بقلم الشّايب

عند الحديث عن تفكيك إرث الجماهيرية، فإن المجالات الثقافية والفكرية والفنية تمثل جوهر المعركة لأنها تتعلق بالهوية والوجدان والذاكرة الجمعية.

للبدء في نقاشنا حول مدى إمكانية تفكيك أثر الجماهيرية في هذه المجالات، يمكننا النظر إلى الأمر من زاويتين متكاملتين: زاوية الاستمراريةوزاوية القطيعة“.

 قامت الجماهيرية على فكرة لا دولة ولا حكومةفي الظاهر، مما أدى عمليًا إلى غياب مؤسسات ثقافية وفنية مستقلة وحقيقية. لم تكن هناك وزارة للثقافة بالمعنى التقليدي، بل كانت هناك لجان شعبيةواتحادات كانت تابعة بشكل أو بآخر للسلطة. هذا الفراغ المؤسسي جعل الحراك الثقافي إما موجهًا أيديولوجيًا أو عشوائيًا.

النظرية الجماهيرية كانت تعني الهيمنة الأيديولوجية، وكان المشروع الثقافي قائمًا على ترويج الكتاب الأخضرباعتباره البديل عن الإيديولوجيات الأخرى. وتم إنتاج خطاب ثقافي وفني (شعر، مسرح، فنون تشكيلية) وكان في كثير منه إنشائيًا، يمجّد القائد والسلطة، ويعزل ليبيا عن التيارات الفكرية والفنية العربية والعالمية. وبالتالي يركز تفكيك هذا الخطاب على تفكيك طريقة في التفكير التي امتدت لأربعة عقود.

في زمن الجماهيرية، لم تكن هناك حرية إبداع بالمعنى المتعارف عليه، كانت هناك خطوط حمراء كثيرة لا يمكن تجاوزها (القائد، الثورة، الكتاب الأخضر)، وهذا أدى إلى إما مصادرة المبدعين أو لجوئهم إلى (الإنتاج السري) أو الهجرة. فالتفكيك هنا يتطلب استعادة الثقة بين المبدع والمجتمع/الدولة.

بعد سقوط النظام الجماهيري، برز انقسام ثقافي في المجتمع حول التقييم. فجزء كبير من المثقفين والفنانين عانى من القمع، لكن جزءًا آخر (أو ربما نفس الأشخاص في مراحل مختلفة) وجد في ظل الجماهيرية نوعًا من الرعاية (وإن كانت مشروطة) أو استقرارًا نسبيًا. ولكن التفكيك لا يعني شطب الذاكرة، بل التعامل مع هذا الإرث المزدوج. هناك توافق بأن التفكيك ممكن، لكنه يحتاج إلى وعي بأنه عملية طويلة الأمد وليست فعل شطبأو تدمير.

الخطوة الأولى لتفكيك أي خطاب أحادي هي دراسته وتفكيكه معرفيًا. ويحتاج ذلك الهدف إلى إنشاء مشاريع وطنية وأكاديمية لتوثيق الإنتاج الثقافي والفني في تلك الفترة، فجزء من التفكيك يكون عبر الأرشفة والتوثيق، فمن المهم فتح أرشيفات مؤسسات الإعلام والثقافة القديمة (كالإذاعة والتلفزيون واتحادات الكتّاب والفنانين) وتحليلها، ليس بهدف محاكمةالمبدعين، بل لفهم آلية عمل المشروع الثقافي السياسي السابق، وجمع الروايات الشفوية للمثقفين والفنانين الذين عاشوا تلك الفترة.

لا يمكن تفكيك الأثر دون بناء بديل. ولصنع البديل ينبغي إنشاء مؤسسات ثقافية مستقلة (مجالس للفنون، هيئات للمسرح والموسيقى)، ومؤسسات تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتعمل وفق قوانين تحمي حرية التعبير. فالجامعات الليبية يمكن أن تصبح مراكز إشعاع ثقافي نقدي، بعد أن كانت خاضعة للإملاء الأيديولوجي.

سياسات النظام الجماهيري أدت إلى عزلة ليبيا ثقافيًا وفكريًا لعقود. ولذلك التفكيك يستلزم إعادة فتح النوافذ، عبر ترجمة الإنتاج الفكري العالمي، واستضافة مهرجانات فنية لا تخضع للوصاية السياسية، وإعادة اكتشاف الكلاسيكيات الموسيقية والمسرحية الليبية التي كانت موجودة في عصر الرواد قبل الجماهيرية.

في السنوات التي أعقبت 2011، ظهرت موجة من الأعمال الفنية التي حاولت مواجهة هذا الميراث بشكل مباشر. لأن التفكيك الحقيقي يحدث عندما يصبح الفنانون والكتاب قادرين على معالجة تلك المرحلة بجرأة نقدية، بعيدًا عن منطق التبريرأو الإدانة الجاهزة، ليصلوا إلى معالجة إنسانية عميقة لتجربة الليبيين. فالمجالات الثقافية والفكرية لا تُفكك بالقوانين أو المراسيم مثلما تفكك مؤسسات الدولة.

جزء كبير من التفكيك للأثر الجماهيري يمكن أن يتم عبر تقديم سرديات بديلة عن الهوية الليبية خارج إطار الثورة/الجماهيرية، ورعاية جيل جديد من المبدعين لم يتشكل وعيه بالكامل في ظل الجماهيرية، أو تشكل في صراع معها، مع تمكينه من أدوات الإنتاج الفكري والفني. فينبغي إعادة النظر في المناهج التعليمية التي كانت تحمل الكثير من الأيديولوجيا، لأن التعليم هو الركيزة الأساسية للتأثير الثقافي طويل المدى.

بالنظر ألى موقع المؤسسة الثقافية في ليبيا اليوم، نجد أنها تعاني من إشكاليات رئيسية:

أولها الإرث الموروث المتمثل في المؤسسات القائمة (كالاتحاد العام للأدباء والكتاب، اتحاد الفنانين، المراكز الثقافية) إما أنها كانت أذرعًا للسلطة السابقة أو تعطلت تمامًا بعد 2011. واللافت أن محاولات إعادة هيكلتها اصطدمت إما بمعارضة من بقايا النظام السابق ممن تمسكوا بمواقعهم، أو بتسييس جديد من قبل الأطراف المتصارعة بعد الثورة.

ثانيها، الانقسام السياسي والعسكري الذي تشهده ليبيا، حيث توزعت المؤسسات الثقافية بين الشرق والغرب، وأصبحت أحيانًا مرتهنة لسلطات الأمر الواقع. هذا أدى إلى فقدان أي مشروع ثقافي وطني جامع. ولم يظهر حتى الآن نموذج واضح لمؤسسة ثقافية مستقلة في ليبيا. رغم أن هناك مبادرات فردية وأهلية واعدة، لكنها تفتقر إلى الاستدامة والدعم المؤسسي. ولذلك لابد من الفصل بين السياسي والثقافي، ولكن ليس بمعنى عزل الثقافة عن المجتمع، بل بمعنى ألا تكون المؤسسات الثقافية تابعة لوزارة أو جهة سيادية تتحكم في تعييناتها وقراراتها.

هناك حاجة ماسة إلى تبني سياسة اللامركزية الحقيقية، وأن يكون هناك مجالس ثقافية إقليمية (بنغازي، طرابلس، سبها، مصراتة، إلخ) تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، مع تنسيق وطني لا مركزي، وحماية قانونية عبر قوانين تحمي حرية التعبير الفني والفكري، وتجرّم المصادرة أو الترهيب بحق المبدعين. وأيضا آليات تمويل مستدامة بإنشاء صناديق دعم للثقافة والفنون مستقلة عن الميزانية العامة، تدار من قبل لجان مستقلة من المثقفين والفنانين.

عند الحديث عن المنتج الثقافي” (الرواية، القصيدة، اللوحة، الفيلم، المسرحية، الأغنية)، فإن المشكلة في ليبيا تتلخص أولا، في فجوة الأجيال، فجيل ما قبل الجماهيرية (رواد الخمسينات والستينات) قدّم إرثًا مهمًا لكنه توقف تحت ضغط النظام، وجيل السبعينات والثمانينات والتسعينات إما أنتج تحت وصاية النظام، أو هاجر، أو صمت، أما جيل ما بعد 2011 يحاول التعبير لكنه يعاني من غياب البنية الداعمة.

 الإنتاج الثقافي بعد 2011 وقع في فخين متقابلين: إما خطاب تفجيرييختزل كل ما قبل 2011 في خانة أسود/أبيض، دون تعقيد أو عمق فني، أو خطاب حنينييصور فترة الجماهيرية وكأنها عصر ذهبيللاستقرار، متجاهلًا الجوانب القمعية. كما أن النقد الثقافي والفني في ليبيا يكاد يكون غائبًا، ولا توجد منصات نقدية مستقلة تتابع الإنتاج وتناقشه بجرأة واحترافية. هذا أدى إلى تكرار الأنماط وعدم تطور الذوق الفني.

ما معنى بناء منتج ثقافي جديد؟

بناء منتج ثقافي جديد يعني خلق فضاءات للنشر والإنتاج، في شكل دور نشر مستقلة، ومنصات رقمية، ومسارح حرة، ومعارض فنية غير خاضعة لوصاية سياسية أو أمنية. كما أن هناك ضرورة للانفتاح عن العالم الثقافي بدعم ترجمة الأعمال العالمية الكبرى، واستضافة مهرجانات فنية تقدم تجارب متنوعة، لإنهاء العزلة الفكرية التي فرضتها الجماهيرية. ومن جهة أخرى ينبغي الاهتمام بالتعليم الفني من خلال إعادة بناء كليات الفنون والمسرح والموسيقى التي تم إهمالها.

نقطة الالتقاء بين المؤسسة والمنتج

هنا يبرز السؤال الصعب: كيف نبني المؤسسة والمنتج معًا في ظل غياب الدولة المستقرة؟ أرى أن هناك مدخلًا عمليًا يمكن البدء به فورًا، بغض النظر عن التأخر السياسي:

بدأً بالمبادرات الأهلية والمستقلة، فمن المهم ظهور مبادرات ثقافية وفنية مستقلة واعدة تحاول تقديم مسرح مختلف، وفضاء ثقافي مستقل، وصفحات ومجلات إلكترونية تنشر نصوصًا وقصصًا قصيرة. هذه المبادرات تحتاج إلى شبكة دعم (تمويل صغير، تدريب، حماية قانونية)، والربط فيما بينها لتكوين تيارثقافي جديد، وتوثيق وتقييم مستمر لاستخلاص الدروس.

كما أن دور الجامعات الليبية (خاصة في بنغازي وطرابلس) يمكن أن تكون ركيزة أساسية إذا تم تفعيل أقسام النقد والفنون والمسرح، ودعم الرسائل الجامعية التي تتناول تفكيك الخطاب الثقافي للجماهيرية، وتحويل الجامعة إلى فضاء مفتوح للندوات والعروض، بدلًا من كونها مؤسسة مغلقة. أما دور الإعلام فهناك حاجة ملحة لإعلام ثقافي متخصص، وبرامج تلفزيونية وإذاعية تناقش الثقافة والفنون بانتظام، ومنصات رقمية متخصصة في النقد الثقافي، وتوثيق الذاكرة الشفوية للمبدعين الليبيين.

التشبيك الثقافي الإقليمي يحقق الانفتاح على التجارب العربية، واستضافة خبرات في مجال إدارة المؤسسات الثقافية المستقلة، وإقامة شراكات مع مهرجانات ومؤسسات ثقافية في دول الإقليم، وتبني برامج تبادل فني للمبدعين الشباب.

ولكن هل يمكن بناء المؤسسة والمنتج في غياب الدولة؟ هل ننتظر استقرار الدولة لنبدأ بناء المؤسسات الثقافية؟ أم نبني المؤسسات الثقافية كجزء من بناء الدولة نفسها؟

في تجارب عديدة (لبنان بعد الحرب، فلسطين تحت الاحتلال، تجارب ما بعد الثورات العربية)، تبين أن المجال الثقافي يمكن أن يكون سباقًا للمجال السياسي. أي أن بناء فضاءات ثقافية حرة ومستقلة يمكن أن يساهم في خلق ثقافة مدنية ومواطنة حقيقية، تكون أساسًا لاستقرار سياسي لاحق.

في الحالة الليبية، أعتقد أن التحدي الأكبر ليس في غياب الإرادة الثقافية (فهناك طاقات كبيرة)، بل في غياب التمويل المستدام، وغياب الحماية القانونية (فالمبدعون يعملون في مناخ غير آمن)، والتشرذم السياسي الذي ينعكس على المجال الثقافي.

__________

Related Articles