د. الصديق بشير نصر
قال لي مرةً صديقي العزيزُ الأديب الشاعرُ صاحبُ الخلق الرفيع د. عبد الحميد الهرامة، وهو مستاءٌ إنه دخل إلى أحد دهاليز كاثدرائية ميدان الجزائر، وقد حُوّلت إلى جامع فساءه أن يرى مكتبة الكاثدرائية وما تحتوي من كتبٍ نفيسةٍ بالإيطالية ـ وربما بلغاتٍ أخرى، فضلاً عن الوثائق التاريخية، قد أُلقيت على الأرض مهملةً، وربما تعرّضت للأذى بفعل الرطوبة حيث لا هواءَ متجدّدٌ يدخل إلى المكان، ولا عاملَ تنظيفٍ يقومُ بإزالةِ الغبار عنها.
وأخبرني أنه تحدّث في هذا الشأن مع عميد كلية الدعوة الإسلامية، واتفقا على استخراج تلك المكتبة من ذلك المستودع، وجلبها إلى مبنى كلية الدعوة الإسلامية الجديد في طريق السواني.
وسألني إذا كنتُ أعرف أحداً يمكنه القيامُ بفهرستها، فأجبته على الفور: الأستاذ علي حُسنين. وبالفعل حدثتُ الأستاذ بذلك فوافق دون تلكؤ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد وضعنا بين يديه طعامَه المغري: التاريخ والوثائق القديمة.
لم يشترط الأستاذ للقيام بهذا العمل إلا شرطاً واحداً، وهو تعريضُ الكتبِ والوثائقِ للشمس والهواء لبعض الوقت لأنها موبوءة، ثم تخصيص مكتبٍ صغيرٍ للجلوس فيه من أجل القيام بهذا الواجب، وتمّ الأمر على ما يهوى.
دخلتُ عليه في أحد تلك الأيام بينما هو عاكفٌ على الفهرسة، ووقفتُ بالباب ولم ينتبه إلي، فرأيتُ رجلاً مستغرِقاً في عمله شغوفاً لا يكترث للغادي والرائح. أثار انتباهي أنه كان يرتدي صدرية أشبه بصدريات العمال في المعامل، ويلبس في ذراعيه قطعتين من القماش تغطيانهما من الرسغين إلى المرفقين ليقيَ ملابسَه من الغبرة العالقةِ بالكتب.
كان للأستاذ أسلوبٌ في الفهرسة غير مألوفٍ عندنا، لم أره إلا عند بعض كبار المستشرقين أمثال فلهلم ألفرت البروسي في فهرسته للمخطوطات العربية بمكتبة برلين الوطنية حيث لم يكتف الأستاذُ علي حُسنين بترجمة اسم الكتاب، وذكر اسم المؤلف، وتاريخ الطبعة، واسم الناشر فحسب، بل تعدّى ذلك إلى تلخيص محتوى فصول الكتاب، وقد يجد ما يُثيره في الكتاب فيترجم منه فصلاً كاملاً أو فصلين.
فكانت فهرستُه أشبهَ ما تكون بعرض علمي للكتب ، وقد نُشِر بعضُ تلك التلخيصات في أحد أعداد مجلة كلية الدعوة الإسلامية، أذكر منها ما كتبه عن يوميات بعثة الفرنسيسكان التبشيرية إلى طرابلس، وهي ما تُعرف باسم الكتاب القديم ، وهو سجلّ، أو بشكلٍ أدق، سجلاتٌ للحوادث التي وقعت في طرابلس وكان للكنيسة بها صلة منذ عام 1638 إلى حقبة الاستعمار الإيطالي .
وكانت تلك السجلات تُرسَلُ إلى الكنيسة في روما من حين إلى آخر، وقد تَلِفَ بعضُها، وقام بعض الباحثين الإيطاليين بترميم ما فسد، وبذلك حُفِظَ من الضياع. وقد عملت السلطاتُ الإيطاليةُ بكل ما وَسِعها للحصول على ما بقي من تلك السجلات في كاثدرائية ميدان الجزائر، ويبدو أنها أفلحت في ذلك حيث اختفى ما تبقى من السجلات.
وقد سمِعتُ من المرحوم الدكتور محمود التايب ما يؤكّد ذلك. وما كتبه الأستاذُ حسنين عن تلك السّجلات أو (الكتاب القديم) يُظْهِرُ القيمةَ التاريخيةَ لها.
في أكتوبر 2005 نظّمَت نقابةُ العمال بشركة آجيب ندوةً علمية بمناسبة ما كان يُطلق عليه اسم يوم الحداد وذكرى المنفيين الليبيين إلى الجزر الإيطالية إبّان الاستعمار الإيطالي.
شارك في الندوة ثلّةٌ من خيرة الأساتذة، وهم: د. محمود التايب، د. محمد الشركسي، الأستاذ علي حُسنين، والباحث الإيطالي جوزيبي بيشي، وغاب عنها الأستاذ فؤاد الكعبازي لأنه كان في إيطاليا آنذاك.
وكانت جميعُ تلك المحاضرات باللغة الإيطالية، وأغلبُ الحاضرين كانوا من الإيطاليين. ألقى الأستاذُ حُسنين محاضرةً رائعةً ما زلتُ أتذكرها بحذافيرها. تحدّث الأستاذُ عليّ عن المحاكمات العسكرية الصورية التي كانت تُعقد في الشوارع بالمخالفة الصريحة لجميع قوانين الإجراءات الجنائية المتعارَف عليها، ودون أدنى مراعاةٍ لحقوق المتهمين.
ثم ختم محاضرته بعرضِ مقالٍ نُشِرَ في إحدى الصحف الإيطالية التي كانت تُطبعُ في طرابلس لا يحضرني اسمُها الآن. وإمعاناً من المحاضر في إقناع مستمعيه عَرَضَ تلك المقالةَ على جهاز الإسقاط الضوئي (بروجكتر)، وقد ورد في تلك المقالة قصةٌ محزنةٌ تعمّد الأستاذُ عليُّ إيرادَها لكشف جريمة المحاكماتِ الصورية العسكرية التي كان يجريها المستعمِر الإيطالي ضدَّ المدنيين الليبيين.
وملخّصُ القصةِ أنه في ذاتِ صباحٍ وُجِدت جثةٌ لإيطالي مطعونة بسكين. وفوراً قام الجندُ الإيطاليون باعتقال كلِّ من كان بالجوار، وجيء بهم إلى ميدانٍ قريبٍ. وجِيء بطفلةٍ صغيرةٍ يقودها عسكريٌّ، فأشارت إلى أحدِ الموقوفين، وكان شاباً في مقتبل العمر اقتيد مع الآخرين وكانوا يقفون صفاً إلى ظهر جدار، فاعتُبِرت تلك الصغيرةُ شاهدَ إثباتٍ على الجاني.
وُضِعَ مقعدٌ أمام الناس وجلس عليه ضابط قرأ من ورقةٍ صحيفةَ اتهامٍ حرّرها للتوّ، ثم أصدر حُكماً عسكرياً بإعدام الشاب رمياً بالرصاص أمام الجمهور في الوقت والحين. لم يكن الشابُّ يعرف حقيقةَ ما يجري. ويصفه كاتبُ المقال بأنه شابٌ في أوّل العشرين من عمره، يلبس رداءً (جرد) أبيضَ، ومعه جَرْو صغيرٌ.
اصطفّت مفرزةُ الإعدام وأطلقت النار على الشاب، ولكنه لم يسقط على الأرض، وكأنّ الرصاصَ لم يصبه، أُصيب الجميعُ بالذهولِ، فأمر الضابطُ بإطلاق النار من جديد، وذلك مخالفٌ للقانون لأنّ الحكمَ بالإعدام إذا نُفِذَ في المحكوم ولم يمت لا يُنفذ فيه من جديد.
أضطرب الضابطُ والجندُ، والحكاية يرويها الشاهدُ الإيطالي كما في الصحيفة المشار إليها، وأُطلِق الرصاصُ عليه من جديد ولم يسقط الجسدُ مرة أخرى لبعض الوقت، ثم لم يلبث، والحاضرون في ذهولٍ من وقعِ ما يرون، أن أخذ جسمُ الشابِّ يتهاوى شيئاً فشيئاً حتى خرّ صريعاً واستقرّ على الأرض.
وهنا اندفع الضابطُ وأطلق على رأس الشاب رصاصةً كيلا ينهض من جديد. وهنا اندفع الجَرو الذي كان مع الشابّ من بين جمهور الحاضرين، ووقف على صدرِ الشاب القتيل وأخذ يَعوي عُواءً مُرّاً رافعاً رأسَه إلى السماء وكأنه يشكوها ظلمَ أهلِ الأرض.
أثّرت هذه القصةُ تأثيراً هائلاً في الجمهور الإيطالي الذي حضر تلك الندوة. كانت تلك براعةً وذكاءً فائقاً من الأستاذ عليّ حسنين الذي تعوّد أن يُلقي محاضراتِه في وقتٍ قصيرٍ محدودٍ يحقق من خلاله هدفَه الذي يرمي إليه قبل أن يتطرّقَ المللُ إلى نفسِ مُتلقيه.
وقد استحسن الإيطاليون الحاضرون تلك المحاضرة، وأغلبهم من المهندسين بالشركة، وبعضهم يمثّلون شرائح أخرى من الإيطاليين حضروا بدعوة من المركز الثقافي الإيطالي. وقد طلب المديرُ العام الإيطالي بالشركة بصورة شخصية أن يُلقيَ الأستاذُ علي المحاضرةَ نفسَها بحقل البوري البحري، فوافق الأستاذُ.
وسافرتُ برفقته إلى الحقل على متن طائرة مروحية في رحلة خاصة. استقبلنا مديرُ الحقل الإيطالي استقبالاً محترماً، وأعدّ على شرفِ الأستاذ وليمةً فاخرةً، الأمر الذي يوحي بأنّ مديرَ الشركة بطرابلس هو الذي رتّب لكلّ ذلك وأوصى به، حتى إن مديرَ الحقل انتحى بي جانباً وسألني: “من هذا الرجل؟“. قلتُ: “الأستاذ علي حسنين“. قال: “أعرف اسمه. ولكن من هو؟“. قلتُ: “وزير الخارجية الليبية“. فاجأني الرجل بقوله: “الآن؟ في عهد القذافي؟“. قلتُ: “كلا. لقد كان وزيراً للخارجية في عهد المملكة“. قال وقد ابتسم ابتسامة لا تخلو من خبث: “نعم! المملكة! المملكة.. معقول معقول“. والرجل يعني أن رجلاً من هذا المستوى الرفيع لا يمكن أن يوجدَ في عهد القذافي.
وبعد أن انتهى الأستاذُ من محاضرته بحقل البوري، اختتم كلمته بالاعتذار عن لغته الإيطالية التي قد لا ترقى إلى مستوى لغة متكلميها من الإيطاليين الحاضرين. فصاح أحدهم بالإيطالية: “يا الله!! هذه لغةٌ قلّ من يتكلمها اليومَ من الإيطاليين الأحياء“.
وقد حضرتُ عدداً من محاضراته التي كان يلقيها في الموسم الثقافي لمركز الجهاد للدراسات التاريخية، وأذكر منها محاضرته عن أمير البحار حسين “القصدار” أو القرصان حسين القبطان.
ومحاضرته الشائقة عن لوحة سيدة غريان، وهي تحفة فنية قام برسمها كليفورد سابير وكان سائق إسعاف أمريكي متطوع مع الجيش الثامن البريطاني، وكان رساماً موهوباً. رسم تلك اللوحة الجدارية أثناء إقامة وحدته لبضعة أيام في المعسكر بغريان لرفع الروح المعنوية لرفاقه، وكان ذلك في مطلع الأربعينيات.
تحدثت معه مرةً عن المستشرق الإيطالي الكبير الأمير ليوني كايتاني صاحب حوليات الإسلام وهو كتابٌ ضخم يقع في عشرة مجلدات مرتّب على حوادث السنين على غرار تاريخ الطبري.
فأخبرني أنّ هذا المستشرق رجلٌ نبيل، وقف ضد استعمار إيطاليا لليبيا وأنه قرأ وثيقة كتبها كايتاني للملك وللبرلمان الإيطالي يحذرهم فيها من مغبّة احتلال ليبيا، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحة.
وذكر الأستاذ أنه ربما يُلقي في ذلك الموضوع محاضرةً، فشجعته على أن يفعل ذلك ولا يتأخّر، ثم التقيت به بعد أيام من ذلك وقدمتُ له ترجمةً مستفيضةً لليوني كايتاني بالإنجليزية فأخذها وسُر بها.
وجعل من تلك الترجمة مادةً عزّز بها محاضرته، ومن لطفه وأدبه وكياسته أنه أشار إليّ في آخر المحاضرة، ولكن هذا الثناء لم يَرُقْ لأحدهم فامتعض من ذلك، ونهض عند فتح باب النقاش وأخذ يتحدث حديثاً بعيداً عن المحاضرة أغلبه انتقاصٌ من الجيل الجديد وكأنه يعنيني باعتباري أنتمي يومئذٍ للجيل الجديد، وقال فيما أذكر متحدياً إن الجيلَ الجديدَ جاهلٌ وأتحدّى أيَّ واحدٍ منهم إن كان سمع شيئاً عن أحمد فارس الشادياق.
ثم نهض الأستاذ فؤاد الكعبازي الأديب الشاعر المهندس فتكلم فأحسن، ثم جاء دوري في الكلام فشكرتُ الأستاذ حسنين على محاضرته القيمة، وأذكر أنني قلتُ ما معناه: “إنّ كثيراً من الليبيين يُحسنون الإيطالية كما لا يُحسنها الإيطاليون أنفسُهم، ولكنهم للأسف مقصّرون في ترجمة عيون التراث الأدبي الإيطالي، فلم يقدموا خدمة للقارئ العربي، وهم خير من يقوم بذلك حتى إنهم ضيّعوا فرصة الإنفراد بترجمة الكوميديا الإلهية لدانتي حتى جاء أستاذ التاريخ حسن عثمان فترجمها إلى العربية وهو دون الكعبازي وعلي حسنين وشمس الدين عراب ومحمود التايب، ولكن يبدو أنه يصحّ فيهم قول الأستاذ عيسى الناعوري: “إنّ الليبيين أحسنُ من يجيد الإيطالية ويُتْقِنُها، ولكنهم قومٌ كسالى“.
وقلتُ وكأنني أبادل الأستاذَ السائلَ شعوراً بشعور لأبرهنَ له أنّ من الجيل الجديد من قرأ للشادياق وهو بعدُ طريّ العود، وما دام الحديث يتعلّق بالاستشراق ذكرتُ كلامَ الشادياق في (الساق على الساق في ما هو الفارياق) عن المستشرق الفرنسي الشهير De Sacy وقوله عنه مع الثناء عليه بقوله: “ولكن ما كلُّ بيضاءَ شحمة. على إنه لا يُنْظَمُ في سلك العلماء المحررين“.
أردتُ بذلك أن أبرهن لصاحبنا أنّ كلامه ساقطٌ، فغادر قاعةَ المحاضرةِ مُغَاضِباً. وذلك هو الفرق بين الأستاذ علي حسنين وصاحبِنا، وهو الفرقُ بين التواضعِ والخُيلاء. لقد أحسن الأستاذُ عليّ صُنعاً إذ دفع بتلك المحاضرة، بعد أن قام بتنقيحها، إلى مجلة كلية الدعوة الإسلامية التي بادرت بنشرها في العدد الثامن على ما أذكر.
…
يتبع
______________
المصدر: أرشيف منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية