بقلم الشّايب
إنّ إحدى أكثر التركات تعقيداً التي خلفها نظام الجماهيرية في ليبيا تتعلق بإدارة التعدد الثقافي والعرقي، ليس بوصفه تنوعاً وطنياً طبيعياً، بل باعتباره ملفاً أمنياً وسياسياً قابلاً للتوظيف أو الإقصاء بحسب الحاجة.
فالعلاقة مع الأمازيغ والتبو والطوارق لم تُبنَ على مفهوم المواطنة الدستورية، وإنما على ثلاث أدوات رئيسية: الإنكار الثقافي واللغوي، والاحتواء الأمني والعسكري، وإدارة الانقسام ومنع تشكل عقد وطني جامع.
ولهذا فإنّ تعطيل المسار الدستوري بعد فبراير لا يمكن فهمه فقط باعتباره خلافاً قانونياً أو سياسياً، بل هو أيضاً استمرار غير مباشر لأثر الجماهيرية في تفكيك فكرة “الدولة الجامعة”.
أولاً: كيف زرعت الجماهيرية أزمة الثقة الدستورية؟
النظام الجماهيري لم يعترف عملياً بالتنوع الليبي بوصفه جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، بل تعامل معه كتهديد محتمل لوحدة السلطة المركزية. ولهذا مُنعت اللغات غير العربية من التعليم والإدارة والإعلام، وجرى تهميش الأسماء والرموز الثقافية المحلية، واستُخدمت بعض القبائل في الصراعات الحدودية والأمنية.
لقد بقي ملف الجنسية والهوية معلقاً خصوصاً لدى التبو والطوارق، وتم ربط المطالب الثقافية أحياناً بالانفصال أو العمالة الخارجية، وهذه السياسات لم تنتج فقط مظالم اجتماعية، بل أنتجت أيضاً خوفاً متبادلاً: خوف الأقليات من عودة الإنكار والإقصاء، وخوف بعض النخب العربية من أن يؤدي الاعتراف بالتعدد إلى تفكيك الدولة.
وهنا يظهر الأثر العميق للجماهيرية في تحويل النقاش الدستوري من سؤال “كيف نبني دولة للجميع؟” إلى سؤال “من يسيطر على تعريف الهوية؟”.
ثانياً: لماذا أصبح الدستور ساحة صراع رمزي؟
بعد 2011، رأت كثير من المكونات أن الدستور هو الفرصة التاريخية الوحيدة لضمان عدم تكرار الإقصاء السابق. ولذلك ارتفعت المطالب المتعلقة بالاعتراف الدستوري باللغات والثقافات، واللامركزية، وضمان التمثيل السياسي، ومعالجة قضايا الجنسية والتمييز.
لكن في المقابل، ظهرت قوى سياسية وإعلامية تعاملت مع هذه المطالب بعقلية موروثة من الجماهيرية، فاعتبرت التنوع تهديداً للوحدة، صورت الحقوق الثقافية كامتيازات خاصة، ودفعت لتأجيل الحسم الدستوري بحجة “الأولوية للأمن”، واستخدام التخويف من “التقسيم”. وهكذا أصبح الدستور رهينة لغياب الثقة التاريخي الذي صنعته عقود طويلة من الحكم الشمولي.
ثالثاً: هل عدم دسترة اللغات غير العربية في مشروع الدستور كان خطأً؟
من الناحية السياسية والاجتماعية، نعم، لأنّ الدساتير لا تُبنى فقط على الأغلبية العددية، بل على القدرة على خلق شعور بالشراكة الوطنية. حتى لو كانت العربية هي اللغة الرسمية الجامعة، فإن تجاهل اللغات الأمازيغية والتباوية والطوارقية دستورياً أعطى انطباعاً لدى كثيرين بأن الدولة ما زالت تنظر إليهم كهوامش ثقافية، وأنّ المركز السياسي لم يتحرر بالكامل من إرث الجماهيرية.
وكان يمكن معالجة المسألة بصيغ متوازنة مثل النص على العربية لغة رسمية للدولة، مع الاعتراف باللغات الليبية الأخرى بوصفها مكونات ثقافية ووطنية مكفولة الحماية والتنمية. فهذه الصيغة موجودة في دول عديدة نجحت في إدارة التعدد دون تفكيك الدولة.
رابعاً: كيف يمكن تفكيك أثر الجماهيرية في تعطيل الدستور؟
ــ الانتقال من “هوية السلطة” إلى “هوية الوطن”: الجماهيرية ربطت الهوية بالدولة المسيطرة، بينما الدولة الحديثة تبني هوية جامعة تتسع للتنوع. أي أن الاعتراف بالتعدد لا يناقض الوحدة، بل قد يكون شرطاً للاستقرار.
ــ تحويل المسألة الثقافية من ملف أمني إلى ملف حقوقي: طوال عقود تم التعامل مع المكونات بعقلية أمنية. بينما المطلوب اليوم الاعتراف بحقوق اللغة والثقافة والتعليم المحلي، ضمن إطار المواطنة الليبية الواحدة.
ــ معالجة ملف الجنسية والوثائق: لا يمكن بناء دستور مستقر بينما توجد فئات تشعر بأن وجودها القانوني نفسه محل شك. ولهذا فإن تسوية أوضاع الجنسية، وتوحيد السجل المدني، وإنهاء التمييز الإداري، تمثل خطوات أساسية لتفكيك إرث الجماهيرية.
ــ إنتاج خطاب وطني جديد: جزء كبير من الأزمة ليس قانونياً بل نفسياً ورمزياً. ولا يزال الخطاب العام في ليبيا يتأرجح بين قومية إقصائية، أو ردود فعل هوياتية متشنجة. بينما المطلوب هو خطاب يؤكد على أن ليبيا ليست دولة مكونات متصارعة، ولا دولة صهر قسري، بل دولة مواطنين متساوين ضمن تنوع تاريخي طبيعي.
ــ فصل الاستفتاء الدستوري عن منطق الابتزاز السياسي: من أخطر آثار الجماهيرية ترسيخ فكرة أن كل قضية تُستخدم لتعطيل الدولة أو ابتزاز الخصوم. ولهذا تحولت بعض الخلافات الدستورية إلى أدوات تعطيل دائم. الحل ليس في تجاهل الخلافات، بل في إنشاء آليات تعديل دستوري لاحقة، والسماح بتطوير النص عبر المؤسسات المنتخبة، بدلاً من تجميد الدولة بالكامل حتى الوصول إلى “إجماع مستحيل”.
خامساً: المشكلة ليست في التنوع بل في غياب الدولة العادلة
التجربة الليبية تثبت أن التبو والأمازيغ والطوارق لم يكونوا سبب انهيار الدولة، بل إنّ غياب الدولة القانونية العادلة هو ما فجّر التوترات. فحين تغيب المؤسسات تتحول الهوية إلى أداة حماية، وتتحول الثقافة إلى مشروع سياسي دفاعي، ويتحول الدستور إلى معركة وجود. أما الدولة المستقرة فلا تخشى الاعتراف بالتنوع، لأنها تستمد شرعيتها من المواطنة لا من الإنكار.
ولهذا فإن تفكيك أثر الجماهيرية في الملف الدستوري يبدأ من الاعتراف بحقيقة أساسية: إنّ وحدة ليبيا لا تُحمى بطمس التعدد، بل ببناء عقد وطني يشعر فيه الجميع أنهم شركاء لا ضيوف ولا أدوات مؤقتة.
صناعة رأي عام يؤكد على هذه الحقيقة الأساسية بأنّ تحتاج إلى عمل طويل النفس، لأنّ أثر الجماهيرية لم يكن سياسياً فقط، بل كان أيضاً أثراً ذهنياً وثقافياً أعاد تشكيل فهم الليبيين للهوية والدولة والاختلاف. ولهذا فإن بناء رأي عام جديد يتطلب تفكيك سرديات قديمة واستبدالها بسردية وطنية أكثر اتزاناً.ولذلك علينا فعلا:
أولاً، إعادة تعريف مفهوم الوحدة الوطنية: من أخطر ما رسخته الجماهيرية تصوير الوحدة باعتبارها تشابهاً قسرياً، وربط أي اختلاف ثقافي أو لغوي بمخاطر التقسيم. بينما يجب أن يتحول الخطاب العام إلى فكرة مختلفة تؤكد أن “الوحدة الحقيقية لا تعني إلغاء الخصوصيات، بل تنظيمها داخل دولة عادلة.” وهنا يجب توضيح أن الأمازيغي أو التباوي أو الطوارقي لا يصبح أقل ليبيةً بسبب لغته أو ثقافته، كما أن الاعتراف بالتنوع لا يلغي مركزية العربية ولا الانتماء الوطني.
ثانياً، تفكيك خطاب التخويف: جزء كبير من تعطيل الوعي الوطني قائم على خطاب تخويفي موروث بأن “الاعتراف بالتعدد يعني التقسيم” و “اللغات المحلية تهدد العربية” “المطالب الثقافية مشروع انفصال” و “الفيدرالية تعني نهاية الدولة”. هذه السرديات يجب مواجهتها بهدوء وعقلانية عبر أمثلة من دول مستقرة متعددة اللغات والثقافات، وشرح الفرق بين اللامركزية والانفصال، وبين الحقوق الثقافية والتفكيك السياسي. فالناس تخاف غالباً مما لا تفهمه.
ثالثاً، تحويل القضية من صراع هويات إلى قضية عدالة: حين تُطرح القضية باعتبارها “معركة مكونات”، ينقسم المجتمع فوراً. لكن حين تُطرح باعتبارها قضية مساواة، وكرامة، ومواطنة، وضمان عدم عودة الإقصاء، فإنّ قطاعات أوسع من الليبيين يمكن أن تتفاعل معها. ولهذا يجب التركيز إعلامياً وفكرياً على أن الحقوق الثقافية ليست امتيازات، بل جزء من بناء دولة القانون.
رابعاً، بناء ذاكرة وطنية مشتركة: الجماهيرية ساهمت في تفتيت الذاكرة الليبية، فبعض الشخصيات جرى تمجيدها وأخرى جرى محوها، وبعض المكونات صُورت كهوامش بلا دور تاريخي. لذلك من المهم إعادة كتابة السردية الوطنية الليبية بحيث تشمل مساهمة الأمازيغ في الجهاد والدولة، ودور التبو والطوارق في حماية الجنوب والحدود، ومساهمة كل المناطق في بناء ليبيا الحديثة. فعندما يشعر الجميع أنهم جزء من تاريخ الوطن، تقل الحاجة إلى الانغلاق الهوياتي.
خامساً، إنتاج خطاب إعلامي غير استفزازي: من أخطاء بعض النخب استخدام لغة اتهامية أو انتقامية، أو تصوير العرب كخصم ثقافي، أو السخرية من الهوية الوطنية الجامعة. وفي المقابل تستخدم بعض المنصات خطاباً تخوينياً تجاه المكونات، فكلا الطرفين يعمق الأزمة. الخطاب المطلوب هو خطاب طمأنة، لا خطاب كسر إرادات، يؤكد أن الاعتراف بالتنوع يحمي الجميع.
سادساً، ربط الاستقرار بالعدالة الدستورية: يجب توضيح فكرة مهمة للرأي العام هي إنّ تعطيل الاعتراف المتوازن بالتنوع لا يصنع استقراراً، بل يؤجل الانفجار فقط. فكل دولة تتجاهل التعدد الحقيقي داخلها تخلق مع الوقت شعوراً بالتهميش، ثم ردود فعل هوياتية، ثم صراعات سياسية وأمنية. أما الدستور العادل فهو وسيلة لتخفيف التوتر لا لإشعاله.
سابعاً، إشراك النخب المحلية والدينية والاجتماعية: الرأي العام لا يُبنى فقط عبر السياسيين. بل عبر الجامعات، والمعلمين، والإعلاميين، والمؤثرين، وشيوخ القبائل، والوعاظ، والمثقفين المحليين. حين يبدأ هؤلاء باستخدام لغة وطنية جامعة، يتغير المزاج العام تدريجياً. خصوصاً إذا تم التأكيد على أن الإسلام نفسه لا يلغي التنوع، وأنّ الاختلاف الثقافي لا يناقض الانتماء الوطني.
ثامناً، الانتقال من “الخوف من الآخر” إلى “الشراكة مع الآخر”: إرث الجماهيرية عمّق الشك المتبادل بين الليبيين. ولهذا فإن التحدي الأكبر ليس دستورياً فقط، بل نفسي واجتماعي، والرأي العام الجديد يجب أن يقوم على فكرة أن “لا أحد يستطيع بناء ليبيا وحده، ولا أحد يستطيع إلغاء الآخرين.” فهذه الحقيقة هي الأساس الحقيقي للاستقرار.
تاسعاً، تجنب تحويل الدستور إلى معركة صفرية: إذا شعر أي طرف أن الدستور انتصار لهزيمة طرف آخر، أو فرض هوية على الآخرين، فسيفشل المشروع الوطني. لذلك يجب نشر ثقافة أن الدساتير حلول وسط تاريخية، وليست بيانات انتصار أيديولوجي.
عاشراً، صناعة أمل وطني لا مجرد نقد للماضي: الناس لا تلتف حول النقد فقط، بل حول الأمل أيضا. ولهذا لا يكفي الحديث عن أخطاء الجماهيرية، أو مظالم المكونات،
بل يجب تقديم تصور إيجابي كيف يمكن أن تبدو ليبيا المستقرة؟ وكيف ينعكس الاعتراف المتبادل على الأمن والتنمية؟ وكيف تتحول الهوية المتنوعة إلى مصدر قوة؟ فالخطاب الذي يبني المستقبل أكثر تأثيراً من الخطاب الذي يبقى أسير الجراح.
وفي النهاية، فإن أهم فكرة يجب ترسيخها في الرأي العام الليبي هي إنّ الدولة العادلة لا تطلب من مواطنيها أن يتشابهوا، بل أن يتساووا.
__________