عمر الكدي

ضرورة القذافي

هل كان القذافي ضروريًّا ليظهر في ليبيا مثلما ظهر صدام حسين في العراق؟ وعلي عبدالله صالح في اليمن وحافظ الأسد في سورية؟

ففي العراق لقب صدام حسين بالقائد الضرورة، فهل كان قائدٌ مثل القذافي ضروريًّا لليبيا؟.

التاريخ لا يمزح..

إنه يتصرف بجدية مفرطة حسب المعطيات التي يجدها بين يديه، وإن تبين للبعض أنه يتصرف بتراجيديا في بعض الأحيان وبطريقة هزلية في أحيان أخرى.

شعب قبلي ومن أفقر الشعوب في العالم وفجأة انفجرت تحته ثروة هائلة هي دم الحضارة. الذين يعشقون نظرية المؤامرة سيجدون مبتغاهم في قصة صعود القذافي، والذين يفضلون التحليل التاريخي الاقتصادي والاجتماعي عليهم البحث عميقًا في بنية المجتمع الليبي.

في عام 1977 عندما حضر الرئيس الكوبي فيديل كاسترو الاحتفال بإعلان قيام سلطة الشعب في سبها، دعا القذافي كاسترو لتبني سلطة الشعب، فرد كاسترو قائلًا للقذافي، اشتراكيتك تعتمد على البترول واشتراكيتي تعتمد على قصب السكر.

لم يفهم القذافي ما قصده القائد الماركسي الذي درس المادية الجدلية ونظرية فائض القيمة، وأنماط الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وفي التحليل الأخير كان الاثنان خارج التاريخ، فلم ينجح كاسترو في تحويل كوبا إلى دولة متقدمة، حكمها بحزبه اللينيني حتى عجز عن ممارسة السلطة فسلمها لشقيقه راؤول، بينما حكم القذافي ليبيا دون أن يحولها لدولة متقدمة ولم يسلمها حتى لأحد أبنائه.

ظهرت الفاشية والنازية في مجتمعات متقدمة صناعيًّا. ظهرت في قلب الأنظمة الرأسمالية في ألمانيا وإيطاليا واليابان، كرد فعل على أزمات الرأسمالية نفسها، وكمحاولة لتجاوز أزمتها دون التقيد بشروط الديمقراطية، بالرغم من دعايتها المضادة للرأسمالية وتمسحها بالاشتراكية.

ولكن الدول العربية التي ظهرت فيها أنظمة تشبه الأنظمة الفاشية والنازية ليست دولًا متقدمة رأسماليًّا، وقاد لي كوان سنغافورة بقبضة حديدية ولكن أيضًا بحكمة آسيوية، وقاد كوريا الجنوبية عدد من الجنرالات وهي تحقق معجزتها الاقتصادية، وبلدان أمريكا اللاتينية مرت من هذا الدرب.

ولكن ظاهرة القذافي وصدام حسين وقبلهما عبدالناصر قصة مختلفة، إنها قصة صعود الريفيين والبدو لقيادة بلدانهم بعد تهميش طويل.

لو لم يكتشف النفط قبل وصول القذافي بسنوات قليلة لما نجح القذافي في البقاء على قمة السلطة، وكانت ليبيا ستتطور مثلما تطورت تونس، اعتمادًا على موارد محدودة من أنشطة اقتصادية يمارسها معظم السكان، وحتى يتمكن الحاكم من جمع الضرائب ليدفع رواتب جنوده وشرطته وموظفيه، عليه أن يتنازل لدافعي الضرائب وللنقابات.

وخلال الثمانينيات حكم تونس حبيبان، الحبيب بورقيبة والحبيب عاشور الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل. ولكن ثمة فروقًا مهمة بين تونس وليبيا، فتونس بها مدن كبيرة قادرة على استيعاب القادمين من الأرياف، بينما كانت المدن صغيرة في ليبيا وعجزت عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الوافدين، فلم يجدوا إلا أكواخ الصفيح حول طرابلس وبنغازي.

في اللحظة التي كان النظام الملكي يبذل كل ما في وسعه لبناء المساكن للوافدين الجدد، وفي الوقت الذي بدأت فيه الرأسمالية الوطنية في تطوير إمكاناتها جاء انقلاب القذافي.

رحب بالانقلاب السواد الأعظم من الليبيين، وباستثناء مظاهرات الطلبة والمحاولات الانقلابية في الجيش، لم يظهر في السبعينيات أي شكل من أشكال المعارضة للنظام العسكري، وفي الثمانينيات تحولت ليبيا إلى دولة ريعية الجميع يحصل على راتبه من القذافي.

في مثل هذه الظروف يستطيع أي طاغية البقاء في السلطة، فإذا بقى يوسف باشا في السلطة اعتمادًا على القرصنة البحرية وتجارة العبيد وتجارة القوافل، فإنه أجبر على التنازل لابنه عندما توقفت مصادر ثروته، بينما ارتفعت أسعار البترول بعد حرب أكتوبر لتصل إلى أسعار قياسية.

ويبدو أن مرحلة القذافي هي التخلي عن خيار انتقاء المدينة للوافدين، وإخضاعهم لمؤسسات الضبط والربط مثل الجيش والشرطة، إلى خيار بدونة المدينة ودفع الجميع إليها دون انتقاء، وكأن البدوي الذي أحس بالإذلال من تجبر المدينة جاء لينتقم في صورة القذافي، الأمر الذي جعل العائلات التي ذابت في نسيج المدينة تبحث في البادية والريف عن أي جذر لها.

ولم يبق أمام المدينة إلا سلاح النكتة لتجلد بها القيم البدوية والريفية الوافدة.

في الثمانينيات ظهرت نكات كثيرة حول ترهونة، بسبب حادث عارض بين بعض شباب طرابلس أساءوا السلوك في منطقة الشرشارة بترهونة، فعاقبهم الأهالي بقسوة مما جعل القذافي يصدر قانونًا لمواجهة النكتة والشائعة.

مرحلة القذافي أشبه بوضع الجميع في طنجرة ضغط فترة طويلة، وخلال هذه الفترة تمددت المدينة في كل مكان، وتحولت المدن العريقة إلى بوادٍ بائسة.

وجاءت انتفاضة فبراير لتؤكد أن الليبيين لم يحكموا أنفسهم منذ أن أرسلوا وفدًا من طرابلس إلى السلطان العثماني عام 1551، يطلبون منه مساعدتهم في تخليص طرابلس من فرسان القديس يوحنا، وأن القذافي هو أول ليبي يحكم البلاد، مثلما أن عبدالناصر هو أول مصري يحكم مصر منذ سيطرة البطالمة على البلاد.

الفرق أن مصر تعودت على وجود الدولة في كل تاريخها، أما في ليبيا فقد كانت الدولة مفهوما حديثًا يحتاج إلى مكابدة ومعاناة لتجذيره في تربتها الفقيرة، وهي مجرد غنيمة لمن يستطيع إليها سبيلًا.

لم ينقسم الليبيون إلى طبقات بحيث تستطيع الطبقة الوسطى قيادة المجتمع، وإنما انقسموا دائمًا إلى قبائل والقبيلة تبحث دائمًا عن مصلحتها وحصتها من الغنيمة.

وفي عهد القذافي حلت القبيلة كوسيط بين الأفراد والدولة، وكانت القبائل تعقد لقاءاتها السنوية تحت رعاية النظام، وتكونت روابط في طرابلس وبنغازي عرفت برابطة شباب القبيلة الفلانية في طرابلس، وتولى خليفة احنيش البحث عن «خوت الجد»، وكان القذافي يستقبل في خيمته وفود القبائل وهم يحملون وثائق العهد والمبايعة، التي كتبها البعض بدمائهم، وكان عندما يزورهم يحرص على رؤية التجمع النسائي للقبيلة، ومرة رأيت أحدهم على التلفزيون وهو يقول للقذافي الذي كان ينظر إلى النساء «هذا بستاننا فاختر منه ما يعجبك من زهرات».

ولم يخيب أمله إلا أولاد بوسيف الذين أخرجوا بنات عبيدهم السابقين، فغادر القذافي مستاء وهو يقول إن أولاد بوسيف ما زالوا يعاملون النساء بعنصرية.

ليبيا كانت دائمًا موطن جميع الليبيين، ولكنها لم تكن أبدًا دولة جميع الليبيين، وعندما تتأسس الدولة وفقًا للمواطنة وليس القبيلة، ستتجاوز ليبيا محنتها وتستطيع اللحاق بركب التقدم.

خلاصة

ليس للطاغية أصدقاء.. هناك أتباع وأعداء فقط. حتى أصدقاء الطفولة سرعان ما ينساهم عندما يصل إلى قمة طغيانه. ومع ذلك أسس القذافي رابطة عرفت باسم رابطة رفاق القائد.. ثم رابطة أخرى باسم رابطة أبناء رفاق القائد، وكانت لهم مزايا اقتصادية واجتماعية وسياسية، ولكنها لا تضم جميع الرفاق الذين عرفهم قبل انقلابه.

فالذين كانوا على خلاف معه، مهما كان هذا الخلاف، استبعدوا من هذه الرابطة. وللأمانة أشك في أن هذه الرابطة فكر فيها القذافي، فالطاغية يمتلئ بنفسه حتى لا يبقى مكان لأحد، ويبدو أنها فكرة أتى بها أحد الحذاق ليستثمرها في بلد ممنوع فيها الاستثمار بعيدا عن حاكمه وعائلته، ولقيت استجابة عند القذافي واستغلهم ليحكوا عن ذكائه وشجاعته وحكمته عندما كانوا تلاميذا صغارا في مدارس سبها ومصراتة، بل إنه كان يمنح هدايا قيمة لكل من ولد يوم انقلابه.

هل كان القذافي سعيدا؟ أعتقد أن معيار النجاح في الحياة هي السعادة وتحقيق الذات والأحلام التي بدأت صغيرة وكبرت، حقق القذافي كل ما يريد من سلطة وثروة وجبروت، ولكنه أبدا لم يكن سعيدا. في بداية مسيرته في السلطة كان لا ينام إلا ساعات قليلة في أكثر من مكان.

عاش يخشى من الاغتيال.. فكيف لمن يخشى من الموت أن يكون سعيدا؟. لم يعش القذافي حياة عائلية عادية مثل معظم الناس، كانت عائلته تعيش في مكان بينما يعيش هو في مكان محصن وحيدا، وكان من الجبن بحيث لم يجرؤ على أن يفعل مثلما فعل صدام حسين والملك عبدالله الثاني، اللذان كانا يتنكران على هيئة فقراء يراجعون إدارات الدولة.

كان القذافي يستريح للفزازنة أكثر من أبناء قبائل برقة وأبناء القبائل الغربية، لأنه أدرك مبكرا أن أهالي فزان لا يطمحون في السلطة مثل الآخرين. في أفضل الأحوال يريدون تحسين الخدمات في مناطقهم، ويبدو أن سبها وأهلها الطيبين بالفطرة استقبلوا القذافي عندما كان صبيا بما جبلوا عليه من كرم، على عكس مصراتة وبنغازي وطرابلس حيث شعر بالضآلة، ومع ذلك لم يعين أي فزاني في منصب رئيس الحكومة، وأعلى منصب من الناحية البروتوكولية حظي به محمد بالقاسم الزوي كأمين لمؤتمر الشعب العام، ولكنه منصب شرفي ليس فيه سلطات واسعة ولا أموال، بينما لم يقرب في الحلقة الأولى أحدا من قبائل برقة والمنطقة الغربية.

كان المقربون إما قذاذفة أو من فزان، وينتقي من برقة وطرابلس تكنوقراط ويسمح لهم بزيارته في وفود تقرأ وثائق العهد والمبايعة ويغادرون، وإذا قرب أحدا من هؤلاء فلأنه يجيد تسليته ومسامرته فقط، فالطاغية يحتاج من حين إلى آخر مثل هذه المسامرات.

وحتى يطمئن عمل القذافي على خلق عداوات بين كل من يحيط به. المنافسة الحادة بين عبدالله منصور وعلي الكيلاني مثلا، والتلاسن من حين وآخر بين عبدالله السنوسي وعبدالسلام الزادمة. كان الزادمة عندما يغضب من السنوسي يقول له «أنا دخلت بسلاحي وأنت دخلت بذيلك»، ولم يغضب القذافي أبدا من أبنائه إذا تطاولوا على الكبار مثل أبوبكر يونس ومصطفى الخروبي ورئيس الحكومة البغدادي المحمودي الذي جعله المعتصم يبكي عندما قذفه بهاتفه النقال.

ما الذي يمثله القذافي في خبرة الليبيين التاريخية؟ هل هو قائد استثنائي لم يفهمه شعبه، وكان يستحق شعبا أفضل من الليبيين لكي ينقل البلد من التخلف إلى التقدم. ربما هذا ما يعتقده القذافي في قرارة نفسه المظلمة، وعبر عن ذلك دون خجل عدة مرات عندما قال إن الكتاب الأخضر يصلح في سويسرا أكثر من ليبيا، وفي مرات أخرى قال إن سويسرا تقترب من سلطة الشعب.

حطم القذافي أهم ما كانت تمتلكه ليبيا، وهو المدن الصغيرة العريقة التي كانت تقود مسيرة التحديث، وكان يملك من الأموال لكي يطور هذه المدن، ويبني المزيد من المدن في الريف والبادية، ولكنه فعل عكس ذلك، وها نحن نعيش جميعا في مدن تعرضت لموجات مدمرة من الترييف والبدونة.

تحاشى السنوسي الكبير بدهاء المدن لأنها لا تحتاجه، حتى تجارة القوافل مع أفريقيا كان يصرفها في مطروح لدى القبائل البدوية المهاجرة، وتحاشى تصريف تجارته في بنغازي ودرنة، ومع ذلك استعان بالمتعلمين من الغرب لتعليم أتباعه.

ويروى عن الملك إدريس أنه كان يوصي بتعيين أحد البدو في منصب وزير، فيقولون له ولكنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فيرد عليهم أردفوه بواحد درناوي، أي أن يكون الوزير بدويا ووكيل الوزارة درناويا.

من يصلح لهذا الدور من درنة اليوم بعد أن عصف بها التشدد؟. يبدو أن القذافي قبل أن يدخل مثل قنفذ في جحره الأخير ووزع جيناته على كل ليبيا. مات القنفذ ولكن جيناته تعمل بفعالية وستظل فعالة ومعدية إلى أن نجد مصلا ضد وباء القنافذ.

الوباء بدأ قبل القذافي بزمن طويل، منذ أن انقلب جمال عبدالناصر وعبد الكريم قاسم على النظام الملكي، ثم سلسلة الانقلابات في سوريا وانقلاب بومدين على بن بلا، كانت الانقلابات تبدأ بنوايا طيبة وبشعارات كبيرة، دون أن ندرك أن طريق الجحيم يبدأ بالنوايا الطيبة. مات عبدالناصر وعبدالكريم قاسم وهما لا يملكان شيئا تقريبا، ثم بدأ النظام يتفسخ على يد صدام حسين والقذافي وحافظ الأسد والشاذلي بن جديد وعلي عبدالله صالح، حتى وصل إلى موت يشبه موت النبي سليمان.

كان لا بد أن تأتي حشرة لتنخر عصا سليمان لنتأكد من موته. كل هذه المأساة بدأت بتأثير من وسائل الإعلام. سحرنا أحمد سعيد من صوت العرب بصوته المحرض، وبعد أربعين سنة سحرتنا مواقع التواصل الاجتماعي لنخرج في ثورة عمياء. ثورة لا تزال تتخبط في ظلام التاريخ.

النهاية

____________

مقالات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *