشاعة تطلق في كلّ اتجاه، الإفراج ، هناك محاولات ، ووعود ، وكانت الغاية منها في نظري إلهاء الناس واللعب بمشاعر الأهالي وعواطفهم وكذلك السجناء، إلا أنني كنت – ومعي بعض الإخوة – ندرك أنّ القذافي لن يطلق سراحنا أبداً أو على الأقل لن يكون هذا في الوقت القريب، أما معاملة الحرس فقد تغيرت نوعاً ما، وهو راجع لأوامر لهم بتخفيف الضغوط ومسايرة الحالة التي يريدها القذافي، كان بعض الحرس لا يخلو من بقية خير فاستغل الفرصة لإظهار تعاطفه وفرحه وهم قليل جداً، وبعضهم حيران لم يستطع فهم ما يجري، ومنهم من كان يدرك اللعبة فكان يقول بصريح العبارة : “ما تغير شيءوعلى رأس هؤلاء شيطان رجيم اسمه صالح سلطان القذافي (رئيس عرفاء وهو عين الطاغية داخل السجن) كان لا يأبه لشيء ولا يتقيد بأمر بل كان يهزأ من خيري خالد وغيره، ولم يظهر منه إلا مزيد الصلف والحقد، وكم أرجو أن تصل إليه يد العدالة لتقتص منه وليكشف عن مزيد الأسرار والمآسي والتفاصيل التي كانت في سجني (الحصان الأسود وأبوسليم).

بعد حوالي أسبوع من مجيئنا لأبي سليم نودي على اسمي للخروج إلى الزيارة، وإذا بنا ننقل إلى قفص حديديّ كبير وجاء الأهل فذهب كل سجين لزواره ليقف أمامهم وبينهم الحديد حائلا، فكان منظراً لا أنساه ما حييت، ولا أجد مُسعفاً من العبارات التي تصف المشهد !! بعض السجناء لم ير أهله منذ سبعة عشر عاماً (1970 – 1988م) والبعض أقل منه قليلاً، ومنهم من فوجئ بموت أقاربه، أما أنا فلم أر والديّ منذ ستة أعوام، عامان كنت فيهما خارج البلاد والأربع الباقية ففي الزنزانة، جاء الوالد الكريم وعمّي وخالي وبعض إخوتي وأقاربي وجيراني، ولست أنسى موقف عمّي عمر الذي هاله ما رأى وأدركته رقة فكان يبكي بحرقة ودموعه تسيل على خديه، أما والدي فكان يخفي حزنه وبكاءه ويظهر ثباته تثبيتاً لي، وحاولت علاج الموقف، والدخول في حديث يخفف ألم الموقف، ولكن إلى حدّ ما، وقد رجوت أبي العفو والصفح لما كنت فيه السبب المباشر من سجنه وتعذيبه وتحمله أعباء وعواقب أمر لم أستشره فيه وكذلك ما تعرّض له البيت من دهم وتفتيش وما ترتب عن كل ذلك، فما كان من أبي إلا أن قال لي: مادام الأمر في سبيل الإيمان فنحن سعداء وراضون، فكانت كلمة أزاحت عني جبلاً مما كان يشغلني ويكدّر ليلي ونهاري.

ولم يمض سوى وقت قليل حتى بدأ العساكر بالصراخ وإنهاء الزيارة، وعدنا أدراجنا تحت الحراسة إلى الزنازين ليستحضر كل منا تلك الصور التي مرّت به، ويستعيد ما قيل له من أخبار الأهل، وليفطن إلى تفاصيل ما قيل له دون استيعاب تام في تلك اللحظات بسبب الزحام والكلام والموقف، لكنها على كل حال كانت مرحلة جديدة في حياتنا ومعاناة في ذات الوقت لنا وللأهل بصفة خاصة، زيارات ومسافات وتذاكر وسيارات وحوادث وموتى ومصاريف لا يعلمها إلا الله، فتحت الزيارات أسبوعيا ثم تدرجت حتى صارت شهرية.

ربطتنا الزيارة – بصورة غير مباشرة – بأحوال البلاد، وصرنا نتابع الأحداث أولا بأول، وبتفاصيل دقيقة نظراً لصلتنا بمصادر على درجة من الوصول والاطلاع، وبدأنا نتابع أخبار الأهل ونتواصل عن طريقة الكتابة – وكانت ممنوعة وهناك تفتيش وتحريض على عدم كتابة أو تهريب أي شي وعقوبة لمن يضبط معه شيء لكننا كنا نصرّ على ذلك لأنها أمور ضرورية والبعض لديه أبناء يريد تربيتهم وتوجيههم وكان في موقف مؤثر حقاً وكنا في بصورة عامة نتبادل الاطلاع على ما يرد عدا ما له خصوصية ، ولو جمعت نماذج من تلك الرسائل المهربة لكانت مادّة للدراسة والتاريخ والبحث، ولظهرت من خلالها صور المعاناة والتواصل بين عالمين مختلفين.

أما عنا نحن السجناء داخل السجن فقد تم تقسيمنا على عنبرين الخامس والسادس ويبدو أن هناك تصنيفا للقاطعين، فالخامس في وضع (أ) والسادس (ب) كانت الأسماء الخطيرة في القضايا في الخامس أما القضايا العسكرية (العسكريين) فكانت في السادس، وكان كل قاطع يخرج لساحة خاصة به ، كنا نخرج بشكل يومي للساحة عدا الجمعة، فبدأت رحلة تعارف جديدة بيننا وبين الذين لم نلتق بهم من قبل، وصار كلٌ منا – سوى القليليحكي قصته للوجوه الجديدة ويسمع منهم قصصهم وقضاياهم، وكانت نقلة كبيرة لنا على صعيد السجن، وحدثت عملية تواصل بين أجيال (ليس الجيل هنا بمعناه المعروف) وكانت حصيلة ومحصلة هذا الاتصال كبيرة جداً، ولم يكن الحديث في أدقّ وأهمّ التفاصيل ليكتمل في يوم أو شهر بل هو عملية تراكمية، وثمرة لطول مجالسة ومناقشة وحتى جدال جادّ وحادّ أحياناً.

وقد يستغرب القارئ الكريم هذه العبارات، لكنني أنقلها من واقع تجربة حدثت فعلاً ويتصورها من عاش الحدث معي، فإلى جانب أن تروي قصتك أو تسمع قصة غيرك، يكون رأيك وتحليلك للحدث حاضراً، ولعلّ من دوافع وجود هذه الحالة الحسرة والشعور بالألم لعدم نجاح ذلك الكمّ الكبير من المحاولات التي استهدفت نظام ورأس القذافي؟

وفي تلك الأجواء أيضاً بدأت الجرأة على الحرس ورؤوس الشرطة العسكرية في أبي سليم وحدثت محاولة عملية إضراب عن الطعام بعد أن حاول بعض الحرس ضرب زميل لنا اسمه (سالم هارون) وأخذه إلى الانفرادي (الشيلات) لكن العملية سويت بطريقة دبلوماسية وبعد أن أعيد إلينا سالم سالماً وقد ذكر لنا الحرس بعد ذلك أن فرقة من أجلاف الشرطة العسكرية كانت جاهزة للتدخل ودخول القاطعين وضرب السجناء وكسر إرادتهم حتى لا تتكرر المحاولة.

في صيف سنة 88م حدثت عملية فرز جديدة ونقل بعض السجناء من الخامس إلى السادس ومن السادس إلى الخامس، واستهدف من في القاطع السادس بعملٍ ما لم تتضح لنا قصته إلا بعد وقت، فقد حاول القذافي الهالك أن يمهد ويقوم بعملية تجميل لوجهه السياسي أيضاً و يظهر بمظهر الإنساني الوديع، وأن يضع ذلك في إطار له هياكل وأسماء لكنها وهمية (الوثيقة الـ…….لحقوق الإ…….. وجائزة الـ….لـ ….) وجاء جمعيات حقوقية ويبدو أنها أرادت زيارة السجن ورؤية السجناء، وهنا اتضحت قصة الانتقاء والإعداد للقاطع السادس وتولى خيري خالد هذه المهمّة فبدأ يتحدث مع بعض السجناء، ويعدهم بالخروج ، وأطلقت على القاطع السادس عبارة : عنبر حقوق الإنسان، وفتح القاطع ليل نهار ، وغيرت طريقة الزيارة لنا من القفص الحديديّ إلى بهو الضباط داخل معسكر سجن أبوسليم.

وجاءت منضمة حقوقية أو أكثر، وأذكر أن الحقوقي المصري محمد الخوجة – تقريباً – وهيثم منّاع الحقوقي السوري قد جاء، وطلب من السجناء المحضرين أن يتحدّثوا عن المعاملة الحسنة التي لاقوها طوال أيام السجن وخصوصا في الفترة الأخيرة، وقد أخبرني أخي صالح المؤدب –رحمه الله – أنه وجد فرصة مع منّاع فأخبره بحقيقة ما حدث وما يحدث وأنّ المكان هو سجن عسكري تابع للشرطة العسكرية، وليس كما يوحي أعوان الطاغية، واستمرت الدعاية والإشاعة بأنّ هذه المجموعة سيتم الإفراج عنها ويربط الإفراج في كل مرّة بإحدى أعياد القذافي المقبلة، لكن العملية لم تكن أكثر من مراوغة ، ثم أصبح واضحاً أنّ السلطة صرفت نظرها كليّةً عن هذه القصة ودخلت في قصص أخرى، ولم يأت شهر ديسمبر 1988م وبداية سنة 1989م حتى بدأت عمليات اعتقال واسعة النطاق شملت الكثير من أنحاء ليبيا، استهدفت شباب الصحوة الإسلامية التي عرفتها البلاد خلال تلك الفترة، سبقتها حملة إعلامية كبيرة من التشويه والتضليل والاستفزاز.

وبدأ السجن المركزي (أحد سجني أبو سليم) يستقبل الأعداد الكبيرة من مختلف المدن الليبية، وبدأ التحقيق المصحوب بعمليات تعذيب وحشية وكانت الأخبار تصلنا بطرق عجيبة، فقد كنا نمرّ أثناء الزيارة على قواطع الانفرادي فكانت المعلومات عن طريق من فيها من السجناء الذين يصعدون إلى شبابيك الزنازين ويتحدثون معنا ونتحدث معهم، ولقد وصلت شدّة التعذيب والمعاناة لدرجة لا يتصورها عقل، فبعض الشباب ولتصنيفٍ ما وضعوا في الساحات وخلال ليل ديسمبر عراة في الساحات، ليلاقوا ويلات البرد الذي يشكوه حتى من هو في كامل لباسه، وكذلك القتل أمام السجناء حيث تمّ قتل (ميلاد قمرة) رحمه الله أمام السجناء على يد أحد الحرس وهو بحسب ما بلغني وقيل لي – الجلاّد المعروف عبد القادر التاورغي، بالإضافة إلى الضرب اليومي للسجناء، وتحدث القذافي لأكثر من مرّة عن هؤلاء السجناء بطريقة تقطع كل أمل ورجاء، ولا زلت أذكر بعض عباراته في هذا الأمر فقد ردّد لأكثر من مرّة في افتتاح ما كان يُسمى بـ مؤتمر الشعب العام قال عن السلفية وبقية شباب الصحوة الإسلامية مخاطباً الآباء والعائلات : “من كان عنده واحد من هؤلاء فليعتبره قد أصيب بالإيدز أو السرطانأي حالة ميؤسٌ منها، كما قال: “معادش يدويلي حد عليهم، هؤلاء لا تنفعهم شفاعة الشافعينوزيادة في التأله والادعاء كان يردد الآية ويعني بها نفسه وعرشه : “إنّ الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك“.

بقيت مجموعتنا (المئة) المستثناة من الإفراج على ما هي عليه و لكن كانت هناك عمليات إفراج تتمّ من حين لآخر بسبب بعض المساعي والمحاولات من الأهالي والقبائل وكذلك كسياسة من القذافي لتحقيق بعض الأهداف والأغراض على المستوى القبلي والعشائري وكوجاهة لبعض أعوانه ولست أعني هنا أيّ شبهة حول أيّ سجين، فقد أفرج عن سعد نصر المقرحي وعيّاد المريمي وهلال الربيعي(رحمه الله) وغيرهم وتناقص عدد المئة حتى وصل عددنا إلى السبعين سجينا (أعني الذين بقوا ولم يخرجوا) وحدث بعض التغيير في طريقة ومكان الزيارة لتتناغم مع دعاية وموجة حقوق الإنسان التي حاول القذافي أن يركبها دعاية ومتاجرة فنقلت الزيارة من القفص الحديدي إلى بهو للضباط خلف إدارة الشرطة العسكرية بسجن أبي سليم، كان المكان مريحا إلى حدّ ما وبه صالونات جلوس، لكنّ الحرس ومشرفي الزيارة لم يرق لهم ذلك وامتعض الكثير منهم من معاملتنا بهذه الطريقة بسبب ما اعتادوا عليه من إهانة ومحاولة لإذلال السجناء ولم يهدأ لهم بال حتى تمّ نقلنا من البهو إلى حجرة صغيرة سقفها (الترنيت) وبها قطع من طوب البناء (البلك) للجلوس.

 وعادت حليمة لعادتها القديمة كما يقولون، وتصاعدت وتيرة الاستفزاز من بعض الحرس خصوصا يوم الزيارة، التي حدد لها أن تكون مرّة واحدة في الشهر، وتم تقسيم السجناء المئة على أسبوع كل مجموعة (عشرة أو تزيد قليلا) حدد لها يوم من يوم 10 في كل شهر إلى يوم 18، وبدأ المنع والتضييق والحصر لما يدخل عن طريق الأهل الزوار، وكلف (عبدالقادر التاورغي) بالإشراف على الزيارة فكان منه ما كان من الاستفزاز والتفتيش بطريقة تنم عن حقد ولؤم، وكان معه مسئول آخر يدعى خليل حمزة أخفّ ضررا منه لكنه كان يبتزّ الأهالي كان الأهالي يجلسون الساعات الطوال يلتمسون ظل سور السجن الطويل ومنذ الصباح الباكر فلا يدخلون إلا على مزاج الحرس، ويمنع بعض الزوار – مع قرابتهم للسجين من الدخول للزيارة بعد دفعه لثمن تذاكر الطيران وتجشمه لمشاقّ السفر ومجيئه من طبرق أو درنة أو الكفرة أو سبها أو غيرها من المدن الليبية البعيدة، فيردونه بكل برود بذريعة أن درجة القرابة بعيدة أو أنّ عدد الزوار محدد أو عقوبة له على كلمة أو موقف صدر عنه.

وعقب دخول السجين من الزيارة وهو يحمل ما جاء به الأهل يجد طابور الشرف في انتظاره بقيادة سيء الذكر المذكور آنفاً، ليفتش شخصياً ثم تفتح جميع الأشياء الداخلة ويكون شعور الطابور المذكور عظيما بلذة الانتصار عندما يعثر على ورقة أو رسالة من زوجة السجين أو أبنائه، ليس فيها إلا المشاعر والأحاسيس والأخبار العائلية وتكون حسرة ومرارة السجين التي لا يصفها الكلام ولا يشعر بها إلا من ذاق كأس مرارتها، ولست أنسى منظر سيء الذكر (عبدالقادر) وهو يقذف معلبات الزجاج على الحائط لتنكسر ويتبدد ما فيها وهو يبتسم لرؤيتها تنكسر وتتناثر، إحدى عينيه على العلب المتكسرة والأخرى على السجين يحاول أن يراه منكسراً و حسيراً، والبعض لا يطيق مثل هذه التصرفات فيرفع صوته وتحدث المشادّة التي قد تصل إلى مدّ الأيدي وتكون النتيجة منع السجين من الزيارة، ووضعه في الانفرادي (الشيلات) ليأتي أهله في الشهر المقبل فيقال لهم : ارجعوا فلان ممنوع من الزيارة.

صور لبعض المآسي : حين اختلطنا بمن ضُمّ إلينا من السجناء القدامى أصبحت أقف على صور من المآسي والمعاناة لبعض السجناء التي تجعل الناظر ينسى ما به إلى جوار من يعاني مرارات هي أشدّ إيغالاً في المعاناة والألم :

عبد القادر الأصيفر (مواليد مصراتة خلال الأربعينيات من القرن الماضي بمنطقة الهاوية بين الغيران والزاوية ومن سكان طرابلس) رجل بسيط من عامة الناس كان يعمل على سيارة شحن كبيرة، كانت حياته تسير على وتيرتها العادية حتى سنة 1395هـ – 1975م حين حدثت المحاولة العسكرية التي عرفت وارتبطت باسم الرائد عمر المحيشي عضو ما سُمّيَ بمجلس قيادة الثورة، وتمكن المحيشي من النجاة واللجوء إلى تونس ثمّ القاهرة، وكذلك عبد المنعم الهوني الذي كان خارج البلاد وتمّت عملية دهم وقبض واسعة النطاق على مستوى البلاد، شملت العديد من كبار الضباط ومن دونهم، وممن ألقي القبض عليهم الرائد (البطل) أحمد أبو ليفة الشويهدي أحد ضباط الحرس الجمهوري والذي قال للمحيشي دعوني أريحكم من القذافي أولا ثم اعملوا ما بدا لكم لكن المحيشي وقيادة التنظيم أصروا على القبض على القذافي ومحاكمته علناً، وكان ما كان، فقام أبوليفة بالترتيب مع صديقه إبراهيم الأصيفر الذي قام بإخراجه من السجن ومحاولة تهريبه إلى خارج البلاد.

وكان عبد القادر على موعد مع قدر الله وبطريقة تثير العجب والتأمل وتجعل الإنسان يقف عاجزاً ومسلّماً أمره لله في كل صغيرة وكبيرة، (وهذا ما سمعته منه) في ذلك اليوم حدث لعبد القادر حادث سيارة استلزم إيقافه في مركز شرطة (الأوسط أو المدينة بطرابلس) وبذل كل جهده ليخرج من التوقيف فلم يستطع ولكن حدث أن جاء ضابط خفر يعرفه فأخرجه في ساعة متأخرة من الليل فأفرج عن عبدالقادر الذي ذهب لبيته في (رأس حسن بطرابلس) ولم يلبث إلا قليلاً حتى سمع طرقاً على الباب، وحين فتح الباب وجد أخاه إبراهيم ومعه الرائد أحمد أبوليفة، قال له أخوه: هيّا أوصلنا إلى الحدود التونسية، فوضعهما في صندوق سيارته (الأوبل) وسار بهما نحو الحدود، واجتاز نقاط التفتيش وعند نقطة بئر ترفاس وكاد أن يفلت لكن أحد العناصر الأمنية أصرّ على فتح شنطة السيارة، وعندها فوجئوا بإطلاق النار من داخل السيارة .

قُتل إبراهيم الأصيفر فوراً وقفز أحمد أبو ليفة وأخذ له موقعاً وإلى جانبه كان عبد القادر الأصيفر وبدأ تبادل إطلاق النار بين أحمد أبو ليفة وحرس النقطة العسكرية، إلى أن قتل واستشهد رحمه الله، وكان عبد القادر يقول لهم لقد قتل لقد قتل، لكنهم لم يكفوا عن إطلاق النار، فقالوا لعبد القادر ضع بندقيته على رأسك وتقدّم إلينا، فقبض عليه وجيء به رأساً إلى مصطفى الخروبي الذي بسبب وشايته أحبطت تلك المحاولة، فاستقبله بابتسامة صفراء وراءها ما وراءها وقال له : لَهْ لَهْ لَهْ لو كان جبتهم يا قدورة! خلاص عدّي اقعد في مكانه، ووضعوه في زنزانة أحمد أبو ليفة رحمه الله، وقدّم عبد القادر للمحكمة فحكمته بثلاث سنين، ثم قدّم مرّة أخرى فحكم بالبراءة، وخرج لكنه أعيد لعنبر البراءة، ثم بقي من سنة 1975م إلى سنة 2000م .

والعجيب أنّ جميع من كان له علاقة بقضية 75 إما أنه أُعدم أو أفرج عنه في سنة 88م ولم يبق إلا الرائد عمر الحريري والأصيفر، وأفرج عن الحريري سنة 1990م وبقي الأصيفر، وكأنه على رأس هذه القضية وهو لا يدري، كان في غالب وقته منبسطاً مرحا خدوما لزملائه حتى الأصغر منه سنّاً تمكن من حفظ كتاب الله أصيب بمرض السكري وضغط الدم وتعرض لذبحة صدرية أواخر التسعينيات، ومن طرائف هذا الرجل أنه كان يحاول كتابة بعض الخواطر التي تجمع بين الفصيح والعاميّ، يصور فيها محنته ومأساته، ومن هذه الخواطر التي لا زلت أذكرها، دخل علينا قط صغير أصفر اللون واستأنس بالسجناء وصار يخرج معنا للساحة ويدخل، وصار محل تدليلٍ ورعاية من السجناء فإذا بعبد القادر الأصيفر يقول ذات مرّة : سبعون ومعهم قطهمباسط ذراعيه خلفهم …. في كلّ مرّة يقولون لأهلهم سيخرجون ويأبى الماكر إلا أن يردّهم!!! كانت دعابة ومرارة في نفس الوقت.

عبد القادر الأصيفر وضع في زنزانة كان معه فيها بعض السجناء الذين دخلوا في عالم آخر نتيجة التعذيب والصدمة النفسية والإهمال وسوء المعاملة، وهم قبل أن تتغير بهم الحال كانوا رجالا لهم المواقف التي لا يسهل الإقدام عليها في تلك السنوات العجاف سنوات سطوة وجبروت الطاغية، من هؤلاء الشباب عبد السلام الشلتات عسكري في الجيش، ومحمد هويدي العقوري عسكري في البحرية والزاير الأعوج الككلي طالب يدرس في سوريا، ولكل واحد من هؤلاء قصة ومأساة 

_______________

المصدر: قناة غريان الحرة (2013)

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *