سالم الكبتي
في ذلك العام 1967 ، برز تنظيم حركة القوميين العرب في الساحة الليبية. تأخرت هنا تنظيمات أخرى وربما حاولت تنظيم كوادرها وصفوفها مثل الإخوان المسلمين.
القوميون استفادوا من تجارب سبقتهم. اشتغلوا في الظل لكنهم استقطبوا المزيد من الشباب وركزوا على الفئات الطلابية بصورة خاصة كما مر بنا. ليس شرطا أن يكون هؤلاء كلهم من القوميين، لكنهم بطريقة أو بأخرى تعاطفوا أو أيدوا منهج الحركة وتواصلوا معها.
في الجامعة قبل هذا العام سيكون من الطلبة أعضاء التنظيم:
جمعة الفزاني القادم من سبها. والده اشتغل لاحقا في الاستراحة الملكية في مصراتة. كان جمعة ينظم الشعر وينشره في جريدة فزان. كان وراء إعداد منشورات في بنغازي باسم شباب الجنوب. التقى خلال دراسته بالطلبة العسكريين ومنهم معمر القذافي وعبد المنعم الهوني والتقت الأفكار مع اللقاءات بصورة واضحة.
مصطفى العالم ويوسف الشين وسالم الشويهدي وجمعة الفرجاني
بالطبع الانضمام يتم في أعوام متباينة. ومن المعلمين في المدارس الابتدائية.. محمد بن سعود وعمر دبوب ومحمد الشلطامي وسواهم وفي نقابات ومرافق البترول.
عز الدين الغدامسي وعبد السلام الزقعار وعمر المنتصر والبراني موسى وفرج سعيد والصديق الهمالي ونصر الدين البقار.
وسيكون المجال متاحا جدا لتأطير الخلايا والحلقات وتزيدها العلاقة الحزبية متانة. ستضم الحركة المزيد.. على سبيل المثال:
علي اللافي وصالح قمر وميكائيل السنوسي وضو نجاح وعبد السلام العمامي وعبد الحميد بطاو ورجب الهنيد وعلي العرفي ومصطفى سعيد وعيسى القبلاوي وبالنور الفلاح. وغيرهم.
صفوف تتلاحق وتعمل وتنسق والدولة أيضا تتابع وفق قوانينها ولوائحها. القيادات العربية دخلت على الخط الحزبي في ليبيا وشملت أسماء جورج حبش وهاني الهندي ووديع حداد وفيصل سعود ومحمد كشلي الذي يقال بأنه تردد على ليبيا وأسهم في التأطير والتنظير. فلسطينيون وسوريون وكويتيون، لكن أغلبهم لم يأت إلى ليبيا.
القيادات الليبية كانت تمضي إليهم وتلتقي معهم وتتبادل صفحات النضال ومناقشة خطط العمل. لعل كل أعضاء التنظيم أو بعضهم لم يلتق هذه القيادات وظل يسمع بها في الداخل.
كان تأثير ذلك واضحا وكان تاريخها النضالي في المنطقة يبهر الأبصار ويشد العقول بمزيد من الحنين والتعاطف. وهنا تماهى آخرون مع حراك القوميين وربما اعترى هذا التماهي مكملا له وتمثل في حراك محمود سليمان المغربي وأنيس اشتيوي وعبد الله بوسنوقة وإبراهيم فلفل. نشطوا في يونيو 1967.
قادوا الإضرابات وحركوا قطاع البترول وحرضوا على إيقاف ضخه ووزعوا المناشير. ألقت السلطات القبض عليهم وحوكموا بتهمة الشغب والإضرار بمصالح البلاد الاقتصادية بمدد مختلفة وفاقهم محمود المغربي في العقوبة بصدور مرسوم ملكي يقضي بسحب الجنسية الليبية منه باعتبار أنه ولد في حيفا.
والواقع أن أصوله ليبية من بلدة ككلة في الجبل الغربي. هاجرت أسرته وأقامت في فلسطين أيام الاحتلال الإيطالي وغلب عليها لقب المغربي باعتبار قدومها من غرب الوطن العربي. في سبتمبر 1969 سيخرج من السجن ويرأس أول حكومة للثورة وسيختار زميله أنيس اشتيوي معه وزيرا للعمل والنفط.
وثمة من نشط في هذا الحراك أيضا في طرابلس.. علي وريث وفوزية بريون على سبيل المثال وفي بنغازي رجب النيهوم ومفتاح الدروقي وعلي غليو …. وغيرهم
وكما تبين لنا فإن حركة القوميين العرب اختلفت كثيرا عن البعث في جعل التدريب على السلاح من منهجها. التدريب تم في معسكرات سوريا ومصر. وفي فورة يونيو التي أشعلت المنطقة بكاملها كان القوميون العرب في بنغازي وطرابلس في مقدمة أول الصفوف التي نظمت المظاهرات. كان ذلك يوم الاثنين الخامس من يونيو. خرجوا من الجامعة والتقوا مع بقية الشعب.
هاجموا وأحرقوا المركز الثقافي الأمريكي المقابل للجامعة. ومتاجر اليهود الذين كانوا ليبيين وجزءا من نسيج المجتمع. كان يوما طويلا من الحرائق والأدخنة وكذا الأمر في طرابلس. الملك أعلن الطوارئ في البلاد وتبع ذلك حظر التجول وحدد بأوقات معينة. خرج اليهود من البلاد.
وشرعت الدولة في اتخاذ إجراءاتها بالقبض على من شارك في الأحداث من الحركة وأصبح طريقهم للمحكمة واضحا وضروريا في رأي السلطة التي لم تقصر وفقا لخطابها الرسمي في مساندة الأشقاء العرب بالدعم والإسناد وإيقاف ضخ البترول ووضع الجيش في حالة تأهب وإعداده للمشاركة في الحرب في الجبهة المصرية، لكن حسابات الحقل لم تتفق مع حسابات البيدر.
أزمة الثقة بين الأجيال والعامل الخارجي والتدريب على السلاح وأفكار التنظيم استفزت السلطة التي وجدت الوقت مناسبا لضرب نشاط تنظيم الحركة والقضاء عليه.
ولابد من الضرورة هنا الإشارة من الناحية التاريخية إلى أن فقدان الوثائق والمصادر من هذه التنظيمات أثناء العمل الحزبي أو في فترات التوجس والقبض شكل نقصا واضحا ومهما في سد ثغرات التفاصيل الناقصة حول مسيرة تلك التنظيمات وطبيعتها. الاعتقال والمصادرة يؤديان إلى ضياع صفحات من التاريخ. هذا ما حدث بالضبط عندنا في ليبيا وربما في بلدان أخرى بنفس الكيفية.
إن هذا النشاط عام 1967 كان في ليبيا مهما لعب فيه القوميون أدوارا لا تغفل من الحراك والمساهمات لكنه في كل الأحوال ظل أيضا متواريا عن أدبيات وتاريخ توثيق الحركة في بيروت ودمشق.
إصدارات ومؤلفات تتالت هناك أغفلت النشاط الليبي وتعرضت لكل تنظيمات وفروع الحركة في الوطن العربي بالتحليل والرصد والدراسة وآفاق الانتكاسات والانتصارات التي صادفتها. تقع هنا كتابات سهير التل وجمال باروت وباسل الكبيسي وغيرهم. بقيت الحركة في ليبيا في موقع الظل البعيد. وذلك أمر يدعو إلى الاستغراب.
القبض على العناصر في التنظيم في كل أنحاء المملكة أنجز من خلال المباحث العامة التي قامت بتسليمهم إلى النيابة المخولة بالتحقيق معهم وتمت مصادرة الكتب والمنشورات والأسلحة.
والمحكمة عقدت جلساتها في مقرها بطرابلس والتاريخ أعاد نفسه بتولي القاضي الهادي التركي رئاستها وحسن بن يونس الادعاء العام مثلما حدث في قضية حزب البعث عام 1961. اختلفت التفاصيل لكنها التقت في نقطة التنظيم المحظور والعمل ضد كيان الدولة.
المحكمة بدأت جلساتها في مطلع يناير 1968 وصدرت الأحكام على المتهمين في فبراير. ضمت مائة وستين متهما. تقدمهم جورج حبش ورفاقه من العرب الذين صدرت الأحكام عليهم غيابيا.
قضوا المدد القانونية. في السجن بطرابلس وبنغازي كان يتردد عليهم للزيارة معمر القذافي وعبد المنعم الهوني وغيرهما تعاطفا معهم وحدث هنا تعارف بين هذه الأطراف. التنظيم كان أكثر عددا من تنظيم حزب البعث. احتوى العديد من المثقفين والكوادر الفنية في مجال النفط والتعليم.
كان يختلف عن البعث في عدة صور ونواحٍ. ولوحظ أن المتهمين الليبيين جلهم من الفئات العمرية المتوسطة ومن ذوي الظروف الاجتماعية والاقتصادية المتقاربة وحصلوا على معرفة وتجربة أفادتهم في سلوكهم الحزبي والسياسي ورأوا في أنفسهم أنهم يتقدمون غيرهم في نشر فكر وثقافة تختلف عن السائد في البلاد.
كان من أهدافهم أيضا التغيير الفكري والمعرفي في تقاليد وعادات المجتمع والدفع به إلى آفاق جديدة. والواقع أن المحكمة من جانبها كانت مجالا لقدح الأفكار بكل حرية أبداها المحامون الذين ترافعوا في دفوعهم عن المتهمين وكانت تلك الدفوع صورة فكرية متميزة بخاصة من قبل المحامي محمود نافع (سيغتاله نظام القذافي في لندن عام 1980).
محكمة وسجال أوضح ما يدور في المنطقة برمتها وانعكاسها على الواقع نتيجة للفراغ الذي يعوي مثل الذئاب المنفردة في أطرافها. كان ذلك بطريقة أو أخرى يلفت النظر والانتباه إلى ما هو أت لا محاله.
بعض المتهمين حصل على البراءة مثل سعد مجبر الذي شهد في حقه نفيا للتهمة زملاؤه في الحركة الكشفية.. يوسف قنبور و محمد افحيمة و إبراهيم شعبان. في الواقع كان نشطا ويتقاطع مع النظام منذ شبابه وانتمائه لحزب المؤتمر الوطني لكنهم أرادوا بذلك نفي التهمة بطريقة أخرى عن اشتغال الحركة الكشفية بالسياسة.
في ذلك الصيف.. 1967 أرسل كشاف ليبيا بعثة من قادته وأفراده إلى الأردن وسوريا للمساعدة في إيواء النازحين عقب الحرب.
وبطريقة سرية تلقوا تدريبا على السلاح من قبل الجيش في غابة جودايم أثار استغرابا لدى السلطات، لكن ذلك كان بحجة الدفاع عن النفس في تلك الأماكن الملتهبة.
كان سعد مجبر في مخيم الإعداد من الذين يقومون بإلقاء المحاضرات والتوعية وتوعية لأفراد البعثة وإعدادهم. نشاطه ألقى بظلال من الشك والريبة في تحركاته غير أنه في كل الأحوال نجا من الفخ والاعتقال بفضل الحركة الكشفية التي كان من أوائل من انضم إلى فرقتها الأولى في طرابلس عند تأسيسها عام 1954.
والواقع أن الحركة الكشفية في ليبيا كانت مؤسسة رائدة في العمل المجتمعي وحققت نجاحات ملحوظة إلى حد كبير في سد الفراغ التربوي والعاطفي والاجتماعي عند الكثير من الشباب الليبي.
الأحزاب تأخرت في تلك الأيام التي شهدت التأسيس الكشفي وتقدمت الحركة بدلا منها بتحسيس قيم الانتماء والوطنية دون اشتغال بالسياسة وتفاصيلها.
ظلت الحركة الكشفية تعمل برعاية من الدولة وتجاوب من المواطنين. نشاطاتها ومشاركاتها المحلية والعربية والدولية طغت على غيرها من تنظيمات تختلف عن الحركة الكشفية ووسائلها.
إن هذا ربما يشير إلى أن النقابات والمؤسسات الاجتماعية كانت ذات فائدة قصوى لليبيا أكثر من الأحزاب.
مظاهرات 1967 ولهيب الأفق وحراك الطلاب تراكم مع بعضه ونجح بالفعل في بروز حركة القوميين العرب فوق الأرض الليبية وخلق وعيا كاد أن يفقد.. بعد انتظار أو عمل من وراء ستار دام ثمانية أعوام منذ 1959.
المقدمات تقود دائما إلى النتائج والمعطيات.
بعد التغيير العسكري في سبتمبر 1969. ستقترب السلطة الجديدة من بعض أعضاء الحركة وتختارهم في مناصب مختلفة. حصل بعض من ثقة محدودة بينهما. وستظل السلطة نتيجة لهذه الثقة تعين مسؤولين في رئاسة اللجنة الشعبية العامة (مجلس الوزراء) وسفراء ووزراء ووكلاء وزارات ورؤساء جامعات.
كانت البداية ممثلة في عضوية عز الدين الغدامسي أحد قياديي الحركة لوفد ليبيا الذي حضر مؤتمر القمة العربي الرابع في المغرب في ديسمبر 1969 برئاسة العقيد القذافي.
وفي مرحلة تالية ككل المراحل التي مرت بنا يعين الغدامسي سفيرا في النمسا ثم يعلن معارضته للنظام الذي يتعقبه في الخارج في محاولتين لتصفيته واغتياله انتهت بفشلهما ثم عين مع بداية الألفية الجديدة للعمل بإحدى الشركات الخارجية للدولة في القاهرة وانتهى ذلك بوفاته فجأة في مكتبه ذات صباح.
وعبر كل الظروف كان النظام يناور ولا يستقر على رأي ثابت. من ليس معه فهو ضده أو عدوه اللدود.
في ذات الوقت ستختلف السلطة مع مجموعات منهم. ستلاحقهم ثانية بالسجن عام 1973 ثم بالمحاكمة لعناصر منهم سترى فيهم نموذجا ضل طريق القومية وانحرف عنه ولم يلتزم مثل بقية زملائه بالابتعاد عن العمل الحزبي والاندماج في النظام الجديد.
النظام في العام 1977 وخلال ما أطلق عليه ثورة الطلاب سيعلق اثنين من أبرز الأعضاء والناشطين القوميين هما.. عمر دبوب ومحمد بن سعود على أعواد المشنقة في ميدان الاتحاد الاشتراكي في بنغازي ظهيرة اليوم السابع من أبريل. كانا من المعلمين في مدارس المدينة. معمر القذافي نفسه كان يشاهد التنفيذ عبر أحد المباني المقابلة.
مأساة التنظيمات السياسية في الوطن العربي تتشابه في النهايات. لا توجد حلول وسط. إما الزنازين المعتمة أو الملاحقة في شوارع العالم ومقاهيه.. أو التعليق على أخشاب المشنقة.
ذلك جعل من طرق الموت المختلفة ماثلة في الأذهان وأمام العيون!
_____________
