بقلم الشّايب
بالعودة إلى مسألة تفكيك أثر الجماهيرية في مفاصل الدولة الليبية، نجد أن أخطر المؤسسات التي تحتاج التخلص من أثار الجماهيرية هي الجيش الليبي، الذي تَحول من قبل 2011 إلى جيش العائلة الحاكمة وعاد إلى تلك الحالة في السنوات الأخيرة في المنطقة الشرقية التي يتحكم فيها حفتر وأولاده، ولذلك هناك حاجة حقيقية لتفكيك أثر الجماهيرية حتي يستعيد الجيش الليبي قيمته وانضباطه وهيبته.
إن أي حديث عن “تفكيك أثر الجماهيرية” دون معالجة ملف الجيش هو تجميل للواجهة فقط، فالمشكلة لم تكن في اسم النظام بقدر ما كانت في فلسفة السيطرة على القوات المسلحة، التي حولت الجيش من مؤسسة وطنية إلى ميليشيا تحت سيطرة عائلة أو فرد.
قبل 2011، تم تفريغ الجيش من عقيدته المهنية لصالح كتائب أمنية وعسكرية موالية للنظام، واليوم في الشرق، تحت نفوذ حفتر، نرى إعادة إنتاج لنمط “الجيش العائلي” وإن اختلفت الشعارات.
تفكيك الجماهيرية في الجيش لا يعني حلّه، بل تحريره من الشخصنة. وهذه عملية دقيقة جداً، وأي تهور فيها يعني الفوضى المسلحة، وأي تهاون يعني استمرار دولة الفرد الطاغوت. وهذا التفكيك المطلوب يمر عبر مسار عملي من خمس دوائر متداخلة:
الأول، إعادة تعريف العقيدة العسكرية
إن أخطر إرث جماهيري هو فكرة أن الجيش “يحمي الثورة/القائد” بدل أن يحمي الدستور والحل يتطلب صياغة عقيدة عسكرية مكتوبة تنص صراحة أن الجيش يحمي الدستور لا الأشخاص، ويخضع لسلطة مدنية منتخبة، ويمتنع عن العمل السياسي، وينبغي إدخال هذه العقيدة في المناهج العسكرية، لا كمادة نظرية بل كأساس للتدرج والترقية. لأنه بدون عقيدة عسكرية جديدة، أي تغيير قيادات سيكون شكلياً.
الثاني، فصل القيادة عن الروابط العائلية والجهوية
المشكلة ليست فقط في شخص القائد، بل في شبكة الأبناء والأقارب، ومنظومة الولاءات المالية، والارتباطات الخارجية. والحل ليس “إقصاء جماعي”، لأن ذلك يدفع المؤسسة للتمرد، بل في نص قانوني يمنع شَغل أكثر من شخصين من نفس العائلة لمواقع قيادية حساسة في وقت واحد. وأيضا في إعادة توزيع القيادات عبر هيكلية أركان جماعية بدل القيادة الفردية. والتدقيق المهني في الترقيات خلال آخر 10 سنوات.
الثالث، توحيد الجيش تحت سلطة مدنية حقيقية
لا شك أن الجيش لا يمكن توحيده إذا كانت السلطة المدنية نفسها منقسمة أو ضعيفة. والترتيب المنطقي لهيكلية شؤون الدفاع في الحالة الليبية، أن يتصدر الهيكل مجلس رئاسي موحد بصلاحيات القائد الأعلى للجيش، ووزير دفاع مدني كامل الصلاحيات، ولجنة برلمانية دائمة للأمن والدفاع، وميزانية شفافة خاضعة للرقابة. فبدون الرقابة المالية، سيبقى الولاء لمن يدفع.
الرابع، تفكيك الاقتصاد العسكري
في الشرق خصوصاً، كان لتجربة الجيش المصري (التجارية) الأثر الكبير في تبني قوات حفتر نفس النهج، وبالتالي اصبح جيش حفتر يملك ويدير شركات، واستثمارات، ويسيطر على منافذ التهريب، ويتحكم في موارد كبيرة، وإي جيش يملك اقتصاداً مستقلاً يتحول تلقائياً إلى سلطة سياسية. فالحل هو تفكيك هذا الاقتصاد المعسكر من خلال نقل الشركات التابعة لجيش حفتر إلى وزارة المالية أو صندوق سيادي، ومنع الضباط من إدارة كيانات تجارية، وحصر النشاط العسكري في مهامه الدفاعية.
الخامس، المصالحة داخل المؤسسة العسكرية
لا يمكن بناء جيش وطني دون إعادة دمج ضباط تم تهميشهم بعد 2011، وفتح مسار قانوني لمن يرغب من ضباط الشرق والغرب في الانتقال إلى هيكل موحد، وبرنامج تقاعد كريم لمن يُستبعد. فالكرامة مهمة، والضابط المُهان يصبح مشروع تمرد.
تفكيك الجماهيرية لا يعني تصفية حسابات مع كل من خدم في تلك المرحلة، وإذا تحولت العملية إلى ثأر سياسي، ستُنتج “جماهيرية مضادة”. فالهدف ليس إسقاط أشخاص، الهدف هو إسقاط فكرة “الجيش ملك لمن يسيطر عليه”.
السؤال المهم قبل البدء في التفكيك: هل البداية تكون من خلال اتفاق سياسي شامل أولاً؟ أم عبر مبادرة إصلاح عسكري مستقلة تُفرَض لاحقاً على أي سلطة سياسية؟ لأن ترتيب الأولويات هنا يغيّر كل الخطة.
اعتقد أن تحركات قيادة أفريكوم الأمريكية قد تفيد حين تحاول من خلال مناورة فلنتلوك 26 إعادة الثقة بين القيادات العسكرية المهنية من مختلف المناطق، وهي محاولة لإصلاح الجيش وتوحيده من الأعلى وليس العكس. وفكرة “التوحيد من الأعلى” هي أقرب للواقعية في الحالة الليبية من محاولة الدمج من القاعدة. لأن القاعدة أصلاً مفككة ومؤدلجة ومخترقة محلياً وخارجياً.
من المهم أنْ ندرك أنّ الدعم الخارجي هو عبارة عن أداة… وليس حلا، فمحاولة أفريكوم قد توفر مساحة تواصل مهنية بين ضباط الشرق والغرب، وقد تحيي مفهوم “الاحتراف العسكري”، وتدعم مسار مكافحة الإرهاب كعنوان جامع. لكنها لا تستطيع فرض هيكل قيادة موحدة، أو تفكيك شبكات النفوذ العائلية، أو معالجة الاقتصاد العسكري الموازي. فإن لم يتوفر غطاء سياسي ليبي، سيبقى الأمر “تنسيقاً تكتيكياً” لا تحولاً مؤسسياً.
التوحيد من الأعلى مهم ولكن بشروط، فالتوحيد ليس مجرد تجميع القيادات الحالية تحت شخص واحد جديد. بل التوحيد الحقيقي يبدأ بإعادة بناء مجلس قيادة أركان مشترك بصلاحيات واضحة، مع توزيع جغرافي متوازن يخضع مباشرة لسلطة مدنية موحدة. لو تم توحيد القيادة تحت شخصية عسكرية واحدة قوية بدون ضبط دستوري، فسنكون قد استبدلنا “جماهيرية عائلية” بـ“جمهورية عسكرية”.
الذي يمكن أن تفعله أفريكوم فعلياً في هذا السياق هو دعم إنشاء “غرفة تنسيق عليا مؤقتة” بين القيادات المهنية، والدفع نحو معايير ترقية موحدة قائمة على الكفاءة، وربط أي دعم لوجستي أو تدريبي بشروط الشفافية والاندماج الهيكلي، وتشجيع نموذج جيش وطني غير مسيّس بدلاً من دعم فصيل بعينه.
المخاطرة التي يجب الحذر منها هي أن أي تقارب عسكري تحت مظلة أمريكية قد يُفسَّر داخلياً كاصطفاف سياسي، خاصة في ظل وجود روسيا وتركيا كلاعبين فاعلين، فإذا لم يتم تغليف المسار بعنوان وطني جامع، قد يتحول إلى عنصر استقطاب جديد بدل أن يكون جسراً.
ولكن السؤال الأعمق، هو عن مدى استعداد المنطقة الشرقية للتخلي عن نموذج “القيادة المركزة حول العائلة” إذا توفرت ضمانات دولية؟ فان لم تكن المنطقة الشرقية مستعدة لذلك فأن الأمر سيبقى تكتيكياً للحفاظ على الشرعية الخارجية فقط.
وبالنظر لموقف الضباط المحترفين، هناك مبدأ واضح في الجيوش المهنية بأن الضباط المحترفين هم أقرب من غيرهم لتوحيد الجيش على عقيدة عسكرية وطنية بعيدا عن الارتباط العائلي والجهوي والقبلي. فالضابط المهني المحترف بطبيعته يتنفس “النظام والانضباط”، لا العائلة ولا القبيلة. وفي الحالة الليبية، هذه الفئة تحديداً ظلت صامتة أكثر مما ينبغي، لكنها لم تختفِ.
الضباط المحترفون هم الحلقة الأقرب لإعادة بناء عقيدة وطنية لأنهم تربّوا على احترام التراتبية العسكرية وعلى مفهوم الدولة لا الميليشيا، وهم يدركون مخاطر الشخصنة على تماسك المؤسسة، وأيضا لأن كثيراً منهم تضرر فعلياً من تسييس الجيش، سواء في عهد القذافي أو في مرحلة النفوذ الحالي بقيادة حفتر، ولعل مشاركتهم في تدريبات خارجية ستحيي فيهم فكرة الجيش النظامي لا الجيش الميليشياوي.
إذاً المشكلة ليست في القناعة… بل في القدرة، فالضابط المهني قد يؤمن بالعقيدة الوطنية، لكنه يخشى فقدان موقعه، ويخشى العزل أو الاتهام، ويخشى الاصطدام بشبكات النفوذ الداخلية، فالمسألة ليست فكرية، بل بنيوية.
التفكيك في المؤسسة العسكرية يسعى لتحويل “الضباط المحترفين” من كتلة صامتة إلى قوة داعمة للإصلاح، من خلال خلق مظلة مؤسسية تحميهم، فإذا لم يشعر الضابط أن هناك غطاء قانوني وسياسي يحميه، فلن يتحرك، ولعل وجود مجلس أركان جماعي منتخب داخلياً (أو مُعاد تشكيله بتوافق وطني) قد يكون هو المدخل.
هناك أيضا حاجة لربط الترقية بالكفاءة لا الولاء، فبمجرد أن تصبح معايير الترقية مهنية شفافة، سيتحول ميزان القوة تدريجياً لصالح المحترفين.
وأيضا لابد من تحييد الاقتصاد العسكري، فطالما أن مصادر القوة خارج الهيكل الرسمي، سيبقى الضابط المهني أضعف من صاحب الشبكة، والأهم من ذلك هو تبني خطاب وطني جديد داخل المؤسسة العسكرية يهدف إلى إعادة الاعتبار لفكرة “الجيش الليبي لكل الليبيين” بدون شيطنة منطقة أو شيطنة مرحلة تاريخية.
السؤال الجوهري: هل الضباط المحترفون مستعدون فعلاً للمخاطرة من أجل الإصلاح؟ أم أنهم يفضلون الاستقرار الشخصي حتى لو بقي الخلل البنيوي؟
أحياناً النخبة المهنية تميل إلى “الحياد المريح”، وهذا أخطر من الانحياز. ولذلك من الصعب الرهان على “الطبقة الصامتة” داخل المؤسسة، لأنها غير قادرة على إنتاج قيادة جماعية جديدة، وربما تحتاج إلى صدمة سياسية تدفعها للخروج من الظل.
قد يتضح من التجربة، أن هناك ضباط محترفون، ذو خبرة طويلة، ينتظرون التقاعد بهدوء، ويخشون حتى مجرد التفكير في التغيير. هذا ليس جبنًا بالضرورة. هذا سلوك بيئة مغلقة تعلمت عبر عقود أن المبادرة مخاطرة شخصية.
تاريخيًا، كان الجيش في ليبيا مرتبط بالقيادة الفردية مباشرة من عهد القذافي إلى المرحلة الحالية ذات القيادة العامة المركزة حول حفتر. وبالتالي الجيش يفتقد إلى وجود مظلة قانونية تحمي الضباط والجنود من شبكات النفوذ العسكرية والمالية والأمنية.
بالنظر إلى التجربة الليبية، نجد أن التحول العسكري المؤسسي نادرًا ما يبدأ من الضباط الذين ينتظرون التقاعد، بل يبدأ عادة من طبقة وسطى صاعدة داخل المؤسسة، أو من قرار سياسي يفرض بيئة جديدة فيضطر الجميع للتكيف.
لا يمكن أن نطلب من ضابط أن يكون وطنياً فوق الانقسام، بينما السياسي والقاضي والبرلماني غارقون في الانقسام ذاته. فالمؤسسة العسكرية بطبيعتها تبحث عن مرجعية مستقرة. إذا لم تجدها مدنية، ستخلق مرجعيتها الخاصة.
وفي الواقع، نجد أن المشهد العسكري في ليبيا يتأثر بثلاثة لاعبين رئيسيين، وهم: أمريكا التي يهمها منع روسيا من التمدد، وضمان استقرار أمني يمنع الإرهاب ويؤمن الطاقة، وتركيا التي ترى في غرب ليبيا مجالا للنفوذ الاستراتيجي والعسكري والاقتصادي، ومصر التي تعتبر الشرق الليبي امتدادًا لأمنها القومي.
فكل دولة من هذه الدول تتحرك وفق مصلحتها، لا وفق فكرة إعادة بناء الدولة الليبية، فإذا توافقت مصالحهم على تهدئة، نحصل على تهدئة، وإذا تصادمت، ينعكس ذلك انقسامًا داخليًا. ولذلك يبرز سؤال حاسم: هل الخارج يصنع الانقسام؟ أم يدير انقسامًا موجودًا أصلًا؟ لان الخارج لا يخلق فراغًا… بل يستثمر فيه.
وختاما، هناك نقطة حساسة جدًا: عندما تنتظر النخب الليبية الحل من الخارج، يحدث أمران خطيران: الأول تتحول الشرعية إلى “شرعية اعتراف دولي” بدل شرعية وطنية، ويصبح أي فاعل داخلي قويًا بقدر دعمه الخارجي لا بقدر تمثيله الداخلي، وهذا ينعكس مباشرة على الجيش. فالقوة المسلحة ترتبط بالضامن الخارجي بدل الدولة.
ولكن هل يمكن أن يحل الخارج الأزمة؟ واقعيًا، الخارج يستطيع فرض وقف تصعيد، ومنع حرب شاملة، ورعاية تسوية مؤقتة. لكن لا يستطيع خلق ثقة وطنية حقيقية، وبناء عقيدة عسكرية وطنية، وإنهاء الذهنية الجهوية.
هذه أمور لا تُستورد
_________