Author - hajahmed

بشير السعداوي.. المناضل الليبي الذي كافح الاستعمار وحارب الطائفية

 تالله لم أشغف بغير طلالها … لا منيتي مالت لغير بلادي
 في حب هاتيك الديار وأهلها … ذهبت حشاشة مهجتي وفؤادي
وُلد بشير السعداوي في زمن التحولات والحروب، وأصابه اليتم وهو ابن سنتين، لكنه خرج من رحى الأحداث كأحد أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ ليبيا في بداية القرن العشرين. ينتمي السعداوي إلى قبيلة الأغالبة الذين أسسوا دولتهم في القيروان، وجاء جدهم إلى مصراته، وما زال بعض الأغالبة بهذا الاسم يقطنون مصراته، منهم العلماء والكتّاب والمؤرخون.
نستعرض في هذا الفيلم الذي أنتجته الجزيرة الوثائقية بعنوان: “بشير السعداوي.. مناضل بحجم وطن”؛ سيرة المناضل الليبي بشير السعداوي، بدءا من حربه ضد المحتل الإيطالي مرورا برحلة عمله تحت ظل الأستانة في ولايات المشرق العربي، ثم عودته إلى الوطن، وانتهاء بكفاحه ضد المرض في المنفى.
مدينة الخمس.. طفل يتيم يتقلد أعلى المناصب العثمانية
يقول عنه حفيده فيصل السعداوي: ولد المناضل بشير في مدينة الخُمس سنة 1884، وتربى مع إخوته أحمد ومحمد النوري السعداوي، وقد توفي والدهم عندما كانوا صغارا، ثم تزوجت أمه من عمه الصادق، وولدت له أخا ثالثا اسمه مختار. كان بشير لا يميل إلى اللعب مع الأقران في صغره، وكان منطويا على نفسه يحب القراءة والتأمل.
كانت الأولوية في ذلك العصر لحفظ القرآن الكريم، فالتحق بشير بكُتّاب مدينة الخمس في البداية، ثم أتمّ الحفظ في الزاوية السنوسية، وقد كان التعليم وقتها ضعيفا، فلا تكاد تجد شخصا واحدا يقرأ ويكتب في القرية أو القبيلة كلها، وكانت هنالك مدرسة واحدة في الغرب الليبي هي الرُّشْدية (نسبة إلى السلطان رشيد)، وكان يرتادها قليل جدا من أبناء الأغنياء.
شكّل بشير ثقافته بنفسه، فاستعان بأمهات الكتب العربية، وقرأ مؤلفات المعاصرين من أمثال محمد عبده ورشيد رضا، وتأثر بأفكار الكواكبي في رفض الاستعباد والتعصب الديني، وكذلك بأستاذه التركي حقّي بيك الذي أولاه اهتماما خاصا في المدرسة، وكان يعيره الكتب ويشجعه على المطالعة وبناء أفكاره.
عمل السعداوي في المالية والضرائب، حيث كان يعمل والده من قبله، وتدرج في دواليب الإدارة العثمانية حتى أصبح أحد أهم رجالات الدولة بولاية طرابلس الغرب، وتقلّب في عدة مناصب، من مأمور أعشار وصولا لمنصب مدير التحريرات (الأحوال الشخصية والقضاء) بين عامي 1909-1911، حيث كان أول ليبي يصل إلى هذا المنصب الرفيع بأمر من الأستانة مباشرة.
ظهور الاحتلال الإيطالي.. بداية معارك الكفاح المسلح
قبل دخول الإيطاليين إلى ليبيا مهّدوا لهم موطئ قدم هناك، وتمثل في إنشاء مصرف روما في طرابلس، وصاروا يمنحون السلف والقروض للمواطنين، وصولا إلى تملُّك الكثير من الأراضي الليبية، ثم أرسلوا البعثات التبشيرية، وكانت أهدافها تجسسية في غالب الأحيان، إلى أن جاء عام 1911، وفيه بدأت إيطاليا عدوانها العسكري الغاشم على ليبيا.
حاصرت قوات إيطاليا طرابلس وبنغازي، واستخدمت الطيران لقصف المجاهدين الليبيين، في سابقة هي الأولى في تاريخ الحروب، وهنا أعلن بشير السعداوي الجهاد، وألهب حماس المتطوعين في منطقة الخمس، وقاد فيها معارك ضد الطليان طيلة عام 1912، وكانت تلك نقلة نوعية في شخصية بشير، من موظف روتيني منظم إلى قائد حربي ومجاهد عنيد.
لم يكن في قاموس الليبيين قادة خلف الكواليس وجنود أمامها، لكن الجميع يواجه العدو، ويتقدمهم القادة أولا، هكذا نال السعداوي ثقة المجاهدين الليبيين والقادة العثمانيين على حد سواء، حتى عيّن قائم مقام لساحل آل حامد قرب الخمس، وهنا اندفعت إيطاليا بقوة في معسكر السوالم، ثم فلاجة ومصراته، بينما استمرت المقاومة في الغرب بقيادة آل السعداوي.
“معاهدة لوزان”.. انسحاب عثماني يفت عضد المقاومة
خلال السنة الأولى كانت المقاومة ليبية عثمانية، لكن الأمور تغيرت بعد “معاهدة لوزان” في الثالث من أكتوبر/تشرين الثاني عام 1912، حيث انسحبت القوات العثمانية من ليبيا تاركة أهلها لمواجهة مصيرهم المحتوم أمام إيطاليا، وكانت هذه صدمة كبيرة لعموم الليبيين، للمجاهدين منهم والقادة على وجه الخصوص، فقد اتخذ الأتراك هذه الخطوة بشكل أحادي، ودون استشارة أهل ليبيا، أو حتى مجرد إخبارهم.
جاءت أوامر الأستانة للسعداوي وبقية الموظفين الأتراك بضرورة مغادرة ليبيا والتوجه إلى تركيا فورا، الأمر الذي خلّف أثرا بالغا في إضعاف المقاومة الليبية في مواجهة الطليان، ففقدان القيادة المؤثرة، ومن قبلها فقدان الإمدادات والأسلحة؛ أدى إلى فتور الهمم وفقدان البوصلة وتشتت الهدف.
توقيع معاهدة لوزان في الثالث من أكتوبر/تشرين الثاني عام 1912، والتي أعلن فيها انسحاب القوات العثمانية من ليبيا تاركة أهلها لمواجهة مصيرهم المحتوم أمام إيطاليا
بقيت مسألة خروج السعداوي من ليبيا في أوائل الصراع مع المحتل الإيطالي مسألة يصعب فهمها، فهو قد أثبت نفسه كقائد وطني متميز في السنة الأولى للاحتلال، وهو إضافة إلى ذلك ليبي من عائلة لها تاريخ ممتد ومكانة مرموقة في الغرب الليبي، لكن الجهاد استمر، واستجمع المجاهدون بقايا قوتهم في العزيزية، وقرروا مواصلة الجهاد.
عند وصوله إلى الأستانة فوجئ بأن أستاذه التركي حقّي بيك الذي علَّمه في الخمس يشغل منصبا عاليا في الدولة العلية، فعيّنه على الفور قائم مقام في منطقة ريزا على الحدود مع روسيا، وبقي هناك حتى بدايات الحرب العالمية الأولى أواخر 1914، حيث دخلت تركيا الحرب إلى جانب الألمان ضد روسيا، وجرى سحب السعداوي من ريزا وأعيد إلى الأستانة.
سقوط ينبع.. معارك الشريف حسين وحلفائه الإنجليز
عُيِّن بشير السعداوي قائم مقام في منطقة ينبع البحر على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، فوصل إلى المدينة المنورة في فبراير/شباط 1915، ونصحه الوالي التركي أن لا يسافر إلى ينبع لخطورة الطرق، وتهديد قوات الشريف حسين أمير مكة لها، لكنه احتال للأمر ووصل إلى ينبع التي كانت قلقة وغير مستقرة نتيجة تأليب القبائل العربية هناك ضد الحكم التركي.
جاءت الأوامر من الأستانة بتوسيع نفوذ السعداوي، وطُلِب إليه التصدي لتحركات الشريف حسين، المدعومة من الإنجليز ورجلهم “لورانس”. في البداية حاول العرب استمالة السعداوي لجانبهم في الثورة على الأتراك، لكنه أبى، فحاولوا اغتياله، وتصدى الأمير فيصل بن الحسين لهذه المهمة، وأغرى بعض شيوخ القبائل بالمال لتنفيذ رغبته، لكن أهل ينبع حالوا دون ذلك.
الأمير فيصل بن الحسين الذي تصدى لبشير السعداوي
في التاسع والعشرين من يونيو/حزيران 1916 انهزم بشير السعداوي إثر وصول المدمرات الإنجليزية، حاملة معها العساكر من أفريقيا والهند، فدخلت القوات ينبع تحت نيران المدفعية الكثيفة، وانسحب السعداوي إلى المدينة بمساعدة رجال القبائل في ينبع، وقد راودت الشكوك الوالي العثماني من الطريقة التي وصل بها بشير إلى المدينة، لكنه أقنعه أن ذلك كان بمساعدة العرب الذين يكنّون له الحب والولاء.
جبل لبنان الجائع.. إنسانية تتفوق على الطائفية
عاد بشير السعداوي إلى الأستانة، ومكث هناك شهورا قبل أن تأتيه الأوامر بالتوجه إلى قضاء جزّين في لبنان، وقد كانت الأجواء هناك في حالة غليان، فالمنطقة برمّتها تعاني ويلات الحرب العالمية، ومتصرفية جبل لبنان تتغير نتيجة الأوضاع التركية الجديدة، وقضاء جزّين تحاصره القوات البريطانية من جهة البحر، بينما لا تزال القوات التركية تضيق عليه الخناق برا.
كانت المجاعة تضرب بقوة في جبل لبنان، وقد مات خلالها 200 ألف مسيحي، حتى انتشرت الجثث في الطرقات لعدم قدرة الناس على دفن موتاهم من شدة الفاقة، وتذكر الوثائق التاريخية وشهادات الأجداد أن السعداوي بدأ بتوفير المساعدات لأهل جزين، واقتطع –بطرق قانونية- من الضرائب التي تُجمع للأتراك، وكان يوزعها على أهل جزين للمؤونة ودفن الموتى بكرامة.
وكان السعداوي يمنح أهل جزين بطاقات خاصة باسمه، ليتسنى لهم تجاوز الحدود إلى حوران والجولان، من أجل جلب الحنطة والشعير، وبلغ من مساعدته لأهل قضاء جزين أن كثيرين حسبوه مسيحيا للوهلة الأولى، وكانت نظرته الإنسانية لا تفرق بين المسلمين والمسيحيين هناك.
مؤتمر غريان.. بيعة ملكية لتوحيد الصفوف ضد المحتل
في العام 1920 وبعد انحسار الدولة العثمانية قرّر السعداوي العودة إلى ليبيا، وقتها كانت الجمهورية الطرابلسية تحتضر، وذلك بعد محاولتها ملء الفراغ السياسي بعد معركة الغردابية التي انتصر فيها المجاهدون على الطليان، وأرغموهم على الانحسار في خمس مدن فقط، هي زوارة وطرابلس ومصراته وبنغازي ودرنة.
كانت طرابلس حينئذ تشهد نزاعات وانقسامات بين زعاماتها، فتنادى العقلاء منهم إلى مؤتمر غريان في 1920، واختارت كل منطقة من يمثلها عدا الأمازيغ، وشكّلوا حكومة عرفت بهيئة الإصلاح المركزية من 20 عضوا بينهم بشير السعداوي، وشكَّلوا وفدا لمفاوضات مع الملك إدريس السنوسي الذي كان قد سوّى خلافاته مع الطليان في برقة.
ا
الملك إدريس السنوسي الذي سوّى خلافاته مع الطليان في برقة
كان محور المفاوضات توحيد الجهود ضد الطليان، وكانت مطالب حكومة الغرب تتلخص في الدفاع المشترك ضد العدوان الإيطالي على أي من الشرق أو الغرب الليبي، ولم توافق حكومة برقة إلا بشرط اعتراف طرابلس بالملك السنوسي حاكما لعموم ليبيا، والحقيقة أن السعداوي كان يتوقع هذا الشرط ومستعدٌّ للقبول به، بل وأقنع أهل طرابلس، ويقال إنه هو الذي صاغ خطاب البيعة للملك.
“بينيتو موسوليني”.. حرب المخابرات تلاحق السعداوي في مصر
لكن وصول الحزب الفاشي بزعامة “بينيتو موسوليني” إلى سدة الحكم في إيطاليا قلب الأمور رأسا على عقب، واجتاحت القوات الإيطالية كامل التراب الليبي، وقوَّضت الحياة السياسية بكل مظاهرها، وبدأت حرب إبادة وهدم وتنكيل بالمجاهدين في كل أنحاء ليبيا، وانفرط عقد الاتفاق السياسي بين الغرب والشرق تحت وطأة الهجوم الإيطالي الكاسح.
في أثناء ذلك تلقّى السعداوي نصائح من أطراف متعددة بالهجرة إلى مصر، ليواصل من هناك الجهاد على المستويين الإعلامي والسياسي، وبالفعل مُهِّدت له طريق الهرب إلى مصر بمساعدة زعماء القبائل وشيوخ الطرق الصوفية، لكن الضغوط الإيطالية على الحكومة المصرية لاحقته هو وسبعة من القادة الليبيين، مما اضطره لترك مصر إلى الشام.
وصول الحزب الفاشي بزعامة “بينيتو موسوليني” إلى سدة الحكم في إيطاليا قلب الأمور رأسا على عقب، واجتاحت القوات الإيطالية كامل التراب الليبي
في مصر كانت المخابرات الإيطالية تُخطّط لاغتياله أو أَسْرِه، ونجحت في إحداها بصدمه عن طريق سيارة لأحد عملائها، وكانت قد جهزت قرب المكان سيارة إسعاف للظفر به، لكن تَصادف وجود رجل أمن مصري يعرف السعداوي، فخلّصه من الإيطاليين تحت تهديد السلاح، ونقله إلى مستشفى بريطاني في المنطقة.
“حكم الإعدام وسام على صدري”
فور وصوله إلى دمشق أسس جمعية “الدفاع الطرابلسي البرقاوي” عام 1928، وصاغ ميثاق المشروع الوطني الليبي، وأنشأ للجمعية عدة فروع في سوريا ولبنان وفلسطين والحجاز وتونس ومصر وجزيرة العرب والهند، وكتب المنشورات التي تفضح جرائم الاحتلال الإيطالي، ولفت أنظار العالم إلى الفظائع التي يرتكبها الفاشيون في ليبيا، وكان الملك إدريس السنوسي من أشد الداعمين لهذه الجمعية.
ضاق الإيطاليون ذرعا بأنشطة السعداوي، وحاولوا اغتياله مرارا، وإغراءه بالعودة إلى ليبيا واسترجاع ممتلكاته، لكنه رفض كل محاولاتهم، ثم انتدبوا إمام اليمن للتوسط إليه، ووعدوه بتخفيف حكم الإعدام في حال تراجعه عن أنشطته الإعلامية ضد إيطاليا، فرفض وقال قولته المشهورة لإمام اليمن: “حكم الإعدام وسام على صدري”.
بشير السعداوي يمثل قادة المجاهدين الليبيين في مصر في المؤتمر الإسلامي عام 1931، الذي انعقد في القدس بزعامة الحاج أمين الحسيني
وتقديرا لدوره النضالي والإعلامي، طلب قادة المجاهدين الليبيين في مصر من بشير السعداوي تمثيلهم في المؤتمر الإسلامي عام 1931، الذي انعقد في القدس بزعامة الحاج أمين الحسيني وعدد من القادة والوجهاء العرب والمسلمين، وعيِّن السعداوي في اللجنة التنفيذية للمؤتمر.
مستشار الملك عبد العزيز.. تفتح آفاق السياسة العالمية
كان للورقة التي قدمها السعداوي عن القضية الليبية أثر بالغ دفع المجاهد الشيخ عز الدين القسام للإشادة بالجهاد الليبي، ودفع المجاهدين الفلسطينيين والعرب للمشاركة فيه، وتطوّع 200 منهم للجهاد تحت قيادة شيخ المجاهدين عمر المختار.
كذلك كانت للسعداوي جهود مقدّرة في التأليف بين الملك السعودي عبد العزيز والإمام اليمني حميد الدين أحمد بن يحيى، ونزع فتيل الحرب بينهما، وقد أُعجب الملك عبد العزيز بالسعداوي وحصافته السياسية، وطلب منه العمل لديه كمستشار، وكانت أولى مهماته هناك تقديم مشورة عسكرية في جمع شتات القوات السعودية، وتأسيس جيش نظامي حديث، فرشّح له السعداوي قائدا ليبيا للقيام بهذه المهمة، وهو طارق الأفريقي، وكان بهذا أول قائد أركان للجيش السعودي.
بشير السعداوي عمل مستشارا للملك السعودي عبد العزيز
تفتحت آفاق السياسة الدولية أمام السعداوي بصفته مستشارا للملك، وحضر مع عبد العزيز كل اجتماعاته مع القادة العالميين، وكان أبرزها مع الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت”، ورئيس الوزراء البريطاني “وينستون تشرشل”، ثم حضر معه مؤتمر القمة العربية في القاهرة، وقد أكسبته هذه الوظيفة حضورا مرموقا في أروقة السياسة ودهاليز الحكم.
انتخابات طرابلس.. خسارة مدوية لحزب المؤتمر
حنَّ بشير السعداوي إلى وطنه الأم، فاستأذن الملك عبد العزيز ليسمح له بالعودة إلى ليبيا بصفته عضوا في هيئة تحرير ليبيا، وذلك من أجل التصدي لمشروع تقسيم ليبيا بين دول الاستعمار بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، الذي عرف بمشروع “بيفن سفورزا”، ومع أن المشروع سقط بعد التصويت عليه، فإنه أفرز زعامات محلية موالية لدول الاستعمار هذه.
أتاحت هذه الفترة بعض الحرية السياسية، مما سمح بتشكيل الأحزاب، حيث كانت أحزاب برقة تنادي باستقلال الإقليم البرقاوي لوحده، بينما كانت أحزاب طرابلس منهمكة في صراعات ونزاعات لا تنتهي، أما السعداوي فكان ينادي بالاستقلال والوحدة معا، وكان لا يرى معنى لنضاله دون تحقيق وحدة واستقلال كامل التراب الليبي.
أسس السعداوي حزب المؤتمر الوطني في طرابلس، ونادى من أول يوم بجمع كلمة الليبيين جميعا تحت قيادة الملك السنوسي في برقة
في مارس 1948 أسس السعداوي حزب المؤتمر الوطني في طرابلس، ونادى من أول يوم بجمع كلمة الليبيين جميعا تحت قيادة الملك السنوسي في برقة، واستطاع في فترة وجيزة أن يخطف الأبصار تجاه حزبه، والتفّت حوله الزعامات القبلية والمدنية.
في 23 سبتمبر/أيلول 1953 تنازلت بريطانيا وفرنسا عن إقليميْ برقة وفزّان، ليعلن إدريس السنوسي قيام مملكة ليبيا في اليوم التالي. وفي أول منافسة انتخابية خسر حزب المؤتمر أمام خصمه الحزب الفيدرالي، وذلك في مفاجأة لم يتوقعها الشارع الطرابلسي، وخيّمت على المشهد شُبهة تزوير واضح ومؤامرة إنجليزية، لأن السعداوي لم يخضع لشروطهم.
آثر السعداوي بعدها الانسحاب حفاظا على رفاقه في الحزب، ونُفي إلى خارج البلاد بتهمة التحريض على العنف، فعاد إلى السعودية عام 1952.
أسير المنفى والمرض.. جنازة رسمية في ليبيا
مكث السعداوي في السعودية عاما ونصفا، ولم يكتب خلال هذه المدة خطابا واحدا لليبيين، وكانت تراوده حسرة دفينة على بلد قضى معظم حياته في سبيل استقلاله ووحدته، وها هو منفيٌّ عنه، وهو يرى التجاذبات السياسية والمؤامرات الخارجية تُمزقه، فأصابه غمّ شديد وأمراض بدنية نقل على إثرها إلى لبنان للعلاج.
ساءت حالته الصحية، ولم تزل كذلك إلى أن توفي في العام 1957، ودفن في بيروت، وبعد قيام ثورة الفاتح من سبتمبر/أيلول، أمر العقيد معمر القذافي بإحضار جثمانه من بيروت، وكذلك جرى إحضار جثمان سليمان الباروني من الهند، وفي عام 1972 أقيمت لهما جنازة رسمية حاشدة، ودُفن السعداوي في مقبرة سيدي منذر في الخُمس.
حارب السعداوي رحمه الله النزعة الطائفية، وكان عَلَما في الجمع بين الأصالة والمعاصرة، ودعا إلى الوحدة العربية على أساس من الفكرة الإسلامية الشاملة، وكان جمهوريا بامتياز، حيث دعا إلى الحرية الفكرية والسياسية كأعلى مكاسب الجهاد المادي والمعنوي، وكان في بداية حياته مُنحازا إلى فكرة الخلافة الإسلامية الجامعة، ثم تخلّى عنها إلى فكرة الدولة القومية، دون انسلاخها عن حاضنتها الدينية.
_____________

التجربة البرلمانية في ليبيا 1908-1969 (9)

سالم الكبتي

إن متابعتي واهتمامي بموضوع التجربة الدستورية والبرلمانية في ليبيا التي عاشها أبناؤها فترة من الأعوام في ظروف مختلفة تلاحقت وتباينت ثم ظلت بعيدة وراء الأفق في أطياف التاريخ وانتهت بتجربة نيابية ديمقراطية رغم العثرات دامت ثمانية عشر عاما إلى 1969 حيث تعطلت وتوقفت.. إن ذلك يعود إلى أيام بعيدة ماضيات إقتربت والتقيت فيها بكثير من رجال ليبيا الذين أسهموا بجهودهم في إرساء قواعد هذه التجارب العديدة وفي هذا كله يتعين عليَّ خلال هذه المقالات أن أشير إلى بعض منهم وهم السادة: محمود بوهدمة وسليمان الجربي والطاهر العالم.. على سبيل المثال.
لقد كان الأول عضوا في لجنة الواحد والعشرين ثم الجمعية الوطنية (الستين) وكان الثاني عضوا مثله في الستين وفي لجنة الدستور وقام بأعمال السكرتارية وتدوين محاضرها وجلساتها بدقة عالية التنظيم وكانا ضمن وفد إقليم برقة فيما كان الثالث مثلهما في الجمعية إضافة إلى اختياره في فترة لاحقة عضوا بلجنة العمل وإعداد الدستور ضمن زملائه وفد فزان في الجمعية المذكورة. وأضيف إلى ذلك: أن السيد بوهدمة كان رئيسا لأول مجلس تشريعي في ولاية برقة بعد الاستقلال وهي – المجالس التشريعية في الولايات الثلاث – تجربة برلمانية سأتعرض إليها في ثنايا مايبقى من مقالات ثم اختير ثالث رئيس لمجلس شيوخ في المملكة وعينه الملك نائبا له مع رئيس مجلس النواب خلال غيابه عن الدولة عام 1956 قبل تعيين ولي للعهد تلك الأيام. وأن السيد العالم كان نائبا في أول برلمان ليبي بعد الاستقلال في 1952.
التقيتهم في بنغازي وطرابلس مرارا وتحدثوا لي عن هذه المخاضات العسيرة والتجارب التي انقطع عنها الجيل اللاحق وولى لها ظهره دون الإفادة منها أو متابعتها بالتحليل والدراسة والنقد والحوار. دونت وسجلت منهم مما دار في كواليس القاعات والجلسات ووقفت في حقيقة الأمر على قيمة هذه الجهود الكبيرة التي بذلوها مع بقية زملائهم أياما وليالي طويلة بين طرابلس وبنغازي. لقاءات وحوارات وجلسات ونقاشات وجولات وتفاهمات وتناقضات وأخذ ورد وشد وجذب ثم كانت المحصلة الختامية لهذه الجهود الوطنية توحد الخطوات نحو طريق واحدة تؤدي إلى الوطن الواحد الذي يسع الجميع رغم المطالبات والحلم بالمزايا لكل إقليم وكان هناك في كل الأحوال درء وسد لمحاولات النفاذ الأجنبي والتدخل بتغيير وجهة ذلك الطريق.
ولم يكن هذا العمل الوطني المخلص يسعى لتحقيق أطماع أو مأرب شخصية. وكان الحضور والتواجد في طرابلس يتم بالتنقل عبر ظروف صعبة بالبر وأحيانا بالجو في طائرة الأمم المتحدة الوحيدة التي خصصت لمندوبها في ليبيا المستر إدريان بلت. وتظل إحدى أحاديث الشيخ بوهدمة إلي ماثلة في الذهن ولاتنسى فقد ذكر بأنه خلال مشاركته في اجتماعات الجمعية الوطنية عامي 1950و1951 كان يغادر من بنغازي إلى طرابلس مع رفيقه السيد عمر فائق شنيب لحضور تلك الاجتماعات مصحوبين بعائلتيهما. كانت الوسيلة التي تقلهما شاحنة كبيرة ويستغرق سيرها أياما عديدة وكثيرا ما تتعطل تلك الشاحنة في بعض الأماكن البعيدة عبر الطريق الساحلي عن أي وجه من وجوه المساعدة اللازمة. ينتظرون فترة من الأيام والليالي في أيام الصيف والشتاء حتى تصل إليهم أول نجدة للقيام بإصلاح وصيانة الشاحنة. ينتظرون في تلك البقعة الخالية.. يتسامرون ويتحدثون عن شجون الوطن دون شعور بالشكوى أو الألم وعندما يصلون إلى طرابلس كانا يؤجران مسكنا على حسابهما الخاص رغم قلة ذات اليد ويشرعون في حضور الاجتماعات متناسيين تعب الطريق ومشاقه. كانت الطريق الأخرى نحو الاستقلال أكثر مشقة منها.
وظل السيد العالم في أحاديثه عن معاصرته لوضع أسس وبنيان الدولة الوليدة يؤكد على وطنية وحرص الشيخ أبو الأسعاد العالم الذي يجهله الكثيرون وروعة أدائه للجلسات وحسن سيطرته بكل ديمقراطية وإتاحة الفرصة أمام كل الآراء وتقريب وجهات النظر بكل حنكة ودراية. فيما أشار إلى المحاولات الخبيثة التي كان يرمي بها بعض رجال فرنسا في إدارتها في فزان للتأثير عليه وزملائه الذين يمثلون الإقليم سعيا لانفصال الوطن. ذاكرا بأن لجنة العمل في إعداد الدستور ظلت تناقش القضايا والموضوعات دون أي تدخل خارجي من أي طرف. ماعدا الصياغة النهائية في صورتها القانونية من قبل المستشارين عمر لطفي وعوني الدجاني وغيرهما. مشيرا في الوقت نفسه إلى أن من القضايا الحساسة التي غدت مثار اهتمام ومتابعة كثيرة على سبيل المثال هي موضوعات الاتفاقيات الأجنبية وإعلان الحرب والعاصمة.
وفي جملة هذه التفاصيل المهمة التي خرج عبرها الدستور الليبي الذي لم يكن صناعة أجنبية بل كان نتاجا ليبيا وبأيدي ليبية لم تكن عميلة أو يحركها الخارج على أي وجه من الوجوه.. أود أن أستعين بما ذكره صديقي الدكتور محمد الطاهر الجراري الذي كان والده السيد الطاهر عبدالله الجراري عضوا من فزان في لجنة الواحد والعشرين.. فقد سمع ذات يوم من السيد علي رجب المدني عضو اللجنة عن طرابلس هذه القصة التي دارت أيام جلسات اللجنة المذكورة صيف عام 1950 ما مفاده مختصرا في بعض جوانبه: (ذات يوم قام السفير البريطاني في طرابلس بدعوة أعضاء لجنة الواحد والعشرين لمائدة العشاء واختار السطوح مكانا للعشاء في جو رائق. يطل فيه الضيوف الناعم منهم والخشن على مصابيح طرابلس المتلألئة من بعيد أو قريب ومويجات بحرها المتسابقة ونجوم سمائها الصافية ونسائم مسائها المتعانقة وسط الأكل المطروح للراغبين والماء المسكوب للسائلين. فتحولت الجلسة المدروسة وإطارها إلى سمفونية رائعة يتداخل فيها الهواء مع الحضور السماوي والأرضي والمائي فإلى أين المفر أيها الواحد والعشرون؟.
تعمدت في هذا الجو الساحر التأكيد على مصالح من نوبوني عنهم فقصدت أحد ممثلي فزان (وكان والدك المقصود). أطلقت السلام.. فرد. وعرفت بنفسي فقام هو بالرد والترحيب ثم بدأت أناقشه في القضايا المطروحة وقتها للنقاش ومنها العاصمة. فرد بأنه قديم التردد على طرابلس وفيها نبيع ونشتري ونملك ونتزاور مع أقاربنا القاطنين بها. واسترسل في العلاقات بين الجنوب والشمال وحتى عن فشل محاولات فرنسا ربط الجنوب (فزان) بمستعمراتها في المغرب وإفريقيا. سعدت بكل هذه الأحاديث واعتبرتها تقدمة ناجحة لتقديم سؤالي الرئيسي له وهو.. التصويت لصالح طرابلس عاصمة لليبيا. رد: طرابلس اقتصاديا من مصلحتي الشخصية أن تصبح عاصمة حتى تزدهر استثماراتي البسيطة بها.. لكنها عاطفيا وحدها لاتشبع غروري الطامح إلى ليبيا الواسعة!
إستغربت رده ولكنني فهمت منه أننا جميعا ندور في حلقة شكوك وظنون لكنه شخصيا (والدك الشيخ الجراري) أشار إلى أن من يضحك الآن علينا ويهزأ الآن بنا جميعا ومن يخطط لتأكيد مصالحه فينا جميعا (برقة وطرابلس وفزان) هو ذاك الواقف هناك المستضيف لنا الليلة. مشيرا بأصبعه إلى السفير البريطاني!).
في هذه الأجواء الوطنية والحماس والخوف من المجهول والحرص على الوطن رغم محاولات تغليب المزايا لكل إقليم على حده.. ولد الدستورمن أبناء ليبيا. وكان الملك العتيد إدريس قد ألقى خطابا أثناء زيارته إلى طرابلس بتاريخ 21 مايو 1951أشار فيه إلى أنه: فهم أن الدستور الذي تقوم بوضعه الجمعية الوطنية سيشمل إنشاء دولة واحدة ووزارة واحدة وأنه عندما يحدد ذلك ستعدل أنظمة الحكم في الأقاليم الثلاثة حال إعلان الدستور وتنفيذه من وزارات إلى ولايات لها سلطات تشريعية داخلية في تلك الشؤون التي ينص عليها الدستور ..
الدستور الذي حققه الليبيون .
____________

Read More

الحاج صابر عبّر عن رأيه وكتب: “هذا ما أرى” (4)

(المحرر: قدم المناضل بشير العامري، رحمه الله، هذه الورقة في سبتمبر 1993، ولذلك على القارئ أن يقرأها في سياقها التاريخي)

هذه الورقة تناولت كمحاولة لعلاج ثلاث مواضيع أساسية في أجندة المعارضة الليبية في الخارج، وهي: اولا، تقييم عقد ونصف من النضال من أجل الحرية، وثانيا، التطورات التي طرأت على أسس استراتيجية النضال، وثالثا، تصور جديد لقيادة النضال من أجل تحرير الإنسان الليبي وتمكينه من أن ينال حقوقه الطبيعية. Read More

الحاج صابر عبر عن رأيه وكتب: “هذا ما ارى” (3)

(المحرر: قدم المناضل بشير العامري رحمه الله هذه الورقة في سبتمبر 1993، ولذلك على القارئ أن يقرأها في سياقها التاريخي التي تناولته)
هذه الورقة تناولت كمحاولة لعلاج ثلاث مواضيع أساسية في أجندة المعارضة الليبية في الخارج، وهي: أولا، تقييم عقد ونصف من النضال من أجل الحرية، وثانيا، التطورات التي طرأت على أسس استراتيجية النضال، وثالثا، تصور جديد لقيادة النضال من أجل تحرير الإنسان الليبي وتمكينه من أن ينال حقوقه الطبيعية.

الجزء الثالث

تصحيح المسار

ونحن نقيم سنوات النضال المريرة لنتعرف على الأسباب التي ساهمت في قوة المعارضة وضعفها وفي أسباب قصورها، لابد أن تكون لدينا القدرة على الاستماع للرأي المخالف حينا والناقد حينا آخر، فالروح التي نقبل بها على المرحلة هي التي تحدد درجة النضج والجدية معا، فقد نكيل الإطراء والمديح لأنفسنا كما نشاء ونضع أصابعنا في آذاننا ونستغشي ثيابنا حتى لا يصل إلى أسماعنا ما نكره ونكتفي بترديد مآثرنا وما حققنا من نجاحات ومقدار تفوقنا على الآخرين معتقدين أن كل ذلك هو ما يعطينا الدفع إلى الأمام ويحمينا من الوقوع في دركات الإحباط والإنهزام الداخلي.
لكن الحقيقة هي خلاف ذلك فمن لا يفهم ماضيه سوف يعيده ولنستهدي بروح الدين الحنيف التي تدفع بالعاصي حتى يتوب ويقلع عما هو غير محمود فإن فعل أمرته بالالتزام بما هو خير فإن فعل أمرته بالشكر للذي هداه فإن فعل أمرته بالبذل والعطاء وفي كل مرحلة من مراحل التغيير، يوهب منزلة أفضل من التي كان فيها ويرفع عنه وزرا حتى إذا بذل روحه وصار شهيدا في سبيل الحق وُعِد أعلى منزلة في العطاء الرباني، فيرفع عنه كل وزر حتى لا يبقى هناك من داع لمساءلته يوم العرض ويحشر في ثلة قليلة من البشر مع الأنبياء والصديقين، وحسن أولئك رفيقا.
ويأتي التصحيح بعد التقييم بداهة فإن لم يحدث ذلك التصحيح فإما أن العمل كان مستقيما ولم يعاني مما يدعو إلى تصحيحه أو أن حركة التقييم كان يعوزها الصدق وهو إجراء كثير الحدوث في السياسة بهدف الدعاية السياسية أو لعدم القدرة على التصحيح لما يحتاجه ذلك الأمر من شجاعة وإمكانيات فوق طاقة المصححين.
والتصحيح غير الدعم، فالأول يقتضي تغيير في الإتجاه بينم يتطلب الآخر تغيير في الكمية، ولصعوبة التصحيح غالبا ما تلجأ المنظمات والحكومات على السواء إلى مضاعفة الجهد مع الحفاظ على وجهة المسار فتكون النتيجة مضاعفة الخطأ بالتالي فداحة الخسارة، وتلك نتيجة الولاء التنظيمي الذي تصر عليه المنظومات السياسية حاكمة كانت أو معارضة، قوميا كان فكرها أو أصوليا، فنجد العصبية هي التي تدفع الأعضاء إلى ما هم عليه من وحدة الرأي، وإن كان ذلك الولاء التنظيمي وتلك العصبية ضرورية لايجاد الترابط واستمرار العمل الجماعي فغالبا بل دائما ما ينساق التنظيم أو الحكومة وراء مصلحته الخاصة بدافع العصبية والتحيّز ورغبة في الغلبة والظهور حتى وإن كان الحق مع منافسيه.
نعم إن الولاء للحق قبل الرابطة التنظيمية بعد اليوم تجديدا وخروجا عن المألوف، لكن معظم الصراعات على السلطة في العالم الثالث وما ينشأ عنها من إهدار للأرواح والموارد إنما هو بسبب تلك العصبية الجاهلية وبسببها أيضا لم يحقق الأسلوب الديمقراطي في الإدارة والحكم في المجتمعات المتخلفة ما كان مرجوا منه فلا يصل الأكفاء من القادة إلى حيث يجب أن يكونوا مكان من هم دونهم قدرة وعطاء.

المصالح المشتركة

ليس هناك ما يدعوا للاعتقاد بأن العالم الغربي (أمريكا) قد تغير من مستعمر للعالم الثالث إلى حليف له، وهذه حقيقة لا أعتقد أنها موضع خلاف ولا يجب أن تغيب عن أذهاننا في غمرة أحلام اليقضة التي تراود الضعفاء المغلوب على أمرهم، فالعالم الغربي وإن منح شيئا من الحرية للشعوب المستعمَرة وتوقفٌ عن توطين الرجل الأبيض في أراضيها تحت إلحاح الثورة القائمة، إلا أن المبادئ الأخلاقية والسياسية في الغرب لم تتغير عما كانت عليه في القرن التاسع عشر وتبعا لذلك لم تتغير رغبته في إبقاء شعوب العالم الثالث في إطار نفوذه.
ولو أفردنا المنطقة العربية الحديث لوجدناها تمتاز عن كثير من شعوب العالم الثالث بثلاث عوامل تؤهلها لأكثر من أن تبقى تابعا للغرب وفي صميم موطن نفوذه، فهي تمتلك حصة كبيرة من الاحتياطي العالمي من الزيت ـ عصب اقتصاد عالم اليوم وشريان الحياة الأول فيه ـ إلى جانب أن المنطقة هي موطن الإسلام المنافس المحتمل للنفوذ الغربي في العالم الاسلامي، والباعث لهذه المنطقة من جديد والمحفز لها على الاستقلال السياسي والاقتصادي عن الغرب ونفوذه، ثم هناك دولة إفسرائيل بما لها من نفوذ بالغ في علاقة الشرق والغرب، وإذا صح أن الغرب لن يسمح حتى لله أن يكون له القرار النافذ في سلعة النفط وأنه لن يرضى إلا أن تكون إسرائيل هي القوة العظمى في المنطقة، فإن هناك ثلاث نتائج تُحتِّمها الفرضية السابقة وهي:
أولا: لن يسمح الغرب بقيام قوة عسكرية في المنطقة العربية قادرة على تهديد أي من المصلحتين النفط أو إسرائيل كائن من كان وراء هذه القوى إسلاميا أو قوميا.
ثانيا: لن يسمح الغرب بقيام نظام ديمقرطي حقيقي (وهو لم يسمح فيما مضى) في المنطقة العربية بقيام نوع النظام الديمقراطي المعروف اليوم في الغرب لأن ذلك يفسد منظومة التعامل بينه وبين حكومات هذه الدول، وقد ثبت أن غياب الشرعية تجعل السلطة الحاكمة تعتمد في أمنها الداخلي والخارجي على ولائها المطلق للغرب.
ثالثا: لن يرضى الغرب وسيظل يعمل ما في وسعه لكي يكون الأساس الفكري لأي حركة سياسية في المنطقة العربية إلا غربيا ومن ثم فلن يسمح بتمكن الفكر السياسي الإسلامي من الوصول إلى السطلة، ولسنا في حاجة إلى برهان أو حجة على صحة هذه الدعوى فالمؤامرة ضد النظام الديمقراطي الإسلامي في الجزائر وما يحاك الآن ضد السودان من مؤامرات وما يبذل من محاولات لإجهاض الثورة الإسلامية في إيران و أفغانستان وحملات التشكيك والطعن في الصحوة الإسلامية العالمية، كل ذلك وغيره من صريح الشواهد تكفينا عناء التدليل على صحة ما أوردنا.
كان هذا تقديما عاما لسؤال أكثر خصوصية وهو: ما هو الدور الذي ينتظره الليبيون من أمريكا أن تلعبه في القضية الليبية؟  الدولة المسلمة العربية النفطية القريبة من إسرائيل، وموطن حركة إسلامية سياسية ، إن لم تكن فاعلة فيكفي أنها تصل غرب الشمال الافريقي بشرقه، وتصل البحر بدول حزام تحت الصحراء المرشح الجديد لصحوة إسلامية، والاستقلال عن النفوذ الغربي.
مما سبق يتبين أن لأي نهضة حضارية أو حركة سياسية تهدف إلى الإصلاح وتأمين حقوق الإنسان في ليبيا أن تضع في أولوياتها ولا تتغاضى على قضية العلاقة بين العرب والغرب وبالتخصيص النفوذ الغربي في العالم العربي وفي ليبيا، فالسكوت على هذه القضية قصورا أو تقية يفقد الحركة مصداقيتها وتجعل الذين تريد الحركة منهم أن يكونوا أنصارا لها يصدرون عليها أحكاما مسبقة بالعمالة أو بالسطحية وإذا وصلت حركة مثل هذه (لا تمتلك دعما شعبيا من الطبقة الواعية سياسيا) إلى السلطة فهي حتما حركة النخبة التي تفرض إرادتها على الآخرين بالقوة ولا تجد بدا من الاستمرار في تحالفها مع القوة الأجنبية التي مكنتها من مقاليد الحكم، فالليبيون مثل العرب جميعا لا يريدون أن يكون تراب فلسطين ثمنا للإنفتاح، ولا يريدون التبعية الاقتصادية والسياسية للغرب هي البديل الوحيد لنظام الحزب الواحد، ولا يريدون التخلي عن تعاليم دينهم الحنيف مهرا من القضايا العربية الاسلامية الكبرى وهي التبعية للغرب وتحرير فلسطين، والصحوة الاسلامية.
هذه هي الأسس التي تحدد الإنتماء والولاء التنظيمي وتدفع بالعطاء، أو تحبطه.

نظرة في الاستراتيجية

كانت الرؤية التي ارتأتها المعارضة الليبية أو العقد المنصرم، أن العالم العربي ودول الجوار ثم العالم الغربي كله يناهض سياسة القذافي ولا يريد له البقاء على رأس السلطة في ليبيا لما يسببه من قلاقل للحكومات العربية ولسياساته غير المنضبطة بالأعراف الدولية ولأنه مصدر لعدم الاستقرار في المنطقة، وظنوا أن ما يُبقى على سدة الحكم في ليبيا إلا غياب خصم كفء، وقوة قادرة، لكن هذا الرأي قد ثبت خطأه ثبوتا يجعل الاستمرار عليه حمقا ما بعد حمق.
ذلك أن ما توفر من قوة وبأس ولسنوات لدى المعارضة فاق كل ما كان يطمع له المرء من مدة وعدة، وما توفر قبل ذلك في الجزائر لم يكن بالأمر الهين أيضا بل كان يكفي لاستنهاض الحليف وكسب العون وجلب المدد، لكن من ذلك لم يحدث وتركت تلك القوى تتداعى وتضعف أمام سمع حلفاء المعارضة الليبية وبصرهم وبعلم “أعداء” القذافي جميعا,
وأصحاب الرأي السياسي في المعارضة الليبية اليوم أمام خيارات ثلاث:
أولا، الاستمرار على العهد القديم والذي بينّا عقمه وثبت عدم جدواه.
ثانيا، أن تسقط المعارضة من برامجها مطلبها الأول “إسقاط النظام الحاكم” وتنفرد وتضع كل جهدها في تهيئة نفسها فكرا وخطة للهدف الثاني من أهدافها “إقامة البديل الراشد”، وهذا الخيار وإن كان يبدو عليه الواقعية لأول وهلة وله ما يدعمه في تاريخ الحركات السياسية الحديثة في المنطقة العربية.
ثالثا: نظرة متعمقة في الوضع السياسي العربي والعالمي ستهدينا إلى أن هذا الخيار الثاني لا يعدو أن يكون وهما جديدا. بل قد يكون الإستسلام والإنصراف لتربية أولادنا أفضل من الاصرار على ما لا جدوى منه ذلك أن التمعن فيما ينتظر المنطقة العربية لا يجعل هناك كبير أمل في نشر أي دعوة أو في الوصول إلى السلطة بالطريق السياسي فليس لذلك من شاهد في التاريخ المعاصر ولعلمنا بأن تغيير السلطة في ليبيا لن يكون سلميا وعن طيب خاطر من الحاكمين بل عنة ومن داخل المؤسسة الحاكمة نفسها، فالذين يملكون زمام السلطة لن يتركوه حتى وإن سمحوا بتكوين أحزاب سياسية فسيبقى علم السلطان فوق كل راية ودعمه بالقلم واللسان محجة وشريعة لا يحيد عنها إلا هالك.
إن الذين يتوهمون تكرار ما حدث في نيكاراجوا يخطئون في تشبيه الملابسات السياسية العالمية التي تحيط بكل من ليبيا ونيكاراغوا وفي تشبيه معارضة مسلحة محاربة تقف على أرضها بأخرى في المنفى أو في معتقلات عدوها فضلا على أن القذافي أو قل منهج القذافي في الحكم هو عين ما يريده الغرب ولو لم يوجد القذافي لاستحدثوه ولو فنى أو ضعف لعززوه ونصروه وإن سقط أو أسقط في شخصه فسيبقى نظامه ـ نظام مستبد تهيمن عليه القوات المسلحة أو ترعاه وتنصره متى واجه الخطر. فما الذي يدعونا بعد كل هذه السنوات من الانتظار للاعتقاد بأن القذافي ليس بالحليف لكل القوى ذات الأثر في وضع ليبيا السياسي.
إن مدافعة القذافي ومقارعته بالسلاح لا ترجى اليوم إلا جهادا في سبيل الله بقصد نيل الشهادة أو ظهور الإسلام. أما الحرب من أجل المغنم فغير مرجوة لشراسة النظام وشدة تنكيله بالناس حتى أن فداحة المغرم لتفوق كل مغنم وتجعل كل مطلب يهون، ويشهد بذلك تواطؤ الناس في ليبيا على الخنوع والركوع والرضى بالغبن والهوان، وكأنهم جبلوا عليه، إذاً لم يبق أمام أو غيرها ممن لا يحملون لواء الاسلام وليس من جملة أهدافهم التمكين للإسلام إلا التحالف مع الحركة الإسلامية، ليس تحالفا استراتيجيا فقط بل إيجاد قاعدة مشتركة، وذلك بالاتفاق على مجموعة من الأهداف المرحلية وعلى أسلوب الحكم ثم يوثق موقف الجميع من القضايا الأساسية التي يظن أن تكون منشأ الخلاف الفكري فيما بعد، وتوضع تعريفات واضحة للمبادئ العامة مثل مبدأ الديمقراطية وحرية التعبير وباقي الحريات.

يتبع في الجزء الرابع بدءً بـ “نظرة في المنهج”

_____________________

الحاج صابر عبّر عن رأيه وكتب: “هذا ما ارى” (2)

(المحرر: قدم المناضل بشير العامري رحمه الله هذه الورقة في سبتمبر 1993، ولذلك على القارئ أن يقرأها في سياقها التاريخي التي تناولته)
هذه الورقة تناولت كمحاولة لعلاج ثلاث مواضيع أساسية في أجندة المعارضة الليبية في الخارج، وهي: أولا، تقييم عقد ونصف من النضال من أجل الحرية، وثانيا، التطورات التي طرأت على أسس استراتيجية النضال، وثالثا، تصور جديد لقيادة النضال من أجل تحرير الإنسان الليبي وتمكينه من أن ينال حقوقه الطبيعية.

الجزء الثاني

الحلف الشريف

منذ قيام دولة آل سعود في نجد وتحالفاتها في سبيل ذلك مع الإخوان الوهابيين في أوائل القرن الماضي وحركة الإلتقاء والتباعد بين الأصوليين والعلمانيين في توالى ليس فقط بسبب حاجة الأول لفنون السياسة وحاجة الثاني للدعم الشعبي واكتساب الشرعية، بل أيضا للتخفيف من وطأة الغرب الذي يملك وسائل البأس على الإسلام والمسلمين.
لعل ما حدث من التفاف ودعم من الإسلاميين للحركة السياسية الليبية المعارضة والجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، هو من ذلك القبيل، فقد كانت الجبهة في حاجة ماسة إلى اتباع لهم الرغبة في المعارضة الحقيقية لنظام القذافي، وقادرون على العطاء في سبيل ذلك المطلب وأين تجدهم في المهجر خارج الحركة الإسلامية العارمة بين الليبيين في أوروبا وأمريكا، وبالمثل فقد ظن الإسلاميون أنهم وجدوا في هذه الحركة السياسية خيرا وجاء لهم من رصد الراصدين وأسهل وسيلة تمكنهم من الانتقال والاتصال دونما حاجة إلى الإعلان عن توجهاتهم الحقيقية من جهاد وإقامة الشريعة وتوحيد الأمة وحرمان الغرب من استغلال الشعوب الإسلامية لما لهذه المطالب من علاقة مباشرة بتصنيف الحركة الإسلامية بأنها حركة متطرفة.
وبسبب هذا التبادل النفعي إتفق المعارضون على قاسم مشترك “إسقاط نظام القذافي” أما البديل فقد كان له أكثر من بديل. لكن التجربة السياسية كما خاضها الإسلاميون من خلال الجبهة أظهرت لكثير منهم على فترات مختلفة من الزمن أن ما تصوروه من قدرة على التمترس وراء واجة سياسية خارج بلادهم لم يكن إلا تصورا ساذجا دلّ على ضيق خبرتهم السياسية واتساع المشكلة التي تواجههم.
ورغم أن التحالف الإسلامي الليبرالي الذي أوجدته الجبهة نجح في إرساء دعائم حركة دامت إلى ما بعد موقعة باب العزيزية إلا أنه لم يستطع المحافضة على استمرار الدعم الإسلامي لهذه الحركة ولو أمكنه ذلك لكان له اليوم شأن آخر لكن كفة الجناح الليبرالي قد رجحت ومرجع ذلك أن الإسلاميين لم يحرصوا على مواقعهم في هذا الإئتلاف ولأن الجبهة بالغت في التخوف من أن توصم بأنها حركة أصولية أو أن توصف بأنها استمرار لحركة الإخوان المسلمين رغم أن الجهاد الإسلامي الصريح وقتئذ في أفغانستان يلقي كل دعم من الولايات المتحدة ومن الغرب بأسره خلال سنوات زامنت نشوء الجبهة وإرتقائها.
وعلى الرغم من قصر عمر ذلك التحالف الليبرالي الإسلامي إلا أنه كان محاولة رائدة أثبتت أن الليبيين قادرين على الإرتقاء فوق خلافاتهم الناشئة من اختلاف توجهاتهم الفكرية ليحققوا معا مطالب أعظم تتصل بالحياة والحرية لكل فريق منهم وأن وحدة الوطن والمصير أقوى من خلافات الفكر والسياسة، واثبتت المحاولة أيضا حاجة الإسلاميين إلى السياسة وحاجة السياسيين إلى الإسلام في نضالهم من أجل تغيير الواقع.
نعم هناك من الذين ينتمون إلى التيار الإسلامي من يرفض التعاون مع الآخرين من الأحزاب الوطنية إما لغياب الشمولية المعروفة في الإسلام أو لأنه يرفض الديمقراطية والانتخابات والمجالس النيابية، لأنها مسميات غريبة يريد أن يسميها لما يقابلها في الفكر الإسلامي من بيعة وشورة … الخ، أو لأن هذه الأسماء ارتبطت في ذهنه بملة الكفر، ولكن ليس هناك من الإسلاميين من يرفض جوهر هذه المسميات من سيادة القانون وفصل السلطات وحقوق الإنسان فكيف يرفض العدل والحرية وهما من أهم مقاصد الشرع.  
وعلى الصعيد الآخر فالذين يخشون الحكم الإسلامي ويناهضون الصحوة الإسلامية من أجل ذلك، يبنون مخاوفهم أولا على تجارب الغرب الحضارية وما سجله التاريخ الأوروبي من صراع بين الكنيسة ودعاة التطور والتنوير في بداية عصر النهضة، وثانيا ـ وليس على نفس المستوى من الأهمية  ـ على تصريحات الخطباء والوعاظ الإسلاميين وهم يدينون بحماس الخطباء المعهود بعض مظاهر التطور الغربي (الانحلال) التي تعتمد على أصول لا أخلاقية أو تعارض مقاصد الشريعة الإسلامية ويتوعدون مظاهر الفساد الإجتماعي المتمثلة في الزني والخمر والمخدرات والشذوذ الجنسي وما إلى ذلك.
ولو أمكن للطرفان الإسلامي والليبرالي أن يتحاورا حوارا هادفا بنية الوصول إلى نقاط الألتقاء لتبين لهما أن خلافاتهما غير موضوعية وأن عوامل اللقاء والتعاون بينهما كثيرة وصالحة، فالصراع بين الدين والعلم ليس من خصائص الدين الإسلامي فالشريعة تضع العقل في موقع المسؤول الوحيد تصرفات الفرد حتى أن الفرد لا يبلغ درجة المسؤولية الشرعية والقانونية على السواء حتى يبلغ العقل طالت النضج (البلوغ) فإذا فقد المرء عقله بعد ذلك سقط عنه التكليف وسقطت عنه المسؤولية لفترة ذهاب العقل طالت تلك الفترة أو قصرت.
ولذلك يحاج الإسلاميون مخالفيهم قائلين كيف يعقل أن يعطل الإسلام دور العقل بعد ذلك وهو الأداة المكلفة والمسؤولة، ورغم أن الأوروبيين قد تجاوزوا مرحلة النمو الحضاري التي تتميز بالصراع بين العقل والدين منذ قرون بعد أن انتصر العلمانيون واستقلوا بالدولة تاركين للكنيسة أعمال الآخرة، نجد الليبراليين من المسلمين لا يزالون يخشون هذا الصراع إذا ما أتيح للحضارة الإسلامية أن تعيد الكرّة رغم خلوها من ذلك الصراع في جولتها الأولى، والأجدر بالتيارين الإسلامي والليبرالي في العالم الإسلام اليوم إذا أراد الإقتباس من الغرب ليس باقتفاء آثارهم في كل أمر حتى ـ لو دخلوا جحر ضب دخلوه وراءهم ـ بل عليهم أن يقتبسوا منه أدب الأختلاف.
ورغم أن الصراع لا يزال اليوم على أشده بين الدينيين والعلمانيين في الغرب كما يظهر من صراعهم على تعليم الدين في المدارس العامة وعلى قضايا الإجهاض والشذود الجنسي وما شابه ذلك من القضايا الأخلاقية، تجد اتفاقهم يفوق كل خلاف عندما تكون القضايا القومية في الميزان مثل قضايا الاقتصاد القومي وحماية البيئة والأمن القومي ونشر الدين المسيحي وغير ذلك من القضايا التي لا يكاد يعرف فيها الجنرال العسكري من القسيس إلا ببزتيهما. فليت شعري لو استطاع المسلمون الليبراليون والأصوليون في ليبيا أو في غيرها الاقتباس من أعظم ما انتجت هذه الحضارة المعاصرة.
تملك الحركة السياسية الإسلامية في ليبيا كل إصرار وتصميم على مقارعة السلطة وتملك القدرة على مواصلة الحرب مع شدة الخسائر وتوالي النكبات وتملك استمرارية المدد بل تزايده كما طال أمد الحرب واشتد إواره، ويضاد هذه المزايات انقسام الحركة وتفرقها إلى جماعات صغيرة مختلفة في مذاهبها وبين أقصى اليمين وأقصى اليسار، وكل فرقة تهزأ بل تنكر ما عليه أختها من راي ومنهج وتراه إما فسادا في الرأي أو ابتداعا في الدين.
وبجانب هذا التفرق والإنقسام تفتقر الحركة الدينية إلى ما عند الحركة السياسية من إدراك لفن سياسة الناس والتعامل مع العالم الخارجي، فهؤلاء الشباب المتحمس المليئ بالإيمان واليقين لتعركة التجربة ولا يجد في جعبته من حيل لمواجهة ما يطرأ من أمور إلا التحدي والتصادم في الوقت الذي تكون فيه الحكمة وضبط النفس أولى، ولعله من نافلة القول أن نشير إلى أن هذا الأسلوب ليس من وحي الإسلام بل من غياب المناخ الحر اللازم لفهم الإسلام.
إذا صح وجود حركة أوصولية جادة تنقصها الخبرة بالواقع، وحركة سياسية تراكمت لديها تجارب وخبرات في العمل السياسي الدولي والمحلي، فهل يا ترى من أمل في دعم خبرة الأخيرة بجلد الثانية؟. قد يكون هذا الإلتقاء ضربا من ضروب الخيال لو طرحت فكرته في أوائل العقد المنصرم أو أواخر الذي قبله، لكنه اليوم لم يعد كذلك بعد ما أبدته الحركة الإسلامية في الجزائر من نجاح في توحيد صفوف الشعب ضد الاستبداد والفساد السياسي وأظهرته الحركة الإسلامية السودانية من مرونة سياسية امتدت إلى دعوة العلمانيين إلى مؤتمراتها وقبول غير الإسلاميين في تنظيماتها وما تدعو إليه الحركة الإسلامية في تونس من انخراط العوام في عضويتها.
ليست الحركة الإسلامية هي التي ترفض الإلتقاء والتوفيق بين المذاهب السياسية فهي تسمح لكل مجتهد ومجدد ولا تضيق برأي لا ينكر ما عرف من الدين بالضرورة ولا يبنى على التقية والمراء، لكن الحركة السياسية “الديمقراطية الليبرالية” هي التي ترفض هذا الإلتقاء ولا تحتمله لسببين:
الثاني: أن ثقافة قادتها ومريدوها الغربية التي لا ترى الدين السياسي إلا دولة ثيوقراطية يستمد الحاكم فيها إرادته من التفويض الإلهي له مما يجعل رأيه فوق القانون وذاته مصونة لا تمس، والناس رعايا يغدق عليهم من ريعه إن شاء أو يذيقهم وبال أمرهم إن خالفوه، وتلك صورة للدولة لا تستند على نص في الإسلام ولا في التاريخ، ولسنا في حاجة إلى شرح ذلك في هذا الموقف ويكفينا القول أن شؤون السياسة والإدارة في الإسلام يقع في أطار المباح من الدين لا جبرية فيه ولا الزام، وأن مخالفة السلف فيما اتبعوه من سياسة الرعية وإدارة شؤون الدولة حلال لا إثم فيه، من ذلك مثلا انتخاب الأفراد الذين يتولون مناصب هامة في الدولة أو في جزء منها وتقنين مدة خدمة المنتخبين والاقتراع على بنود الدستور والقوانين التي لا تحرم حلالا ولا تحل حراما.
ثانيا: إعتقاد الحركة السياسية بضرورة الإرتباط والموالات للغرب هو ما يضعها في حرج مع الحركة الإسلامية التي لا تتنازل عن مبدأ الاستقلال التام عن الغرب أو الشرق حتى وإن كانت غير قادرة على مواجهته، ليس لسبب عقيدي فقط بل بسبب عمل أيضا، لأن العالم الغربي المسيطر اليوم يجد في الإسلام منافسا حضاريا له ولن يقبل بالتعايش السلمي مع المسلمين إلا متى امتلك أسباب القوة عندهم ليضمن ولاءهم وسيادته عليهم.

يتبع في الجزء الثالث بدء بـ (تصحيح المسار)

_________________

الحاج صابر عبّر عن رأيه وكتب: “هذا ما أرى” (1)

(المحرر: قدم المناضل بشير العامري، رحمه الله، هذه الورقة في سبتمبر 1993، ولذلك على القارئ أن يقرأها في سياقها التاريخي)

هذه الورقة تناولت كمحاولة لعلاج ثلاث مواضيع أساسية في أجندة المعارضة الليبية في الخارج، وهي: اولا، تقييم عقد ونصف من النضال من أجل الحرية، وثانيا، التطورات التي طرأت على أسس استراتيجية النضال، وثالثا، تصور جديد لقيادة النضال من أجل تحرير الإنسان الليبي وتمكينه من أن ينال حقوقه الطبيعية.

Read More

التجربة البرلمانية في ليبيا (3) (1908-1969)

سالم الكبتي

كانت تلك الخطوات البرلمانية الأولى التي خاضها الليبيون وإن اختلفت أشكالها -عثمانية وإيطالية ومحلية-في مجملها مع تعثر بعضها في الطرقات بدايات وإرهاصات للانطلاق وترسيخ التجربة الدستورية أو النيابية في ليبيا المعاصرة. غير أن القفزة الكبرى لهذه التجربة كانت ناتجة عن صدور القرار التاريخي رقم (289)الصادر عن هيئة الأمم المتحدة في ليكسس في الحادي والعشرين من نوفمبر 1949 الذي قضى بالاعتراف العالمي بأستقلال ليبيا في موعد أقصاه الأول من يناير1952 وعلى أن يشرع الليبيون في وضع دستور لبلادهم .

Read More

وثيقة سرية للمخابرات الأمريكية توضح الأوضاع السياسية التي سبقت انقلاب 69

وثيقة امريكية يعود تاريخها الى 9-9-1969م رفعت عنها صفة السرية مؤخرا، تكشف ما كانت تعرفه الحكومة الامريكية عن سقوط الملكية في ليبيا. الوثيقة عبارة عن مذكرة سرية اعدتها وزارة الخارجية الامريكية و وكالة المخابرات المركزية بناء على طلب مستشار الامن القومي هنري كيسنجر لتقديمها الى الرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون، حول سقوط الملكية المباغت في ليبيا.

Read More