المناضل علي بشير يتذكر: مرافقة الشهيد في رحلة عودته إلى الوطن وملابسات استشهاده، وأحداث أخرى

هذه سردية أحد رفاق الشهيد الذين عبروا الحدود معه نحو الوطن، يحكي فيها تجربته مع مجموعة بدر وعن دخولهم إلى أرض الوطن وعن ملابسات استشهاد الحاج أحمد، وعن اعتقاله ورفيقه الآخر في تلك الرحلة، وعن تجربته في سجن بوسليم وغيرها من الذكريات.

بقلم علي بشير حمودة

الجزء السابع

بعد أيام ، وصباح ذات يوم أخذني الحرس إلى نفس المقرّ الذي أخذت إليه ليلة التحقيق، فوجدت شخصاً يجلس على كرسي وبجواره راديو تسجيل وعلى ركبته مفكرة فأمرني بالجلوس ثم سألني عرفتني وإلا لا؟ فقلت له : لا، فقال لي: أنا خليفة حنيش، وكان يتحدّث كالقذافي تماماً في طريقته ولهجته، وألح في السؤال عما كان يدور بيني وبين الرائد حيدر (ضابط الأمن السوداني) وعن الضابط التابع للجبهة في باب العزيزية؟ فقلتُ له : حيدر كان يعطيني الأخبار اللي اتجيه من ليبيا لأذيع بعضها في النشرة، وأما الضابط فلا علم لي به، ولا يمكن أن يعطى هذا السرّ لمثلي، فقال: مادام حمد حواس عطاك السلاح وسلملك رقبته لابدّ عطاك سرّه، فقلت له: ماعنديش أيّ معلومة، فقال: احكيلي شن كان يحكي حواس وعلى من كان يحكي؟ فقلت له كان يحكي عنك، فقال : شن كان يقول عليّ؟ قلت له: قال إنك كنت تحت إمرته في معسكر (جالو) بطرابلس، فقال: صحيح، ثمّ أردف بأنه أفرج عن مكتبة أحمد حواس التي أخذت من بيته، وأنا جعلناه سفير وماذا يريد أكثر من هذا، لقد أنكر الجميل لأنه (ليس ولد بيتية) – على حد زعمهوجاء ليقلب النظام ولكن تلاقت براسهثمّ دخل في حديث لا يتقنه عن الإخوان وسيّد قطب وقال لي : الإخوان يعادون القومية العربية وجمال عبدالناصر وأم كلثوم! ثمّ تساءل خيرها أم كلثوم مرا وزغرتت في عرسثمّ سألني عن سرّ عدائي للثورة التي ربتني وعلمتني وووو ؟ فقلت له – دون تردد– : الظلم والشنق وفوضى اللجان الثورية وحكم القذاذفة ، فقال لي في عنجهية صريحة : “خيرهم ما هو السنوسية حكموا ثمنطاشن سنةكان يتحدث عن القذافي كحاكم مطلق ولا شيء في ذهنه مما يتكلفه الآخرون حين يتحدثون عن سلطة الشعب ووو، ثمّ أخذ يسألني عن أعضاء ما يسمى بمجلس قيادة الثورة وأمناء لجان القذافي الشعبية؟ ومن يميل منهم للمعارضة.

وكان خليفة هذا يدير البلد فقد لاحظت في تلك الجلسة أنه يرد على تلفونات بجانبه ويعطي الأوامر للجميع، ومن اللقطات التي لا أنساها في تلك الجلسة أنه طلب من عامر (مدير السجن) أن يحضر الشاهي فذهب عامر وجاء بالشاهي ووقف عند الباب فأمره أن يعطيني الشاي فكبر عليه الأمر إلا أن طاعة خليفة حنيش خط أمر في دولة الخطوط الحمر فمدّ إليّ كوب الشاي وقد انكسر وشعر بالهوان، وأخيراً جاءته مكالمة تلفونية فانقطع حديثه معي وأخذ يصدر التعليمات: “ديروه على هيئة منتجع وسربوا العناصر من توّا ثم لملم أوراقه وأمر بإعطائي قلما وأوراقاً وقال لي: اكتب كل ما تعرفه مما سألتك عنه وسلم الأوراق للحرس، وسنلتقي، فقلت في نفسي: أسأل الله ألا أراك إلا جثة هامدة، وأخذني الحرس لمكاني، ففرحت بالقلم والأوراق التي استفدنا منها في أشياء أخرى، وما كتبتُ له شيئاً ولا رأيت له وجها منذ ذلك اليوم، خليفة حنيش الذي لعب أسوأ الأدوار في تثبيت حكم ابن عمه لا سيما على صعيد الفتن والتناقضات القبلية وكانت له عنجهية وفظاظة وحقد تغذيه نوازع حب التسلط وعقد الماضي وكان يملك ذكاء وذاكرة لكنهما في غير طاعة الله.

كما أذكر أنني وفي إحدى جلسات سنة 1984م كان يستجوبني عبدالله السنوسي وخيري خالد وفجأة دخل خليفة حنيش وبيده عصا غليظة طويلة وهو يشتم ويسب ثم سألني: سؤالا فما انتبهت إليه فقال لي: اسمع انكلم فيك، فقلت له: وهذا يكلم فيّ، أقصد عبدالله السنوسي، وهنا أراد أن يريني ويريهم شيئا مهما: انا إللي هنا بس، فنكس القوم رؤوسهم وأذعنوا للحقيقة المرة ثم سألني: شن يقرب لك الهادي حمّودة؟ فأردت أن أقول: إنه ابن عمّي وقريبي فسبقني خيري خالد بعد أن أشار لي بالسكوت: لا لا ما يقربلاش، فاستغربت ذلك من خيري خالدومضت الأيام ولقي هذا الشقي جزاء الدنيا حين سلط الله عليه داء خبيثا جعله ينسى حتى اسمه ثم هلك خارج الوطن أثناء أحداث الثورة المجيدة.

بقيت في القاطع الثاني ما يزيد عن شهرين – أواخر تشرين أكتوبر 1985م حيث ألقي القبض على مجموعة من ضباط سلاح المدفعية والصواريخ وكان على رأس هذه المجموعة النقيب فرج التيح ومعه مجموعة ضباط منهم رمضان الزوي – رحمه الله وعبدالجليل الترهوني وكانوا في طور الإعداد لعملية انقلابية تبدأ بقصف مقر القذافي بصواريخ آر 17 لكن المحاولة باءت بالفشل بسبب الوشاية وألقي القبض على عناصرها وهنا كانت الحاجة لغرف القاطع الثاني فأرجعت إلى حجرتي ورفاقي بالغرفة رقم 5 بالعنبر الرابع، ولقيت من إخواني استقبالا حاراً مفعما بكل مشاعر المودّة والشوق والشفقة ونزلت وقدمت كقدومي على أهلي بعد طول غياب وبدأت أسرد ما وقع معي وأسألهم عما كان بعدي في القاطع ونقلت لهم ما بجعبتي من أخبار وبدأت أعود لنفس الأجواء التي تركتها ومضت الأيام ولا جديد يذكر غير المعاناة والمجاعة والأمراض وصراخ المكرفون الذي رُكب في أول العنبر وفتح بأعلى درجات الصوت لنسمع من خلاله كل ما نكرهه من أكدار وثقافة ونعيق الطاغية وحفنة المطبلين له وعلى رأسهم محمد حسن وبقية القطيع.

ثم كانت بداية سنة 1986م والتي كانت سنة شديدة علينا وعلى البلاد عموماً فعقب عودتي من القاطع الثاني أن أحكاماً جائرة قد صدرت على أعضاء تنظيم الحركة الإسلامية في ليبيا فقد أخذوا وحوكموا أمام ما يعرف بالمحكمة الثورية الدائمة وحكمت على المجموعة بأحكام الإعدام وعشر سنوات، وقد حكم بالإعدام على كلّ من : سالم الغالي وحسين هدية والشارف الغول، وبعشر سنوات على بلقاسم كرير وفيصل أبوالطويرات وعبدالمجيد عيسى الككلي، وحين عودتي كتب إلي المرحوم سالم الغالي – وكان بالحجرة رقم 8- رسالة مطولة وذكر لي قصة الحكم ولكن الأمر لله أولا وآخراً وكان رحمه الله ذا قلم بليغ معبر وشاعرا مرهفا عذب الكلمات وعميق المعاني، وقد ألقي القبض على هذه المجموعة في أغسطس 1983م أي قبل دخولنا لليبيا وكان ذلك نتيجة خطأ أمني وعقب تفتيش حسين هدية بالمطار أثناء سفره للخارج ووجدوا معه مقالا كتبه سالم الغالي وأرسله مع حسين لينشر بمجلة الإنقاذ يتحدث فيه عن الكارثة المسماة بمشروع النهر الصناعي وقد صاغه تحت فكرة أنه عمل يمثل ويجسد طغيان الدجال القذافي وأن مثال لما صدر عن فرعون حين قال: “يا هامان ابنِ لي صرحاًواقتيد حسين هدية إلى غرف التعذيب وقبض على سالم الغالي والذي استطاع أن يحصر القضية في أقل عدد ، والحركة الإسلامية هذه كانت تنظيما يعمل كدائرة مركزية للجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا فكان عامة أعضاء الجبهة في دائرة العمل السياسي والشعبي للجبهة وأكثرهم لايعلمون حقيقة تنظيم الحركة، وكان من يحمل مواصفات معينة يتم استقطابه لدائرة الحركة وقد انتخب عاشور الشامس أميناً عاما لتنظيم الحركة في الخارج في ديسمبر 1982م بمؤتمر سنسناتي – تقريبابالولايات المتحدة أما سالم الغالي فكان مسئول التنظيم في الداخل، وقد دعيت إلى دخول التنظيم وقبلت مع مجموعة من رفاقي أعطيت عهد الولاء لها وأديت القسم أمام أحمد حواس رحمه اللهوعُينت عضواً بمجلس شورى الحركة وكُلفت –بناء علي كتاب تكليف من الأمين العام للحركة بتولي شئون مجموعة الشباب التي تقيم بالخرطوم، ومضت الأيام وكان ما كان ثمّ بدأت أنتبه إلى أن هذه الوضعية تشكل ازدواجية و حالة حذر وقلق بدأت أشعر بإشكالياتها وبالفعل فقد أحدث اكتشاف تنظيم الحركة ربكة كبيرة على مستوى الجبهة حيث شعر الكثيرون من أعضاء الجبهة بشيء من انتقاص مكانتهم ودورهم وبأن العمل يدور ويقرر من ورائهم وحدثت أزمة لكنها عولجت بصعوبة وكانت لها تبعات كثيرة.

وهذه إحدى محطات التأمل والدراسة والمراجعة، كان كثير من الإسلاميين متحمسين للعمل السياسي وكثير من هؤلاء يرون أنّ هذا العمل لا يجوز إلا تحت راية ولافتة إسلامية صريحة– سرية أو علنية – وكانت مشكلة البعض منهم مع العمل الوطني حيث يرونه ولاءً جاهلياً بل كان هذا البعض يسميه العمل الوثني انطلاقاً من معناه ودلالته عند ثقافة أخرى وذلك وسط تجاذبات وآراء مختلفة بين مختلف مدارس الحركة الإسلامية في المنطقة وأبرزها في ذلك الوقت مدارس الإخوان أو التي خرجت عن الإخوان ولم تبتعد كثيراً وكذلك المستقلون؛ الترابي في السودان وعصام العطار في سوريا ونجم الدين أربكان في تركيا وربما راشد الغنوشي في تونس، وليس هذا بدعاً في تاريخ كل الحركات والعمل السياسي الذي هو نتاج الأفكار وتطورها وظروفها المختلفة وتجاربها المتعددة وآرائها المرنة أو المتشددة، كان للجبهة مجلسها الوطني ومكتبها الدائم ولجنتها التنفيذية، وكان للحركة مجلس شوراها ومكاتبها المختلفة وشُعبها، وكانوا يطلقون على أعضاء الجبهة فقط: الجوالة وعلى أعضاء الحركة : الحراس، ولكم أرجو ممن أسسوا وعايشوا وتولوا هذه الأمور عن قرب ودراية أن يدوّنوا تجربتهم ويؤدّوا شهادتهم وبكل صراحة وموضوعية ليفيدوا هذا الجيل ويتواصلوا معه ولتجتنب الأخطاء وتوضع الحقيقة التي هي ملك الجميع أمام الجميع وكلها تجارب مفيدة وأعمال نضالية لها أهميتها وقيمتها عند من يعرفون قيمة النضال وأقدار الرجال.

يوم السادس عشر من مارس 1986م وعقب توزيع وجبة الإفطار حوالي العاشرة صباحاً وفي نوبة ضو علي الورفلي تمّ أخذ الإخوة سالم الغالي وحسين هدية والشارف الغول، ومعهم مجموعة من القاطع الأول ووضعوا في سيارة زنازين انفرادية إلى مكان ما، والذي عُرف من وجوه الحرس وطريقة تعاملهم وتصرفهم في أغراض ومتعلقات الإخوة أنهم أخذوا إلى تنفيذ حكم الإعدام فيهم، وكان يوماً لا يمكن أن يمحي من ذاكرة السجناء، ومن المهم اليوم التحقيق في ملابسات هذا الموضوع مع عناصر السجن المقبوض عليهم ليبينوا ما حدث ذلك اليوموقد جاءتنا بعض الأخبار في ذلك الوقت أن بعض السجناء شاهدوا سيارة الزنازين تحمل هؤلاء الإخوة إلى آخر ساحة في سجن أبوسليم حيث نفذ فيهم حكم الإعدام.

وخلال شهر مارس بدأت تلك العنتريات الإعلامية تتصاعد من القذافي تجاه إدارة الرئيس الأمريكي ريغان وكانت قصة خط 32 والتفجير الذي وقع بأحد ملاهي برلين وقُتل فيه جنود أمريكيون وكذلك أمور أخرى يدرك العقلاء أنها كانت خدمة أمريكية للقذافي، أو بتعبير أدق : طور من أطوار الدور الذي كان يلعبه القذافي على المسرح الدولي، ويبدو أنه تجاوز حدوده في اللعبة ودخل مرحلة المشاكسة فنال التأديب، وهذا التأديب نفسه كان مدروساً بعناية ليحجم القذافي ويفيده في نفس الوقت، انطلقت الطائرات الأمريكية من قواعدها لتقصف جزءاً من مقر القذافي في باب العزيزية وبعض مقار الأمن كنا نتابع الأخبار عبر مذياع صغير عندنا وفي الليل بعد الثانية صباحاً حين كنت واقفاً أصلي وفجأة سمعنا دويّاً هائلاً اهتز له المكان وعدة انفجارات، وانتهت الغارة الأمريكية في بضع دقائق لكن إعلام القذافي كان يكذب ويقول للناس: إنّ القصف لا يزال مستمراً وأنّ المضادات تتصدى للعدوان المستمر وتسقط الطائرات واحدة تلو الأخرى واستمر إطلاق المضادات في سماء طرابلس لليلتين تقريباً من باب التمثيل والخداع واصطناع الانتصارات الوهمية والبطولات الزائفة للعبث واللعب بعقول السذج البله الذين لا يعرفون حقيقة ما حدث.

أذكر أنه ثاني أيام الغارة صباحا أطلقت مضادات الطيران المنصوبة في السجن وشعرنا بشيء ما يدبر لنا كأن نقصف وكانت لحظة اختلطت فيها المشاعر فنصحنا السيد عبدالله شتيوي –خبير المفرقعاتبالإلتصاق بالحائط حتى إذا وقع السقف تكون هناك إمكانية ولو محدودة لنجاة وأذكر أنه أخذ يردد الشهادتين، وكنا نعدّ أنفسنا لردّة فعل تجاهنا من قبل القذافي يستغل فيها الموقف والحدث ولكن الله سلّم وبدأنا نسمع في إعلام النظام مالا يصدقه عاقل من تهويل ونفخ في حجم القصة وما إلى ذلكولكن في واقع الأمر فهم القذافي الدرس جيداً وأعطى إشارة ذلك لمن يعنيهم الأمر.

في تلك السنة أيضاً اعتقل عدد كبير من شباب بنغازي والمنطقة الشرقية فيما عُرف بقضية: (جند الله) وهي صدىً للجهاد الأفغانيّ وتأثر الشباب بأخبار المجاهدين الأفغان واستفز شعورهم وقوف القذافي إلى جانب حكم بابراك كارمال الشيوعي الملحد، وقد جرت الاعتقالات عقب مقتل أحمد مصباح الورفلي على يد بعض أفراد هذه المجموعة. أحمد مصباح الذي مارس كافة أساليب البطش والإرهاب بحق أبناء بنغازي والذي وصل إلى به السفه حلق شعر النساء ومطاردة البقالة والبائعين وإتلاف ممتلكاتهم ، ولم يكن يتورع عن فعل أي شيء إرضاء لغرور وشذوذ الطاغية ومن أشهر أعماله هدم سوق الظلام الذي كان القذافي يراه معْلماً من معالم الرجعية والرأسمالية فلا يجوز أن يبقى حتى كمبنى – ويبدو أن القذافي واجه شيئاً من المعارضة في هذا لكن أحمد مصباح أراح القذافي من هذا الهاجس الذي كان يزعجه ويؤرقه. وعقب محاكمات صورية ومقابلات مفبركة أعدم عدد من معتقلي تلك المجموعة : العشيبي والفلاح وزيدان ومناع وغيرهم ، وهذه المجموعة لم يكن بيننا وبينها أيّ اتصال إلا مع بعض عناصرها عندما تمت عملية الإفراج عن بقيتهم سنة 1988م ولذلك لا أعرف عنهم إلا الشيء القليل، وهو عمل بطوليّ استلهم إلى جانب الصورة الأفغانية بطولات شباب الجبهة سنة 1984م – وهذا ليس تخميناًكما كان مؤشراً على وجود تصاعد للعمليات المسلحة لمواجهة وإسقاط حكم القذافي المستبد الملحد.

وكانت هذه الأشياء تبعث الأمل وتجدده في نفوسنا وتذكرنا بأن هذا الشعب يختزن الكثير من خامات ومعادن الرجولة والبطولة ولكن الوقت والظروف لم تكشف عنها بعدثم بدأت مجريات الأمور تتغير في تشاد ولم يعد الموقف في صالح القذافي واستعاد حسين حبري زمام المبادرة وانهارات أحلام امبراطورية القذافي ودفع الشباب الليبيون فاتورة عبث القذافي غالية الثمن، فسقط آلاف القتلى والأسرى وزاد ذلك في احتقان الشارع الليبي وتوجّه الوضع نحو انفجار مؤكد أدركه القذافي بحسّه وجسّه للأمور وبما كان بين يديه من حقائق وتقارير، وازدادت عزلته السياسية وقاطعه جيرانه.. فأراد أن يقوم بعمل يستبق فيه الأحداث ويبدد شحنة الانفجار، فما الذي كان أمامه كخير ورقة يلعبها ويدغدغ بها العواطف ويمتص ذلك الاحتقان الشديد في الشارع الليبي إلا لعب ورقة السجن المليء بالسجناء، فكان ذلك في مارس 1988م .

في نهايات 1987م شكلت مجموعة لإجراء مقابلات مع السجناء وتقييم مواقفهم وشخصياتهم وأخذت هذه اللجنة تستدعي السجناء واحداً واحداً ووصل الدور إليّ فوجدت نفسي أمام شخصين لا أعرفهما لكن قيل لي إنهما من اللجان الثورية : …المشاي و جميلة درمان كانت تجلس بطريقة تتعمّد خلالها الاستهتار بأصول ومظاهر الحياء، وأخذت هذه الشقية تسألني عن سبب موقفي من القائد ونظريته، فقلت لها: الظلم والمشانق و…. فأخذت تتفلسف وتهذي بما لا يصدقه عاقل ثم –أخيراًقالت: لقد كان الطريق بين مكّة والمدينة معبّداً بالجثت والدماء، وانتهت المقابلة وتحدد مصيري – حسب رأيهم في تلك اللحظات.

وفي أواخر فبراير 1988م فوجئنا ذات صباح بالأبواب تفتح ويُطلب منا الخروجُ للساحة وسط دهشةِ الجميع ، كان العنبر صفتين من الحجرات، كل صفة بها سبع حجرات، فأخرجت في اليوم الأول الصفة التي نحن فيها وكان اللقاء بين الإخوة وأبناء العم والأصدقاء ومن نشأت بينهم العلاقة عبر الرسائل والحديث من خلال الفتحات ولم يروا بعضهم، كان منظراً غير عادي ولقد رأيت أحد الحرس وقد ترقرقت عيناه بالدموع، وكان السيد محمّد الحضيري – من سبها – يردّد قول الله تعالى : “وهو على جمعهم إذا يشاء قديرولم نخرج بعد ذلك ، وكان الغرض أن نتعرّض للشمس والهواء حتى تتغير حالة بشرتنا التي صار لها لونها الخاص نتيجة طول البقاء في غيابات الزنازين لمدة أربع سنوات لم نخرج خلالها للهواء و للشمس، ويبدو أنّ يوماً واحداً كان كافياً في تقدير الجلادين .

وفي آخر يوم في فبراير وعند الظهيرة دخل الحرس فجأة للقاطع الذي نحن فيه وكان على رأسهم الشقي عبدالقادر التاورغيّ (وقع أخيراً بيد الثوار بعد أن وُجد مختبئا في أحد أحياء طرابلس) ثمّ نادى: من يسمع اسمه يجهز نفسه ، وأخذ ينادي: علي حمّودة – أسامة شلوفنوري الفلاح – عارف دخيلعماد الحصايريصالح المؤدبوبالنداء على هذه الأسماء ظنّ بقيّة السجناء أنّه موعد تنفيذ حكم الإعدام الصادر بحقنا من قبل المحكمة الثورية، فذرفت الدموع وكان وداعاً يحسّ الجميع أن لقاء بعده في هذه الدنيا:

فيا راكباً إما عرضت فبلغن ندامايَ من نجران أن لا تلاقيا

وحين فتح الحرس باب حجرتنا لأخذي وجدوا رفاقي يعانقوني ويودعوني ويوصونني بالصبر والاحتساب فسخر ذلك المجرم (يدعى الغناي وقد قضى هذا الشقي في حادث سيارة بعد تلك الحادثة بسنة تقريباً) منهم وقال متهكماً : “تحسابوه ماشي بيحرر القدستأمل تدخلاتهم وكلماتهم ووضعهم لأنفسهم طرفاً في القضية، فخرجت وأخذت بيدي صرّة حوائجي وفي الممرّ كان الحرس يملئون المكان وكان العقيد خيري خالد يجلس على كرسي وأمامه طاولة عليها الأوراق ويعطي تعليماته فأمرهم بوضعي في القاطع الخامس ودخلت الحجرة رقم 13 لأجد أمامي الشيخ الفاضل حميدة الحامي –رحمه اللهوالرائد عمر الحريري – محكومٌ بالإعدام في قضية حركة الضباط سنة 1975م وعارف دخيل وعماد الحصايري وسالم أبوديب وهلال ديهوم ود. عمران التربي وخميس الجرنازي وزهير جرافة، وتلقاني الحريري وعانقني بحرارة وقال: والله احلوّتْ الحبسة يا ولاد – أي صارت حلوة باجتماعناوكان بشوشاً حسن العشرة، ومن خلال فتحة الحجرة المجاورة وجدنا فيها : فايد إبراهيم فايد – طيار محكوم بالإعداموصالح المؤدب وعبدالقادر الأصيفر والمبروك الزول، ومحمد التومي فعرفنا أنّ المجموعة منتقاة بعناية.

ومن نوادر عبدالقادر الأصيفر رحمه الله أنه بدأ يسأل من حوله في الحجرة واحدا واحداً عن قضاياهم وأحكامهم فكلٌ منهم أجابه فوجدها قضايا وأحكاماً من العيار الثقيل فقال في دعابة مريرة: توّا وحدة من اثنين: إما أنكم خُففت أحكامكم أو أنني تمّت ترقيتي إلى درجتكم، وكان الرجل إحدى عجائب السجن حُكم بالمؤبد ثم حُكم بثلاث سنوات ثمّ حكم بالبراءة وبقي في السجن خمسة وعشرين عاماً وسأتحدث عن هذا الرجل في حلقات قادمة من باب التوثيق والتعريف به.

كنا نسمع أصواتاً كثيرة في الساحات وحركة لا تهدأ في ممرات السجن ولم نكن نعلم ما يدور وكثرت التحليلات والتخمينات التي لا تقنع حتى من تصدر عنه وفي اليوم الثاني جاء الحرس وأخذوا الرائد عمر الحريري بقينا ليلتين في هذا المكان (القاطع الخامس) وفي الليلة الثالثة وفي ساعة متأخرة جاء الحرس وطلبوا منا الاستعداد للخروج فوجدت نفسي ورفاق الغرفة مع بقية من في القاطع في طابور طويل عبر الممر الرئيسي للسجن وكنت أرى أوراقاً كثيرة ملقاة على الأرض وكذلك أفلام تصوير (تصوير وقتي سريع) وقرب الباب الرئيسي كان العقيد خيري خالد يقف ويتفقد طابور السجناء بنفسه وعند الباب كانت الحافلات تقف وأمرنا الحرس بالركوب والجلوس والصمت ووقف الحرس في ممر الحافلة وبدأ بعض السجناء يكبر وبعضهم يقرأ القرآن والحرس لا يكف عن الأمر بالسكوت ولم يسكت أحد.

بعد ذلك انطلقت بنا الحافلات عبر شوارع طرابلس الخالية إلا من عربات الأمن والشرطة العسكرية التي ترافقنا وتحيط بنا من كل جهة، وبعد فترة وصلنا إلى مكان عرفه الإخوة ، إنه سجن (الجدَيّدة) وتمّ إنزالنا في الساحة الرئيسية ووضع السجناء (مائة أو يزيدون قليلاً) ملاصقين للحائط الكبير، وكان يقف قبالتنا العقيد خيري خالد مدير الشرطة العسكرية وخلفه شخصان يرتدي كل منهما الجرد الأبيض (الحولي) ويخفيان بطرفه وجهيهما وكان خيري خالد يراجعهما وعليه علامات الطاعة والصغار ودارت حولهما روايات كثيرة وصلت إلى أنّ الطاغية هو أحدهما ولكن الذي ترجّح أنهما خليفة حنيش القذافي وعبدالله السنوسي المقرحي، ولم ينطقا بكلمة واحدة، وهنا ساورت البعض ظنونٌ بأنها ساعة تنفيذ الإعدام وكاد تفكيري يذهب لذلك لكنني قلت لنفسي : لو كان الأمر تنفيذ إعدام لما وضعنا على هذا النحو دون قيود أو ربط للأعين، لكن كل شيء جائز في عهد القذافي وجميع الاحتمالات واردة، ثمّ أخرج خيري خالد ورقة ورفع صوته بالنداء وكان أول اسم ينادى عليه: علي محمد البشير حمّودة، فتقدّمت تجاهه في صمت، فصرخ في وجهي : “قولْ نعمو توالت الأسماء وكان هناك باب صغير أمرنا بالدخول فيه ولم نكن نعلم ما وراءه، ودخلت هناك فإذا به يفضي إلى ساحة أخرى لكنها أصغر مساحة، ومنها إلى عنابر يختلف تصميم بنائها عن سجن (أبوسليم) وتم توزيعنا على عدة عنابر، ودخلت العنبر المخصّص لنا فكان عبارة عن قاعة كبيرة بها ثمانية عشر سريراً، فوق كل سرير سريرٌ آخر مثبت باللحام، وهذه أول مرة تكون لنا أسرّة بعد أربع سنين، وعندما التقينا وجلسنا سمعنا وعلمنا وفهمنا القصّة التي لم نجد لها تفسيراً، فقد استطاع بعض السجناء تهريب (راديو) وقال: لقد تكلم القذافي في مؤتمره العام المنعقد برأس الأنوف وقال: إنه سيذهب ويهدم سجن طرابلس وسيُخرج مَن فيه مِن السجناء، ما عدا مائة سجين، وصفهم بالذين تعاملوا مع الخارج، فعرفنا أننا المائة التي استثناها من قائمة عفوه، وفي صباح اليوم التالي فُتح لنا باب العنبر على الساحة مباشرة فكنا نتحرّك بينهما والتقينا بمزيد من السجناء لم يسبق لنا لقاء بهم وأذكر أنّ أول من تعرفت عليه من هؤلاء رجل كانت يعاني ضيق التنفس (الربو) وحين لاقاني عرفني بنفسه وقال بصوت متهدج: علي كاجيجي حزب التحرير الإسلامي، وكنت أنا وزملائي (المجموعة المسلحة في قضية 1984) محلّ اهتمام وتقدير وتعاطف الجميع وكانت نقلة كبيرة لنا نتحرك ونتحدّث ونلتقي مع من كنا نسمع عنهم أو تربطنا بهم الرسائل المهربة، كان الكل يسألنا عن قصة ما حدث لنا ومعنا ويريدون معرفة التفاصيل.

، وجاء القذافي في ذلك اليوم لا أدري في أية ساعة منه إلى سجن أبوسليم وركب (الكاشيك) وهدم المدخل ودعا السجناء الذين حشروا وأمروا بالهتاف له وبينهم الأمن والحرس دعاهم للخروج وقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاءكعادته في إيجاد واصطناع المواقف التي يصور فيها نفسه بما لا يمت له بأدنى صلة، ثم جِيء بالمقدّم موسى أحمد (وزير الداخلية الأسبق) ليعانقه القذافي ثم يقتله بعد أعوام، عقب ذلك صعد القذافي إلى أحد أبراج السجن ووقف يخاطب السجناء في مشهد درامي مرتب بدأه بقصيدة محمد الفيتوري (الشاعر السوداني الليبي) : أصبح الصبح .. خلا السجن .. فلا السجن .. ولا السجّان باقي….. ومما قاله للسجناء: لقد حولتموني إلى جلاّد وأنا الذي ……

كان واضحاً أن القذافي – ومن خلال نبرته يعالج أزمة حقيقية وينفّس احتقانا ويستبق انفجاراً يدرك عواقبه، وكانت خير أوراق لعبته ورقة السجناء، كان عنده خمسمائة وثلاثة عشر سجيناً معضمهم تجاوز مدّة الأحكام الجائرة الصادرة بحقهم ومنهم من كان في عنبر البراءة ومنهم من لم توجّه له تهمة ولم يقف أمام محكمة، فليلعب هذه الورقة التي تمسّ عواطف ومشاعر شريحة كبيرة من الليبيين ليمدّد سنيّ حكمه ودولته، وصاحبت ذلك عملية إعلامية مركّزة لتوظيف الحدث وأصبح صوت المطرب السوداني محمد وردي يصدح في إذاعات القذافي على طول اليوم: (أصبح الصبح) وأخيراً جيء به ليغنيها في ليبيا وتكتمل اللعبة.

وكانت أجهزة الأمن والإذاعة (التلفزيون) تنتقل لبيوت السجناء لتظهرهم على الشاشات وهم يشكرون (القايد) الذي منّ عليهم وأطلق سراحهم وأخرجهم من غيابات جبّه وسجنه، وانطلق الكتاب المأجورون والشعراء المنافقون يدبّجون ويقبضون، ويبدو أن اللعبة فتحت له آفاقاً أخرى للعب فذهب (صانع المشكلة ليمثل دور المنقذ وحلاّل المشاكل) بعد أيام قليلة إلى مقرّ إدارة الجوازات بطرابلس ليظهر من خلال أحد طوابقها ويتحدث مرة أخرى ويمزق قوائم الممنوعين من السفر خارج البلاد ثم يخرج الأدراج المليئة بجوازات السفر ويقذف بها من أعلى الإدارة لتقع على الأرض وليغني أيضا: “قم في سماها ورباهاإلى أن يقول: قد أصبح الشعب إلهاًوالعياذ بالله، والتقطت العناصر الأمنية جوازات السفر المبعثرة.

يتبع في الجزء الثامن

____________

المصدر: قناة غريان الحرة (2013)

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *