أسامة علي

لا يزال رئيس جهاز الاستخبارات الليبي السابق عبد الله السنوسي قيد الاحتجاز، رغم صدور حكم ببراءته من التهم المتعلقة بقمع المتظاهرين خلال أحداث فبراير/شباط 2011، وذلك على خلفية استمرار محاكمته في قضايا أخرى.

وقضت محكمة الاستئناف بطرابلس، خلال جلسة عقدتها أمس الاثنين، ببراءة السنوسي وعدد من رموز النظام السابق من التهم المتعلقة بقمع المتظاهرين خلال أحداث فبراير 2011.

وشمل الحكم أيضاً سيف القذافي، ومنصور ضَوّ قائد الحرس الشعبي، والبغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في عهد النظام السابق، ومحمد بلقاسم الزوي آخر أمين لمؤتمر الشعب العام (البرلمان)، وأبوزيد دوردة آخر رئيس لجهاز الاستخبارات الخارجية السابق، وعبد الحفيظ الزليتني المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي، إلى جانب متهمين آخرين.

وقال أحمد نشاد، محامي السنوسي، في تصريح لـالعربي الجديد، إن المحكمة أسقطت الدعوى المقامة ضد المتهمين في ملف قمع المتظاهرين، موضحاً أن الحكم استند إلى عدم كفاية الأدلة“.

وأضاف أن المحكمة قبلت دفوع هيئة الدفاع المتعلقة بطبيعة المناصب الرسمية التي كان يشغلها المتهمون ضمن مؤسسات الدولة القائمة آنذاك، وأنها نظرت إلى الوقائع في إطار السياق القانوني السائد قبل سقوط النظام، وهو ما انعكس على التكييف القانوني للقضية.

وأكد نشاد أن حكم البراءة لا يعني الإفراج عن السنوسي، إذ لا يزال موقوفاً على ذمة قضايا أخرى، أبرزها قضية سجن بوسليم، في إشارة إلى مجزرة سجن بوسليم التي وقعت عام 1996، وقُتل فيها أكثر من 1200 سجين.

وفيما وصف نشاد ملفات محاكمة رموز النظام السابق بأنها متشابكة وشائكة، أشار إلى أن بعض الوقائع الواردة في ملف اتهام السنوسي لم تثبت، بحسب قوله، بالشكل الذي ورد في الدعوى.

وتعد مجزرة سجن بوسليم من أكبر القضايا المرتبطة بالسنوسي، ويواجه فيها تهماً مباشرة بتورطه أمام جلسات متتابعة منذ عام 2012، دون أن تفصل فيها المحاكم الليبية.

وبرزت في آخر جلساتها، ومن بينها جلسة في يناير/كانون الثاني من العام الماضي، اعترافات جديدة من عناصر جهاز المخابرات العسكرية، الذي كان يترأسه السنوسي وقت وقوع المجزرة، والمحبوسين في القضية، تؤكد إشرافه على المجزرة.

وأصدرت رابطة أهالي ضحايا مجزرة بوسليم بياناً عبرت فيه عن استغرابها وصدمتهامن حكم براءة عبد الله السنوسي في قضية قمع متظاهري الثورة عام 2011، معتبرة أن الحكم صدر رغم وجود أدلة مادية ومرئية وصوتيةتوثق وقائع القتل والقمع بحق المتظاهرين.

وأكدت الرابطة أن موقفها لا يُعد طعناً في القضاء، بل يأتي في إطار النقد الحقوقي والقانونيللحكم، مشيرة إلى أن القضية تتعلق بـدماء سالت على مرأى من العالم ومسمعه“.

ودعت الرابطة النيابة العامة إلى الطعن أمام المحكمة العليا، مشددة على أن الطريق القانوني لا يزال مفتوحاً، ومحذرة من محاولات وأد ثورة 17 فبراير سياسياً وقضائياً ورمزياًعبر إعادة تقديم شخصيات ارتبطت بـالقمع وسفك الدماءإلى المشهد العام.

ومثل السنوسي ومنصور ضَوّ حضورياً أمام المحكمة أمس الاثنين، فيما صدرت أحكام بحق آخرين غيابياً، بسبب الإفراج عنهم سابقاً لأسباب صحية، ومن بينهم البغدادي المحمودي ومحمد الزوي.

كما قضت المحكمة بسقوط الدعوى الجنائية بحق عدد من المتهمين لوفاتهم قبل صدور حكم نهائي، وشمل ذلك سيف القذافي ودوردة والزليتني. وتتعلق القضية باتهامات شملت قتل المتظاهرين، والنهب والتخريب، واستغلال المناصب القيادية، إضافة إلى تهم مرتبطة بالإبادة الجماعية خلال أحداث عام 2011.

ويرجح بشير خضورة، المحامي أمام المحكمة العليا، أن تكون في خلفيات الحكم الصادر في قضية قمع متظاهري فبراير اعتبارات سياسية أكثر منها قانونية، معتبراً أن صدور حكم بعدم كفاية الأدلة عقب أكثر من 15 عاماً من التداول والتأجيل يشير إلى ذلك.

ويضيف خضورة، في حديث لـالعربي الجديد، أن السنوسي كان يواجه في هذه القضية 26 تهمة، متسائلاً: “ماذا يعني أن تصل المحكمة، بعد كل هذه السنوات من التحقيق والنظر، إلى نتيجة مفادها عدم كفاية الأدلة؟“.

وأشار إلى أن القضية شهدت خلال السنوات الماضية إفراجات متتالية عن عدد من المتهمين لأسباب وُصفت حينها بـالقانونية، كالدواعي الصحية أو سقوط بعض الدعاوى، لكنه يرى أن البعد السياسي كان حاضراً في تلك القرارات، مستشهداً بالإفراج عن الساعدي القذافي عام 2021.

وأوضح خضورة أن الدعوى العمومية في قضية قمع المتظاهرين أقامها مكتب النائب العام، وبالتالي فإن النيابة العامة وحدها تملك حق الطعن في الحكم أمام المحكمة العليا، لافتاً إلى أن المعطيات المتوفرة لديه تشير إلى أن النيابة لا تتجه نحو تقديم استئناف في الوقت الراهن.

وأكد خضورة احترامه لنزاهة القضاء الليبي، لكنه أشار إلى أن الاعتبارات السياسية قد تدفع أحياناً إلى تغليب ما يُنظر إليه باعتباره مصلحة عامة“.

وأضاف أن الأساس القانوني الذي استندت إليه المحكمة، والقائم على اعتبار المتهمين موظفين في أجهزة الدولة السابقة ينفذون أوامر السلطة القائمة آنذاك، يُعد من الناحية القانونية طرحاً يمكن الاستناد إليه قضائياً، لكنه مرفوض أخلاقياً بشكل كامل باعتبار ضحايا ذلك القمع“.

وكانت محكمة الاستئناف قد أصدرت عام 2015 أحكاماً متفاوتة بحق عدد من المتهمين، بينها الإعدام بحق السنوسي وسيف القذافي، قبل أن يُطعن في الأحكام ويُعاد نظر القضية.

ولم يمثل سيف في جلسات المحاكمة في طرابلس، إذ بقي محتجزاً في الزنتان قبل الإفراج عنه عام 2017 من قبل المجلس العسكري للزنتان على خلفية صدور قانون العفو العام عن مجلس النواب.

وبقي في الزنتان إلى أن أُعلن في فبراير/شباط الماضي مقتله في ظروف غامضة، فيما أعلن مكتب النائب العام، في مارس/آذار الماضي، تحديد هوية ثلاثة مشتبه بهم دون الكشف عن أسمائهم.

ويُعد عبد الله السنوسي، البالغ من العمر 74 عاماً، من أبرز الشخصيات الأمنية في عهد معمر القذافي، ويوصف بـالصندوق الأسودللقذافي، كما أنه زوج شقيقة صفية فركاش، زوجة القذافي الثانية، وظل من المقربين إلى النظام لأكثر من أربعة عقود.

___________

Related Articles