جمعة بوكليب 

في معاجم السياسة وعوالمها المتشابكة، تحتل كلمة «مبادرة» مكانة مميزة؛ كونها تعني، في أغلب الأحوال، السعي إلى فتح ثغرة في جدار صلد، أو تخطي حواجز تسد الطريق أمام مصالحة بين أطراف متنازعة، سواء على مستوى محلي كالحروب الأهلية، أوعلى مستوى دولي كنزاع بين دولتين أو أكثر.

ولكي تنجح أي مبادرة سياسية، لا بد أن تأخذ في اعتبارها مصالح الأطراف المتنازعة وخلفيات النزاع؛ فليس كل المبادرات يصادفها النجاح، بل إن بعضها قد يتسبب في تصاعد حدة التوتر نتيجة تخطيها «خطوطاً حمراء» أو «تابوهات» مجتمعية، مما يفضي بها إلى مواجهة سخط شعبي يضع العراقيل أمامها.

من مزايا المبادرات الناجحة: اختيار التوقيت المناسب، التزام الحياد، والأهم من ذلك؛ «الضمانات» التي يقدمها صاحب المبادرة لإلزام الأطراف بتنفيذ البنود المتفق عليها. وعلى سبيل المثال، فشلت مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحرب الأوكرانية الروسية لأن حكومة كييف أحست بغياب الحياد ووقوف المبادرة إلى جانب المطالب الروسية.

هذه المقدمة كانت ضرورية للاقتراب من المبادرة الأميركية الأخيرة لإيجاد تسوية في ليبيا والتي قدمها المبعوث «مسعد بولس»، وما أثارته من ردود فعل غاضبة، خاصة في الغرب الليبي.

فأبرز عوامل الرفض، كما يقول معارضوها، تمثلت في سعيها لتقسيم السلطة بين عائلتين بشرعنة المحاصصة، في تجاهل متعمد للمطالب الشعبية بعقد انتخابات ديمقراطية والتخلص من الأجسام منتهية الصلاحية.

الحقيقة إن هذه التحركات الأخيرة لا تختلف عما سبقها من مبادرات تسعى لخلق «استقرار مؤقت» عبر ترسيخ محاصصة هشّة؛ فالإصرار الدولي على شرعنة الأجسام فاقدة الصلاحية والشرعية يعكس قصر نظر سياسي؛ إذ يحرص على تقديم هدوء مؤقت للأطراف المسيطرة مقابل مصادرة حق الشعب في التغيير، مما يجعل الانفجار القادم مجرد مسألة وقت، لأن المحاصصة بطبيعتها وجدت ليس لمعالجة جذور الصراع بل بهدف تجمّيده فقط.

إن إصرار المجتمع الدولي على نموذج «المحاصصة»، رغم فشله الذريع في تقديم استقرار مستدام، يعود إلى أسباب براغماتية تجعل منه في نظرهم «الخيار الأقل سوءاً».

فالمجتمع الدولي يبحث عن «الاستقرار النسبي» ووقف التقاتل بأسرع وسيلة ممكنة، والمحاصصة هي الأداة الأسهل لإقناع قادة الصراع بوضع السلاح مقابل ضمان مكان لهم في السلطة ومورد مالي. ومن ناحية أخرى، تضمن هذه الصيغ للقوى الدولية تأمين تدفق النفط ووقف تدفق المهاجرين في وقت قياسي مقارنة بالمسارات الديمقراطية التي تستغرق زمناً طويلاً.

أضف إلى ذلك، تخوف القوى الدولية من غياب «ضامن» لنتائج الانتخابات في ظل وجود السلاح خارج الدولة، خشية أن يقلب الخاسرون الطاولة مجدداً؛ لذا يفضلون «إرضاء الجميع بنصيب من الكعكة»، وهو أمر يعود بالإيجاب على القوى الخارجية ووكلائها في الداخل، لكنه يجعل البلاد مثل ريشة في مهب ريح.

هذا النهج يعتمد على منهج «الواقعية السياسية» التي ترى أن التعامل مع «الأجسام الموجودة فعلياً» (حتى لو كانت منتهية الصلاحية) أسهل من المغامرة بخلق واقع سياسي جديد عبر صناديق الاقتراع. ومن خلال الرصد والمتابعة الدائمين للأزمة الليبية يبدو واضحا التحالف غير المعلن الذي نشأ وتعزز عبر السنوات الماضية بين الوسطاء الدوليين والنخب المحلية. الاثنان يروجان لفكرة عدم جاهزية البلاد للانتخابات، أو أن الانتخابات ستفضي إلى حدوث حرب.

من طبيعة المبادرات التي تولد في غرف مغلقة وتقتات على المحاصصة أنها تنتج واقعاً مشوّهاً يؤجل الصراع لكن لا ينهيه. والاستمرار في تغليب استقرار مؤقت وهش على الإرادة الشعبية الحرة لا يختلف عن بناء قصور من رمال أمام أمواج الغضب الشعبي المتراكم. وإذا لم تدرك القوى الدولية والنخب المحلية المسيطرة أن شرعية الصناديق هي الطريق الوحيد للخروج من التيه، فإن البلاد ستظل تراوح مكانها.

معضلة ليبيا الحقيقية ليست في غياب المبادرات، بل في غياب النوايا الصادقة لتجاوز مرحلة الغنائم السياسية. المجتمع الدولي يرى في ليبيا مجرد ملف للأرقام؛ من براميل نفط وتدفقات مهاجرين، ويراها الليبيون وطناً مسلوباً ينتظر الاسترداد.

وطالما ظلت «الواقعية السياسية» هي المسطرة التي تقاس بها الحلول، ستبقى ليبيا أسيرة لمقايضة بائسة: هدوء المدافع مقابل مصادرة المستقبل.

وبالتالي، فإن مبادرة المبعوث الأميركي بولس ومن سار على نهجها لن تكون سوى حلقة جديدة في مسلسل«إدارة الأزمة» لا حلها.

___________

Related Articles